الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

سفينة الجزيرى.. فصل من أحدث أعمال الروائي محمد جبريل

رواية سفينة الجزيري
رواية سفينة الجزيري لمحمد جبريل

 

أغلقت القهوة أبوابها، اتقاءَ برودة الجو فى الخارج، صنعت أنفاسُ الرواد الجالسين لِصقَ النوافذ الزجاجية المغلقة ضبابًا كالندى، يخفى رؤية الطريق.

اختار طاولة تبعد عن المدخل، وعن زحام الملتفِّين حول طاولات لاعبى الطاولة والكوتشينة، تَشمَّمَ رائحة بول، أدرك أن الباب مجاور لدورة مياه، اتجه إلى الناحية المقابلة.

شرد عن أصوات النرد والدومينو والنداءات والصيحات، وروائح الدخان المحترق، وشواء اللحم، وتلاغط الأصوات. يتجه ذهنه إلى أبعد من المشهد الثابت، الحركة التى لا تتغير. تبدلت النظرة منذ ناوشته رحلة الجزيرة. يتوق إلى حياة جديدة، تشحب تفصيلاتها، لكنها ستبدل ظروفه، وظروف الناس. يثق بأنه لا بد من حدوث تغيير، وإن كان لا يعرف ما ينبغى تغييره، ولا كيف.

صحا على حلم اختلطت فيه المشاهد: اختفت أشعة الشمس خلف السحب الداكنة، أجدبت الأرض، نضبت مياه النهر، بلغ مد الرمال نهاية أفق البحر، تكوَّم الذباب فوق الجثث المتناثرة على رمال الشاطئ، وعلى المحار وقناديل البحر والطحالب والأعشاب وبقايا الأشياء، اِسودَّ لون الزراعات، تغطت بالضباب واجهات البيوت، عاود أهل الكهف رقادهم فى تجاويف الشاطئ. كل شىء يعوم فى الفوضى.

ما لم يحذر الناس فإن الكارثة قادمة!

المرض لا يصيب الكائنات الحية فقط، لكنه يصيب الأمكنة أيضًا. تكاثرت البنايات، وازدحمت الشوارع. المكان يحيا فيه الناس. بحرى هو المكان الذى يعيش فيه، إن لم يعد صالحًا للسكنى، فإن عليه أن يجد المكان البديل.

هو يعرف العالم جيدًا، لكنه يحلم بتغييره. فى غياب الفعل يكتفى الناس بالكلام، تتسع المناقشات والملاحظات والأدعية.

لا يذكر متى، ولا كيف، ناوشت الفكرة دماغه. ربما وقت انحسار الشمس فى أفق البحر، خلف قلعة قايتباى. تعالى الأذان من مئذنة أبوالعباس، يجاوبه رفع الأذان من مآذن الحى الأخرى، قعدة الكورنيش الحجرى فى المينا الشرقية، تتابع صيد العصارى.

الهاتف- الذى لا يعرف مصدره- يلاحقه بالهواجس فى الصحو والمنام، هواجس ملحة، تصاعدت فى داخله، لم يتبينها، دفعته إلى رؤى وتصورات. التماعات وامضة، تختفى فى اللحظة التالية. يستعيد أفكارًا سابقة، يراجع ما يتصوره لازمًا. تاق إلى شىء لم يستطع تحديده، وإن بدا سبيلًا للخلاص. 

تخيل مبنى بورصة الأوراق المالية فى موضعها المطل على ميدان التحرير. يقف خلف الشرفة التى أعلن منها جمال عبدالناصر تأميم قناة السويس، يحذر الناس- إن لم يتداركوا الأمر- من قدوم الأخطار بما يصعب تصوره.

يثق بأنه لا بد من حدوث تغيير، وإن كان لا يعرف ما ينبغى تغييره، ولا كيف. ذوى تحمسه لإصلاح الأحوال. غابت كل التوقعات. بدت المغادرة احتمالًا وحيدًا. لا يتصور بحرى مكانًا يقضى فيه بقية عمره. تنامت الرغبة فى الرحيل إلى مكان مختلف، لا يستطيع التعبير عنها بالكلمات، يخشى الدهشة والاستغراب والسخرية.

يلزم البيت عقب صلاة العشاء، لا يفتح الباب، ولا يطل من النافذة، ولا يصيخ السمع لأصوات الطريق. حتى أذان الفجر من مسجد المسيرى، القريب، يكتفى- عقب رفعه- بالبسملة، وينهض للصلاة، ثم يخلو إلى قراءاته فى التاريخ وقصص الأنبياء والسير الشعبية والتراجم والرحلات والأخبار وأحزاب الشاذلى.

يخرج من البيت، يسلك الشوارع نفسها، تعبر نظراته البيوت والدكاكين والمقاهى والمقامات والأضرحة، أَلِف وجوه المارة والقعود والمطلين من النوافذ، ربما تبادل الأسئلة والأجوبة والتعليقات والإيماءات والابتسامات. يميل- فى العودة- من الوكالة إلى شارع الميدان، يشترى، أو يتوقف- بالفضول- للفرجة على ما يثير الدهشة.

ربما جلس- فى قهوة أنح- لتناول ساندوتش فول، احتسى كوب شاى بالحليب، تبادل كلمات- مع جلساء القهوة- عن أحوال الطقس، يتطلع- فى جلسته- إلى الميدان، قد يلمح من يهمه لقاؤه، ثم يمضى إلى الورشة. 

لم تعد أحاديث القهوة تثيره كما كان الأمر من قبل. يأخذه الشرود، يشغله عن تلاغط الأصوات. يشغله حتى عن الكلمات التى تقصده. يشعر أنه فى زمن غير الذى يحياه، فى موضع ليس من هذا العالم. هذا زمن يجب أن ينتهى، أو نمضى إلى زمن نريده.

لا يذكر أنه سافر إلى أى مكان، حدود تنقله بين سراى رأس التين وانحناءة الكورنيش عند تمثال عروس البحر، يجول فى المكان، يعرف بناياته ودكاكينه والكازينوهات والمقاهى على امتداد الطريق. تردد على مساجد أبوالعباس وياقوت العرش ونصرالدين والطرطوشى والبوصيرى ومقامات الأولياء الاثنى عشر وحلقة السمك. سار فى الشوارع المفضية إلى البحر، بتفرعاتها وتقاطعاتها. رنا إلى الأفق: تراقص السراب فى أشعة الشمس. تقابل الأمواج والسماء، بلا حدود تفصلهما.

بحرى بين ميناءين، فى الجانب الثالث خليج نهايته أفق البحر. مهما تتسع المساحة، فإنها تظل محدودة، صغيرة، يتعرف- بالنظرة السريعة- إلى السِّحن الطارئة على الحى.

يتأمل الوجوه من حوله، يتفحصها، ماذا يشغل الناس، أم أنهم يحيون اللحظة لا يشغلهم أى شىء؟

يتجه- عبر شوارع السيالة الضيقة، المتقاطعة، المتشابكة- إلى ميدان الأئمة، يتجه ناحية ميدان أبوالعباس، يمضى فى شارع الأباصيرى حتى شارع فرنسا، ومنه إلى شارع سوق السمك القديم. أول سوق الترك فى تقاطع الشارع. باب الوكالة الخشبى المفتوح. الدكاكين المتجاورة، المفتوحة، والمغلقة، تتصاعد منها روائح نشارة الخشب والغراء والسبرتو والجملكة والبويات. 

يتحسس مفاتيح باب الورشة، أو يسبقه هانى إلى فتحها. يعمل فترة الصباح موظفًا إداريًا بالمستشفى الأميرى، دخل إضافى إلى جانب عمله. يظل فى الورشة إلى ما بعد العشاء. يقصر ما يصنعه من قطع الأثاث على أطقم الأنتريه الإستامبولى. يبيعها- لحسابه- معرض موبيليا فى شارع توفيق.

غالَب الحزن وهو يستبدل بصناعة الأنتريه من خشب الزان والأرو، صناعة الكراسى والشماسى من أخشاب السفن القديمة.

لم يعد الحال هو الحال.

إذا كان الله قد خسف سدوم وعمورة لِمَا اقترفه أهلها من مفاسد، فإن بحرى- إن لم يرجع أهله عن غيهم- سيواجهون الخسف نفسه.

حلت ظلمة دائمة، ابتلعت الخير والشر، وأخفت الظلال. ليس ثمة ما يرى لتحديد معناه، ولا اتجاهه.

حاول أن يرشد الناس إلى ما فيه صالحهم. لم يترك شيئًا يدلهم على الصواب إلَّا وحدَّثهم عنه. عاب استغراقهم فى الضلالة والكفر، سادت الفوضى، اختلطت الحقائق، اُنتهكت الحرمات، اضطربت الأمور، اِختلَّ النظام، ساد الخلاف والانقسام والمنازعات والدسائس والوقيعة والعنف. زادت عمليات السطو والسلب والنهب. وقع الغلاء فى سائر الأشياء، وتفاقم الجدب والأمراض والأوبئة. سميت الأشياء بغير أسمائها. إن لم تستقِم الأمور، وينصلح الحال المائل، فالخطر قادم.

كل شىء ينحل ويتداعى. لم يعُد بحرى هو الحى الذى أحبه، ولا الناس هم أهله. ضاق عليه بما رحب. تثيره النظرات الفضولية، أو التى ترمق بعداء، والأسئلة، والنصائح، والتحذيرات الخالية من الفهم، والتعليقات السخيفة.

حاول مداراة المشاعر التى ملأت نفسه. مشاعر غامضة، لا يستطيع تحديدها. ما كان يعانيه لم يعد كذلك، هو رغبة حقيقية. يصبح بحرى مكانًا يسهل العيش فيه، يعمل المرء، ويصادق، ويحب، ويعبد الله.

أول مرة واتته فكرة السفر لَمَّا أفلت خيط الطائرة الورقية من يدى ولد على سطح البيت المقابل، وغاب فى الأفق. 

أين ذهبت الطائرة؟ أين استقرت؟ ما صورة الحياة بعد نهاية الأفق؟ هل يتاح له اكتشاف ما تقتصر صوره على أفواه القادمين من بلاد لم يرها؟ 

من يومها، شغلته الفكرة، وإن لم يجاوزها إلى وسيلة تحقيقها.

تصاعد- فى داخله- هاتف يدعوه إلى الرحيل. سكنت الفكرة رأسه، استولت عليه تمامًا. لم يعد قادرًا على نسيانها أو تجاهلها. يبدأ فيصنع السفينة، ويحسن اختيار من يرافقون رحلته.

داخله ما يشبه اليقين أنه سيهتدى إلى الجزيرة التى تخايله فى الصحو والمنام. الجزيرة حلمه، ونبض كلماته. 

قال للمحمدى نصير:

- جئت فى الموعد.

قال المحمدى:

- لا يطلبنى محيى عامر إلَّا لأمر مهم.

القامة الطويلة، الممتلئة، البشرة البيضاء يكسوها النمش، والبياض يغلب السواد فى الحاجبين الكثيفين. الخيوط الرفيعة من التجاعيد حول العينين والشفتين. يرتدى سترة خفيفة، وبنطلونًا، فى إصبعه خاتم ذهبى بفص ياقوت أزرق.

جلسا على كرسيين، تفصل بينهما طاولة خشبية مستطيلة، يعلوها مفرش رُبِط بحبل فى قوائمها الأربعة. الجرسون الستينى يخرج الكراسى من داخل المقهى، يضعها- متجاورة- على الرصيف، ويمسح أسطح الطاولات بمنشفة حمراء. انفصلا عمَّا حولهما من النداءات والمناقشات والتعليقات وكركرة النراجيل وسحابات الدخان وضربات النرد والضحكات المقهقهة. 

المحمدى نصير، دنياه البحر والأمواج وزرقة السماء والشمس وهبات الهواء والنوات ورائحة الملح واليود والأعشاب والطحالب. أمضى سنوات فى البحر، قبل أن يلزم بيته فى بحرى. لم يسأله، وإن روى حادثة قديمة، واجه فيها الغرق وسط نوة، لحقته بالقرب من طرابلس الغرب. فصلته عن كل ما حوله. غاب الزمان والمكان. تحولت أفواه عشرات التماسيح إلى فم واحد، كبير، يهم بابتلاعه. همس بالشهادتين حين بدت الأمواج كأنها تبتلع البلانس، تأخذه فى طياتها. اختلطت الأصوات والمرئيات والنداءات والتحذيرات والتوقعات، ثم لا شىء، لا أحد. هو وحده فى مواجهة الغرق، النهاية التى لا يملك دفعها. حرك- بكل قوته- ساعديه وذراعيه ورجليه، غلبه الإنهاك، فلا يقوى على الحركة، تطوحت ذراعاه بلا إرادة، بلا قصد، كأنه نسى العوم، عجز حتى عن تحريك أطرافه، ما يحتاج إلى عونه كى لا تأخذه الأعماق، يصعد إلى سطح الموج فيتنفس. حلت عليه بلادة. تلاشت الرغبة فى أن ينطق، أو يفعل شيئًا. 

تعددت الروايات، فلم يدرِ كيف حملته الأيدى من قلب الأمواج إلى السرير فى مستشفى رأس التين، والنظرات الملهوفة ترقب صحوه.

أدرك المحمدى أن لدى محيى عامر ما يريد أن يتكلم عنه، ما يحكيه. وضع راحته خلف أذنه ليصغى جيدًا.

أحزنه أن الكلمات تخرج من بين شفتيه مشوبة بالأسى. كأنه أسلم نفسه لنوبات من الإحباط واليأس.

قال المحمدى:

- تعددت النبوءات- من قبل- بنهاية الزمان، والزمان- كما ترى- باقٍ، لا يعلم نهايته إلا الله.

ووضع يده مكورة على شفتيه، كأنه يتنحنح:

- قالوا يا جحا عد موج البحر.. قال الجايات أكتر من الرايحات.

وعلت شفتيه ابتسامة مشفقة:

- إذا دخلت فى صراع مع البحر فإن الغلبة له دائمًا!

قال محيى عامر:

- حكاياتك عن البحر.. تدفعنى إلى محاولة ركوبه!

وهو يحرك إصبعه فى وجهه:

- ركوب البحر يختلف عن ركوب البشر.

وتنهد:

- أعرف. البحر نداهة، لا يتوقف إلحاحها حتى تختطف من تغويه. 

ثم وهو يمسد جبهته بأطراف أصابعه:

- ربما التغير الذى نطلبه فى نفوسنا وليس حيث نعيش.

- لا شىء يخرجنا من هذه الظروف إلا الرحيل.

- سهل أن تبدّل المكان. الصعب أن تبدّل النفس. 

حكاياته لا تنتهى عن الحياة فى البحر. المغامرات وحكايات الأعاصير والعواصف والأنواء. تنقل بين الموانئ والمدن والجزر والبواخر الضخمة وسفن الحاويات وناقلات البترول والبلانسات والقوارب الصغيرة. يعرف الكثير عن البحار والجزر والموانى والمدن، يحفظ أسماء مخلوقات البحر، الحيتان والدرافيل والأسماك الضخمة، حتى الأعشاب والطحالب يعى خصائصها وفوائدها. يروى مشاهداته عن الدلافين المتقافزة حول البلانس فى البحار البعيدة، يمسك نفسه عن صيدها، حتى لا يواجه ريس البلانس- قبل أن يواجه الجميع- عقاب الصيد الممنوع.

شعر بأنه قد تقدم به العمر، لم يعد لديه وقت يضيعه. عاد إلى بحرى، يعيش آخر أيامه، ويتذكر الأيام الفائتة.

حرص على أن يحتفظ بأشياء صغيرة من المدن التى زارها، يستعيد- بالنظر إليها- أماكن وأحداثًا وبشرًا. الصندوق الكرتونى فى بيته المطل على مسجد نصر الدين يضم صورًا من رحلاته فى مدن الدنيا، بشرًا وموانى وميادين وشوارع وأسواقًا، يعتز بأنه قد اغتسل فى مياه بحار العالم كلها. حتى شواطئ المدن البعيدة، والجزر المتناثرة فى داخل البحار والمحيطات.

أومأ محيى عامر برأسه يستحث المحمدى على المتابعة. 

ظلت نظراته على توزع التفاتاتها بين البحر ونصف دائرة البنايات، تصعد إلى زرقة السماء، تطيل تأمل ما بين انفراجات السحب.

قال بحذر لم يعهده فى نفسه:

- أعلم أن نوحًا كان سيبنى سفينته متغافلًا سخرية ناسه.

- هل تريد عمر نوح؟.. عاش مئات السنين لكنه مات فى النهاية!

يعرف عنه طبيعته البركانية، إذا ثار فهو يلجأ إلى الانفعالات المتطايرة: الصراخ والشتائم والكلمات المتوعدة، يرافقه تطوح بيديه، واهتزاز فى كل جسده. 

استطرد بنبرة معتذرة:

- لكى أصحبك فى رحلتك فلا بد أن أكون ساخطًا.. وأنا لست كذلك.

الرحيل فرصة لن تتكرر. لو أنه فكر فى مخاطرها، فسيظل فى بحرى، تفرض التوقعات السخيفة نفسها، تلغى المراجعة، ما يدور فى باله من صور الطمأنينة، الأعاصير والعواصف والضباب وعطل المحرك والرياح المعاكسة.

قال محيى:

- أذكر قولك إن من يعرف البحر جيدًا لا يخشى أذاه، هو صديق لمن يحترم أحواله.

لكم المحمدى قبضة يده براحة اليد الأخرى:

– بلغت من السن ما يمنعنى من المجازفة. إذا لم تكن النتيجة مضمونة فلن أترك بحرى.

ورشف مرة واحدة من القهوة، ثم أزاح الفنجان بظهر يده:

- بالنسبة إلىَّ.. بلغت من العمر ما لا يُعدُّ فيه الموت مفاجئًا.

وشوَّح بيده فى عصبية نافرًا:

- أن أترك بحرى، فذلك هو الموت.

- البحر هو وطنك.

- وطنى بحرى.

- لا تذهب بظنونك بعيدًا. أنا أحب بحرى.

ربت- فى تلقائية- جبهته وصدره.

- نلت كفايتى من البحر، مثلما نال كفايته منى.

النظرة الساهمة وشت بما فى نفسه.

سئم العيش فى البحر، استعاد مواقف صعبة، عاشها فى زمن الرحلات الطويلة بعيدًا عن بحرى، الرياح والأعاصير والنوَّات، ارتفاع الأمواج بما يقارب طول الصوارى، هبوطها كأن طياتها ستبتلع المركب. فى باله ألا يبتعد عن بحرى، لا يتصور نفسه فى مكان آخر. الجنة وعد الآخرة. أما بحرى فهو جنة الدنيا.

تخللت صوته نبرة أسى:

- أعود إلى البر فى كل مرة، أنفق ما حصلت عليه فى البحر، أعود إلى البحر لأجمع أموالًا أنفقها فى البر، هكذا، بلا نهاية.

ثم وهو يتفحص وجهه لتبين أثر كلماته:

- لا بد من نهاية. أعمل فى البر، أكسب فيه، بدلًا من البحر.

ظل صوته على خفوته، وإن سرت فيه خيبة أمل:

- البحر مورد رزق، وإن كان من الصعب أن أطمئن إليه. اليوم حصيرة تغرى بركوبه، وغدًا- وربما بعد ساعات- نوة، تبتلع حتى البلانسات. ربما لا يتذكر الصيادون ما حصدوه من البحر، لكنهم يذكرون جيدًا مَنِ اختطفهم البحر فى أجوائه المتقلبة، الغادرة.

التفت محيى عامر- بتلقائية- إلى هبة هواء من الباب الذى تركه الجرسون مواربًا. تظاهر بتأمل تغير لون الماء الساخن فى الكوب إلى الحمرة، بعد أن وضع كيس الشاى.

مط شفته السفلى، ونفض رأسه:

- لكى يحدث فى حياتنا تغير حقيقى لا بد أن نخلق عالمًا جديدًا.

ولاحت فى وجهه أمارات الأسى.

- الناس يرحلون عن الأرض المجدبة. ما نعيشه الآن لا يتيح استمرار الحياة.

حدجه المحمدى بنظرة مستغربة:

- هل الجزيرة هى الهدف، أو أنها السبيل إلى الهدف؟

لم يكن السؤال قد خطر- حتى هذه اللحظة- على باله. قال وهو يهرش مقدمة رأسه:

- أتصورها وسيلة لمجتمع جديد.

- إذا لم نستطِع التغيير فى بحرى، فلن نستطيعه فى مكان آخر.

ورفع صوته ليدفعه إلى الإنصات إليه:

– كيف تطمئن إلى أنك ستجد فى جزيرتك ما ترحل من أجله؟

وأشار إلى رأس محيى: 

- أى هاجس وضع الفكرة فى مخِّك؟!

- الرحيل هو الوسيلة الوحيدة للخلاص من هذا العذاب.

- لا مغامرة بلا دافع. عدم الرضا ليس دافعًا.

ومالَ يدير الملعقة الصغيرة فى كوب الشاى:

- نحن خلق الله. علينا أن نرضى بما قدَّره الله.

اِفترَّ فمه عن ابتسامة يشوبها انفعال:

- بحرى الذى يعيشه الناس، يختلف عن بحرى الذى أحلم بالعيش فيه.

- أهل بحرى ليسوا سيئين.. الظروف السيئة تملى تصرفاتهم.

وقاطع ذراعيه على صدره:

- حاذر من الانسياق وراء ما قد يكون وهمًا.

استطرد دون أن ينتظر ردًّا:

- أنت تحتاج إلى رؤية الأشياء كما هى فى الواقع.

وحدقه بنظرة متسائلة:

- كيف نطمئن إلى أنك ستجد فى جزيرتك ما ترحل من أجله؟

أربكه السؤال. لم يتوقعه، اتجه بعينيه إلى قط يتمسح فى ذيل جلباب رجل يتناول طعامه على طاولة فى زاوية القهوة.

التقط الشيخ نظرته المتحيرة:

- أنا فى سن لا تأذن أن يبدأ الإنسان حياته من جديد.

وأومأ إلى الطريق:

- أولى بالرحلة شاب يشكو البطالة.

أدرك ما خطر فى باله، فاستطرد:

- دعواتى أن تصحبكم ريح طيبة.

قبل أن يتجه محيى عامر إلى ميدان الأئمة، لحقه المحمدى بالقول فى صوت محمّل بالود:

- فلنسمِّكَ الجزيرى.