الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

بيساو.. جزيرة مصرية لا تُعلم بناتِها بعد الإعدادية!

بيساو
بيساو

يخطئ مَن يعتقد أنه يعرف كل أسرار مصر.. فكل بقعةٍ من بقاعها- حتى التى تجاورنا أو تنتمى إلى المحافظة التى نتنمى إليها- لها أسرارُها الخاصة! 

«بيساو» أو «بَساو» كما ينطقها البعض هى جزيرة نيلية كبرى تقبع فى جنوب مصر فى نطاق محافظة أسوان. تبلغ مساحة الجزيرة حوالى مائتين وسبعين فدانًا من الأراضى النيلية الخصبة. يقطنها أقل من ألف مواطن مصرى ينتمون فى الأساس إلى جزيرة راجح بإسنا، وإداريًا تتبع مدينة كوم أمبو، أقرب قرية إليها شرق النيل قرية «السيد سعيد». هى جزيرة من طرح النهر خضعت لقوانين الإصلاح الزراعى منذ عقود، ويتملك أراضيها السكان الذين ينتمون تقريبًا لنفس العائلات. 

أصبحت شواطئ الجزيرة فى السنوات الأخيرة مقصدًا سياحيًا ترسو عليه «الدهبيات» السياحية التى تشكل الآن أحد أهم مفردات السياحة النيلية فى جنوب مصر، والتى أعادت للرحلات النيلية سحرها وبريقها الذى كنا نشتم عبقه فى كتابات السائحين الأوائل فى القرن الماضى.

بدأت أقدام السائحين تعرف طرقات الجزيرة لاكتشاف بعضٍ من أسرار جنوب مصر.. يشعر أى مصرى بفخرٍ شديد وهو يسير بصحبة أى مجموعة أجنبية بين هذه الطرقات الضيقة الترابية التى تصطف على جانبيها مجموعات متناسقة من البيوت الريفية الطينية. وهناك الكثير لأسباب هذا الفخر. يأتى على رأسها هذه النظافة البسيطة غير المصطنعة التى تتميز بها هذه الطرقات. فالسيدات تقمن بكنسها مرتين يومين، الأولى صباحًا والثانية قبل المغرب. 

هذه عاداتهم القديمة، ولا علاقة لها بوجود هذا العنصر الجديد المتمثل فى مجموعات السائحين التى عرفت طريقها لهذه البقعة الساحرة من جنوب مصر!

وأنت تسير هناك لا تلتقط عيناك أى مشاهد لأكوام قمامة من تلك التى اعتادت بكل أسف أعينُ المصريين على رؤيتها حتى فى بعض المناطق المدنية السياحية! ولا تلتقط أنفك سوى نسمات هواء تختلط بها رائحة النهر وشذى الأشجار والنباتات المختلفة!

أما ما لا يمكن نسيانه أبدًا فهو هذه الرائحة التى نعب منها عبًا ونتمنى لو يتوقف بنا الزمن فلا تلتقط أنوفنا غيرها.. إنها رائحة «الخبيز» التى تنطلق من أبواب البيوت أو أسقفها.. تلك الرائحة النفاذة التى تقتحمك وكأنها تحمل إليك صوت محمود درويش وهو يشدو ببعض شطرات قصيدته.. أحنُّ إلى خبز أمى! تلك الرائحة وهذا العنوان الشعرى الذى لا يشعر بسطوتهما على النفس إلا من اختزنت ذاكرة طفولته بعضًا منهما! يقتحم النفس هذا الحنين الجارف وتصبو الروح إلى تلك المشاهد التى سعدتُ باختزان بعضها بداخلى!

يستقبلنا أحد سكان القرية «أبوأمير وهارون» ويرحب بنا فى منزله النظيف ذى الطابقين.. وقبل أن نصعد للتمتع برؤية النيل من الطابق العلوى تسرقنا نفس رائحة الخبز فترحب بنا «الأم» وتستقبلنا فى غرفة «الفُرن» البلدى ويدهمنا الجوع فجأة مع بريق الخبز الشمسى ووهجه وسخونته، فتنسى كل الغربيات الرقيقات كل ما اعتدن عليه من عادات الأكل، وتتسارع أيديهن لملامسة هذا الكائن الساحر «الرغيف الشمسى» الطازج! يتم تمزيق الرغيف فى لحظات خاطفة قبل أن تلتقمه الأفواه وهو فى ذروة سخونته، وتغمر السعادة وجهَ الأم وتشعر بالزهو والرضا معًا!

أكلنا وشربنا وجلسنا نتمتع بهذا المنظر الخلاب من شرفة الدور الثانى قبل أن نغادر المنزل ونتجول بين الحقول وتلتقط بعض الأيدى أعواد النعناع، ويصبح صوت حيوانات الحقول المتناغم مع ما حوله وكأنه سيمفونية مكتملة.. حتى كلب الحراسة الذى يقبع فى هدوء ينظر إلينا دون أن ينزعج، وكأنه قد تم تعليمه آداب الضيافة!

لا توجد فى القرية أى مقاه أو سوبر ماركت، لكن يوجد «دكان» الحاج مصطفى الذى وضع أمام دكانه المواجه لشط الجزيرة بعض «الكنب» الخشبى البلدى وبعض «الحُصر» على الأرض ترحيبًا بأى ضيف أو زائر ودون أى مقابل! فى المساء ومع البرد القارس يجتمع بعض جيرانه ويقومون بإشعال قطعة كبرى من خشب شجرة مانجو للتدفئة.. مرة أخرى لم نستطع مقاومة فكرة احتساء كوب من الشاى أو نرتشف القهوة الخاصة أو «الجَبَنَة» على فحم خشب المانجو.. وبعضهم نصب «شيشة» لمن أراد التدخين!

ليلة مباراة المنتخب المصرى، لم يكن بغالبية «الدهبيات» جهاز تليفزيون لمتابعة المباراة.. فتطوع أحد أهل القرية بعزومة مَن أراد مشاهدة المباراة فى منزله، وقام باصطحابهم إلى المنزل.

مصر تمتلئ بالمواهب التى يحالف بعضَها الحظُ، فيكتشفها من وهبه الله إياها مبكرًا ويتعهدها بالرعاية والعناية حتى تتفتح وتزدهر، بينما يضمر البعض الآخر حتى يتلاشى تمامًا حين يضل صاحبها الطريق! على شاطئ جزيرة «بساو» كنا على موعدٍ مع إحدى هذه المواهب الذى أدرك موهبته مبكرًا فقرر السير فى طريق تعهدها بالرعاية بكل ما يمتلكه من أدوات بسيطة.. إنه «طه» الفتى الذى يبلغ أربعة عشر عامًا.. يعشق الرسم بمختلف أنواع الألوان من فحم وزيت وغيرهما.. حمل لوحاته ووقف أمام المرسى لا يتسول، وإنما يعرض تلك اللوحات على استحياء معتزًا بنفسه وبفنه.. لا يلاحق أحدًا أو ستجدى أحدًا كما لا يفرض ثمنًا معينًا لأى لوحة، وإنما تلمع عيناه بالنشوة حين يرى إعجاب بعض الضيوف بلوحة من لوحاته.. قام أحد ملاك الدهبيات بشراء بعض لوحات «طه» حين ظنها أولًا صورًا فوتوغرافية، لكن أصابه الذهول من جمالها حين أدرك أنها من إبداع طه. وبعض السائحين قام بشراء لوحة أخرى، وقمتُ بالحديث معه وتشجيعه، وأدهشنى تصميمه على الالتحاق بكلية الفنون الجميلة رغم معارضة بعض أسرته، لكنه يعرف طريقه جيدًا.. وتشرفتُ باقتناء إحدى لوحاته.

زيارة هذه الجزيرة كالحلم الجميل.. الذى- كعادة أحلام المصريين- لم يكتمل تمامًا، وذلك بعد حديثنا مع «علا» الفتاة التى لم تبلغ العشرين من العمر، التى ألقت إلينا بسرٍ من أسرار الجزيرة.. عباراتٌ بسيطة كشفت السر.. «أنا أخدت الإعدادية وقعدت فى البيت».. «لا والله كنت شاطرة وكان نفسى أكمل بس هنا الجزيرة كدا مفيش بنات بتكمل بعد الإعدادى علشان مفيش مدرسة ثانوى ولازم نعدى البحر نروح شرق.. الولاد بيعدوا ويروحوا بس أهالينا بتخاف علينا».. «يعنى فيه كام واحدة فلتوا وكملوا لكن الباقى لأ»..

توجد بالجزيرة مدرسة ابتدائى ومدرسة إعدادى. لكن لا توجد مدرسة ثانوى.. يعبر الصبيان النيل إلى قرية «السيد سعيد» شرق إلى المدرسة الثانوى، أما البنات فيخاف عليهن الأهالى من هذه الرحلة اليومية التى لا تشمل فقط المعدية الموجودة بالفعل، لكن تشمل طريقًا آخر بالتوك توك أو الميكروباص، فاتخذوا قرارًا قديمًا جماعيًا بأن يقتصر تعليم البنات على المرحلة الإعدادية! تصر «عُلا» على أنها كانت شاطرة وكان نفسها تكمل!

كلٌ من المدرسة الابتدائية والإعدادية صغيرة جدًا يتناسب حجم كل منهما مع أعداد سكان الجزيرة.. ما يمكنه أن ينقذ بنات الجزيرة من مصير «علا» ومن سبقتها من البنات هو فصل ثانوى واحد للبنات يمكن ضمه للمدرسة الإعدادية، ويمكن أن يقمن بأداء امتحانات الثانوية العامة خارج الجزيرة. فيمكن للأهالى أن يصطحبن البنات فقط فى أيام الامتحانات! 

لقد وعدتُ أخوات «علا» الصغار «جنى وتغريد» بأن أحاول توصيل صوتهن لمن يستطيع القيام بتغيير مستقبلهن، وتوفير هذا الفصل الثانوى الذى أصبح يمثل حلمًا لكل بنات الجزيرة الصغار!

فها أنا ذا قد قمت بإرسال الرسالة، وأتمنى من كل قلبى أن يلتقطها المسئولون عن ملفات التعليم وملفات المرأة فى مصر!