الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

قمر الغجر.. عين على المسرح الغنائى وأخرى على التاريخ

قمر الغجر
قمر الغجر

 

العرض المسرحى «قمر الغجر» للمخرج عمرو دوارة، والذى استمر ثلاث ساعات فى فصلين تخللهما ما يقرب من أحد عشر استعراضًا غنائيًا وشارك فيه ما يقرب من خمسة وستين ممثلًا وراقصًا قدم من خلاله المخرج مجموعة كبيرة من الأغانى القديمة والحديثة، يطرح العديد من الأسئلة حول المسرح الغنائى وطبيعة ودور قطاع الفنون الشعبية والاستعراضية، النص المسرحى كتبه محمود مكى وقام المخرج بعمل إعداد أو تعديل فى النص الذى يطرح حكاية مجموعة من الغجر يعيشون قرب البحر إلى جوار مجموعة من الصيادين، ويبدو أن المنطقة سياحية، حيث يوجد بها فندق سوف يزوره للإقامة طلبة كلية الفنون الجميلة مع أستاذهم، ليقدم ثلاثة عوالم سوف تشتبك فيما بينها، القادمين من العاصمة، الصيادين، والغجر.. لتدور الأحداث فى هذه القرية الساحلية التى يقطنها الصيادون وتستقبل السياح المصريين والأجانب وتجسد الحبكة الدرامية التى تقوم على التقارب بين هذه العوالم وليس الصراع فى محاولة لطرح رؤية للتعايش بين شرائح المجتمع! من خلال بنية رئيسية قوامها علاقة الحب بين قمر الغجرية وأمير ابن الوزير. 

فى الفصل الأول نستمع من شاعرالقبيلة إلى سرد لتاريخ الغجر فى مصر والعالم مع مادة مسجلة تعرضها الشاشة التى وضعها المخرج فى عمق المسرح طيلة زمن العرض ولعبت دورًا رئيسيًا فى الأحداث، بالإضافة إلى توثيق آخر لأحداث غزة من خلال الضيفة العربية التى تقطن الفندق، فنشاهد على الشاشة لقطات حية من المأساة مع تعليق على الأحداث الجارية، بالإضافة إلى أغنية عن مصر فى نهاية الفصل الأول يؤديها مجموعة من الممثلين مع الراقصين، مصر يعنى النيل وتنهيدة الربابة، مصر يعنى أنا وأنت والناس الغلابة، مصر يعنى اتنين على شط الأمل دايبين صبابة، مصر يعنى سؤال مش محتاج إجابة، مصر يعنى الفرحة فى جبين الكآبة، وسوف يقول كل مشارك من الشخصيات جملة ماذا تعنى له مصر والختام مع الدكتور رءوف الذى يقول «مصر راس مرفوعة مش قابلة الإهانة» كلمات كتبها سعيد شحاتة وفى الخلفية تقدم الشاشة ترجمة بصرية لمعالم مصر وتاريخها، فقد انحاز عمرو دوارة للمؤرخ على حساب المخرج فى أحيان كثيرة من خلال توثيق الأحداث وإلقاء نظرة على التاريخ، بعيدًا عن أهمية هذا فى سياق الدراما أو تأثيره على الحبكة وخط سير الأحداث، فثمة اهتمام بالتأريخ والتوثيق مع محاولة للتضامن مع الشعب الفلسطينى فى غزة وأيضًا مشاركة عدد كبير من أعضاء الفرق فى البيت الفنى للفنون الشعبية والاستعراضية وأيضًا بعض الرموز من المسرحيين أمثال آمال رمزى وسيف عبدالرحمن، وأيضًا شخصية الدكتورة وطفاء حمادى، ود. رءوف عبدالمجيد، فثمة طموح كبير لدى مخرج العرض فى تحقيق العديد من المكاسب على هامش الدراما، منها إضفاء طابع عربى وأيضًا التنديد بالعدو الصهيونى وعرض تاريخ الغجر! فهل أصاب فى هذا الطموح ؟ 

على مدى فصلين وثلاث ساعات يعيش الجمهور فى عالم الغجر والصيادين ومعهم شريحة قادمة من العاصمة إلى هذا الفضاء الذى يجمع بين ثقافتين من تكوين السكان فى مصر ليضع المخرج فى العمق شاشة تمثل جزءًا مهمًا من البنية العميقة للعرض والتى يشاهد من خلالها الجمهور البحر صاخبًا وهادئا فى الشروق وفى الغروب فى كل حالاته، بل والمشهد الأول يجسد مزيجًا بين خشبة المسرح والشاشة تشى بدور هذه الصورة والذى سوف يتكرر كثيرًا، فلن يختفى البحر إلا لعرض وثائق عن أحداث غزة، أو تاريخ الغجر فى العالم، أو ثائق أخرى، سيظل يلعب الدور الرئيسى فى فضاء الحكاية من خلال هذه الشاشة التى شاركت فى البنية العميقة للعرض، فإذا كانت الصورة/ اللوحة توقف عامل الزمن، زمن العرض وتحيل المشاهد إلى زمن الصورة، فإن الشاشة على خشبة المسرح بالإضافة إلى هذه الإحالة تقدم معالجة للزمن والمكان وخاصة وإن كان هناك حوار بين هذه الشاشة وبين خشبة المسرح، حوار بين أزمنة متعددة، وأيضا حوار بين أمكنة مختلفة، بالإضافة إلى المادة التاريخية التى قدمتها الشاشة، فثمة محاولة لخلق مكان للأحداث أو إيحاء بوجود عالم موازٍ للحدث أى البحر الذى تدور وقائعه على خشبة المسرح، فهذا التماهى الذى يقع بين الممثلين الواقفين على خشبة المسرح والصورة الحية على الشاشة، هذا التفاعل يعيد تشكيل التصورات عن الأحداث من خلال تجليات الصورة على الشاشة، التى أبدعها المهندس ضياء دواد ببراعة حين وضع هذه الرؤية السينمائية للأحداث.

هذا بالإضافة إلى فضاء الحكاية الحى على خشبة المسرح الذى يبدأ باستعراض الصيادين، بينهم والمجموعة وشخصيات من الحكاية «الصيادين: جينا م البحر البعيد بالرزق جينا / الأمل فى عينينا والبورى فى إيدينا، البرنس: جينا فى قلوبنا العشم بالله محبة / ضحكنا فى وشوشنا عمره مايستخبى/ مهما بنعجز بتفضل روحنا شابة، المجموعة: صيادين والبحر غيتنا وصاحبنا موجه بيودينا وبيرجع يجبنا/ بحرنا فى إيدنا ولا عمره فى مرة سابنا وأما نطلع منه بالخير يراضينا.. كلمات كتبها الشاعر سعيد شحاتة لتكون جزءًا من البنية الدرامية للحكاية، وإلى اليمين مقهى الصيادين لصاحبه كابوريا وإلى يسار المسرح الفندق الخاص بالغرباء والشاشة التى تجسد البحر فى العمق وسوف يتغير هذا الفضاء فقط حين نذهب إلى حى الغجر من خلال الديكور الواقعى الذى صممه محمد سعد واحتاج التنقل بين الفضائين زمنًا طويلًا كان له تأثير سلبى على إيقاع العرض، لنعرف فى البداية لمحة عن حياة الصيادين، التى يقدمها العرض من خلال المزج بين الشاشة وخشبة المسرح ثم الغجر من خلال، «نجمة» بائعة اللبن، وأيضًا «قمر» الشخصية الرئيسة لتدخل الرحلة القادمة من القاهرة ويضع المخرج الخطوط الدرامية أمام المشاهد فى الفصل الأول الذى احتاج إلى ما يقرب من الساعتين من خلال الاستعراضات الغنائية التى وضع موسيقاها أحمد الناصر وكتب كلماتها سعيد شحاتة وصمم لها الاستعراضات محمد زينهم، لعرض الخطوط الدرامية الثلاثة للحكاية مع ما سبق من طموح واستعراضات وأغانى الفصل الأول، مع بعض الملامح الخاصة للشخصيات مثل نجمة التى غنت مجموعة من أغانى أم كلثوم من فيلمى سلامة وفاطمة، ورغم جمال صوتها وقدراتها الغنائية إلا أننا لو حذفنا هذه الأغانى لن يتأثر العرض، وشخصية «كابوريا» الصياد الذى اعتزل البحر بعد أن كاد يبتلع ابنه وقرر أن يفتح المقهى ويساهم بدور مؤثر فى الأحداث، وشاعر القبيلة والشيخ شعلان، ومجموعة من الصيادين، وأعضاء الرحلة، شخصيات مبعثرة ما بين اللوحات الاستعراضية والحوار، فالعرض أقرب إلى بناء الكوميديا الموسيقية الذى يجمع بين الرقص والغناء والحوار المحكى، والحدث هنا بشكل دائم يخضع للانقطاع لتقديم الرقصات والأغانى، مما يعطى العرض طابع التبعثر الزمنى والمكانى، وفى هذا العرض تبعثر الأحداث التى تتخلل الاستعراضات، فبعد أن يلقى العرض أو قل يقدم بإسهاب هذه الشرائح الثلاث وما تضمنها من تأريخ وتعليق على الأحداث يكون قد مهد لقصة الحب قوام الحبكة الرئيسية ولكن فى زمن طويل تشتت معه المشاهد لتداخل الأحداث والتفاصيل العديدة من الحاضر والماضى، فمن المفترض أن المسرح الموسيقى يسعى إلى توريط المتفرج ضمن حالة موسيقية معينة واستثارة أحاسيسه من خلال تحقيق التداخل بين النص والصورة والموسيقى، وفى هذه الحالة تكون الموسيقى نقطة انطلاق العرض، فمن المفترض أنها تحمل بعدًا دراميًا، وتروى الحدث، بالإضافة إلى أنها تشكل ما يسمى بالديكور السمعى الذى يعطى إيقاع الحدث ويؤكد على درامية الزمن.. ولكن زحام الأحداث وطموح المخرج فى التركيز والإشارة إلى قضايا عديدة محلية وعربية تراجع معه تأثير الموسيقى الذى لم يكن يلعب دور البطولة المطلقة فى زحام التأريخ والتوثيق والشخصيات غير المؤثرة فى الأحداث. 

فى الفصل الثانى الذى استمر ما يقرب من ساعة وربع كانت الحبكة أكثر تماسكًا حين غابت التفاصيل العديدة وركز العرض على الأحداث، فبدا البناء الدرامى دون هوامش حول التاريخ بين اللوحات الغنائية الاستعراضية والتى أبرزت قصة العشق من خلال الاستعراض الأول «أمير: للعشق ناسه وللعشيق علامات وأنا عشقى لعيونك غنا وسلامات، تتوجعى يوجعنى ناى صوتك، وترد قمر: خطوط الكف تتلاقى إذا وشوشتهم باسمى، خطوط القلب تتقابل وقلبك ينتقل جسمى وقلبى يدق من جواك» والحوار الدرامى الذى أبرز المؤامرة التى دبرتها زميلة أمير المغرورة ضد قمر، وتم كشف هذه المؤامرة بعد أن عاقبت القبيلة العاشقة وحضور الوزير من القاهرة ولم الشمل والتقارب بين الشرائح الثلاث التى طرحها العرض، ولم يخل الفصل الثانى من الهوامش والتأريخ فقط بل من الشخصيات والأحداث غير الضرورية كما حدث فى الفصل الأول.. مثل الزوجتين اللتين اقتحمتا المقهى واشتبكتا مع الزوج يطالبانه بالمصاريف، ومثل الأغانى التى أطلقتها نجمة ومحاكاة فيلمين لأم كلثوم! والتفاصيل العديدة غير المؤثرة والتى هى أقرب إلى هوامش خارج العرض، وهذه الهوامش جسدت المشكلة ممثلة فى انفصال بين الكلام/ الحوار، والاستعراض والغناء وطموح المخرج فى عرض أفكاره، ليس هناك حبكة تجمع بينهما، فنحن لم نشاهد عملًا فنيًا متكاملًا، بقدر ما شاهدنا لوحات مبعثرة تجمع بين الغناء والموسيقى والاستعراض وتدعمها الصورة السينمائية، بالإضافة إلى الارتباك فى استعمال اللهجة بين الغجر والصيادين والقادمين من العاصمة والضيفة العربية، اللهجات غير منضبطة قمر على سبيل المثال تحكى بلهجة القاهرة أحيانًا أو اللهجة البدوية وهكذا الآخرون، ودون شك تميزت بعض الشخصيات فى الأداء الكوميدى مثل حسان العربى فى دور كابوريا، فتحى سعد فى دور الشيخ شعلان ووفاء السيد فى دور صديقة قمر، والأهم هو ميرنا وليد التى كانت بالنسبة لى اكتشافا فى الاستعراض والغناء، ويستحق سيف عبدالرحمن التحية على الحيوية والحماس فى الأداء وأيضًا الفنانة آمال رمزى والذى رغم صغر حجم الدور إلا أنها جعلت له أهمية وتأثيرا كبيرين فى الأحداث، ودون شك إقدام عمرو دوارة على تقديم مسرح غنائى احتوى على مجموعة كبيرة من الاستعراضات المتنوعة بالإضافة إلى مشاركة ما يقرب من ستين ممثلًا وراقصًا من قطاع الفنون الشعبية والاستعراضية مغامرة كبيرة استطاع من خلالها تقديم مسرح غنائى يليق ويتناسب مع أهداف هذا القطاع الذى يرأسه الفنان أحمد الشافعى.