الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

الأسرار السبعة لنجاح فيلم الحريفة

الحريفة
الحريفة

السينما أصابها ما أصاب كل شىء فى حياتنا؛ هزة ثم تراجع، ثم كساد وانتكاسة وعزوف تام عن الشباك. لا أحد بات ينتظر ما ستعرضه السينمات، زمن المواسم راح، وانطفأت الرغبة ولم تعد تلح على أحد فكرة أن يخرج من بيته ليضع يده فى جيبه لمشاهدة فيلم جديد. تغيّر سلوك الجمهور وصار يفكر ألف مرة قبل أن يذهب بقدميه ويقف أمام شباك التذاكر. 

وتعددت الأسباب، ولسنا فى موضع ولا مناسبة لاستعراضها، ومع ذلك، سأختار سببًا واحدًا منها، وهو أن القصص التى تتناولها السينما الآن، لم تعد تشبهنا ولا تعبّر عنّا، والضمير هنا يعود على الطبقة العظمى التى يتشكل منها أغلب المصريين.

والمعنى المقصود هو أن الصناعة بأكملها حاليًا، يهيمن عليها كُتّاب ومخرجون صِغار نشأوا وترعرعوا فى الأغلب داخل كومباوند ومدارس أجنبية، وهذا ما يفسر استحواذ الكومباوندات والفيلات الفاخرة والمطاعم الراقية على معظم المشاهد الداخلية فى كل الأعمال الفنية، ويفسر لنا أيضًا سبب اختفاء الأبطال الشعبيين والمنطقة الشعبية، لأنه ببساطة الشخصية المصرية أصبحت بكل تفاصيلها وقضاياها خارج نطاق اهتمامات من يكتب ويخرج ويمثّل الآن. لذلك وانطلاقًا من هذه المقدمة، يمكننا أن نقف على سر نجاح فيلم «الحريفة» المفاجئ للجميع، فحتى كتابة هذه السطور حقق الفيلم 60 مليون جنيه، وهو رقم لا أظن أن منتجه وصناعه وأبطاله الجدد كانوا يتوقعون تحقيق ربعه، وأعتقد أنهم يتساءلون الآن عن أسباب نجاح الفيلم، ويبحثون حاليًا عن فكرة لتكرار التجربة، وأستطيع أن أشاركهم الإجابة عن هذا السؤال، بعد مشاهدة العمل، وأخبرهم بالأسرار السبعة التى أدت إلى هذا النجاح، من وجهة نظرى.

دعاية ذكية دمها خفيف على مواقع التواصل الاجتماعى

الدعاية لفيلم الحريفة كانت جديدة وذكية من خلال أبطاله عبر مقاطع مشتركة على مواقع التواصل الاجتماعى، بين أحمد خالد خميس الشهير بـ«كزبرة» وخالد الذهبى نجل أصالة، ونور خالد النبوى، عكست هذه المقاطع القصيرة حالة الفيلم واختلاف الثقافات بين الطبقات، وهى مادة خام وتيمة شهيرة فى عالم الكوميديا، فـ«كزبرة» بشخصيته الحقيقية فى هذه المقاطع يمثل ابن العباسية والمنطقة الشعبية البسيطة، بينما نور النبوى وخالد الذهبى أبناء الطبقة الراقية بثقافتها الخاصة. 

نالت هذه المقاطع ملايين المشاهدات قبل طرح الفيلم فى دور العرض، ولأنها خرجت بخفة دم وتلقائية، كان من الطبيعى أن يقرر الجمهور مشاهدة هذا العمل لاستكمال هذا الضحك داخل السينما. 

ومن وجهة نظرى أن كزبرة يلعب الدور الأكبر فى نجاح هذه المقاطع، فتخيل لو كان خالد الذهبى أو نور النبوى قاما بهذه المقاطع بمفردهما!. 

الخلطة الشعبية وتجسيد المدارس الحكومية كما يجب أن تكون

من المهم جدًا الانتباه لهذا الأمر فى كل الأعمال المقبلة لأى فنان يريد النجاح، وهو اختيار الورق الذى يشبه أغلبية الناس وتقديمه بصدق، وفى «الحريفة» تحقق ذلك، جسد أبطال العمل الفوارق الطبقية واستغلالها لتحقيق الكوميديا بشكل مثالى، وبرع المخرج رءوف السيد فى تقديم شخصياته كما لو كانت حقيقية لا تمثيل، كما تفوق فى تصوير حال المدارس الحكومية وكأننا لا نشاهد فيلمًا، بل عدنا بالزمن إلى الوراء لنرى أنفسنا داخل الشاشة.

شخصية «حتة» مثلًا، التى قدمها كزبرة، هى شخصية واقعية كلنا نعرفها وعشنا معها، فهو الطالب الذى يسرق أكل زملائه، ويضرب من يعترض، باختصار هو الصايع الفاقد، فمن أول هذا «الحتة» حتى شخصية الطالب السمين الذى يضربه بـ«القفا» كل أصحابه، لزعيم الطلبة البلطجى الذى جسده الفنان الشاب أحمد غزى، كانت كل الأداءات مثالية وحقيقية بدون افتعال.

واجتمعت كل هذه الشخصيات مع «ماجد» ابن الأثرياء والمدارس الأجنبية، الذى التحق بالمدرسة الحكومية بعد تعثر والده ماليًا، ليلتقى هذه الشخصيات الغريبة فى قاع المجتمع الذى لم يحتك به من قبل. 

وتحدث المفارقات بين العالمين، عالم «ماجد» وعالم أبناء مدرسة «الأبطال» الحكومية، ونشاهد فى القصة كيف تحولت علاقتهم من الخصومة باعتباره غريبًا عنهم ولا يشبههم، إلى صديقهم المقرب فيساعدونه فى حياته وفى تحقيق حلمه. 

تجميعة الشباب لا تخذل صناعها فى الغالب 

فى تاريخ السينما المصرية دائمًا ما تحقق التجارب الشبابية نجاحًا كبيرًا غير متوقع، ويحدث ذلك سواء فى فترات الركود التى تصيب السينما من وقت لآخر، مثلما حدث فى فيلم «إسماعيلية رايح جاى»، وكانت بمثابة نقلة لجيل كامل انطلق من بعد هذا العمل، أو حتى مع بدايات الألفية الجديدة وانتعاش السينما، فى فيلم «أوقات فراغ»، وهذا يعنى أن الشباب قادرون على إحداث الفارق فى السينما فى أى وقت، إذا أحسنا اختيار القصة التى تعبر عن الناس.

وحقق فيلم «الحريفة» هذه المعادلة، واستطاع أن يخلق لكل شخصية قصة سيرى كل منا فى إحدى هذه القصص نفسه، وبالتالى سيتفاعل معها ويرتبط بالعمل أكثر، ومن هنا تحقق النجاح. 

وقد نجح صناع العمل فى اختيار الفريق سواء فى اختيار نور خالد النبوى أو «كزبرة» أو صانع المحتوى «عبدالرحمن محمد» ونجل أصالة، وأغلب هؤلاء لم يمثل من قبل، وهذا يعنى أننا أمام اختيارات دقيقة لم تضع اعتبارًا لنجوم كبار أو الانشغال بوجود أسماء معروفة لتجسيد الشخصيات والمشاركة من أجل نجاح فى الفيلم. 

كشف فيلم «الحريفة» عن أن وجود أسماء شهيرة فى العمل لا يضمن النجاح، بل الصدق والإتقان وحسن اختيار فريق العمل.

نور النبوى.. ابن الممثل الذى تفوق على والده النجم

لا شك أن نور النبوى تفوق على والده، فوالده النجم الكبير خالد النبوى لم يحقق أى نجاح فى شباك التذاكر من قبل، وهذا يعنى أننا أمام نجل أحد الممثلين الكبار الذى يتفوق على والده النجم، وانعكست الآية هذه المرة، فبعد أن كان أبناء الفنانين عبئًا على أهاليهم النجوم، أثبت نور النبوى هذه المرة أنه لا يحتاج لأبيه وأن الناس يحبونه ربما أكثر من الوالد، فقد شق طريقه بحب الناس وقبوله وحضوره، وفى هذا العمل الذى يعتبر هو بطله الأول، جسد انفعالات مختلفة باقتدار، وأتقن دوره وصدقه كل من شاهد العمل، فهو بلغة النقاد، ممثل ولد كبيرًا، كما يقولون.

وأظن كل الظن أن وجود نور النبوى أسهم فى ترويج الفيلم، لقبوله، وحب البنات له، إذ تنتشر تعليقات المعجبات والمحبين له بالآلاف على كل منشوراته الخاصة، أو حتى على مقاطع الفيديو الخاصة بوجوده فى حلقات البرامج التليفزيونية، فهو يتمتع بجماهيرية كبيرة، استمد أغلبها بكل تأكيد من حب الناس لوالده، وحتى الذين لا يقتنعون بوالده مثلى، يرون فيه مشروع نجم كبير فى المستقبل. 

كزبرة وصناع المحتوى.. كلمة السر فى جماهيرية الفيلم 

وجود مطرب المهرجانات أحمد خالد خميس «كزبرة» فى العمل، كان إضافة كبيرة، بكل تأكيد غيابه عن الفيلم أو اختيار شخص آخر بدلًا منه، كان سيتسبب فى خسارة فادحة للفيلم، فهو شاب خفيف الدم، كل مقاطعه وحتى أغانيه منتشرة بسبب خفته وتلقائيته، وله صولات وجولات وإفيهات يتداولها الشباب على مواقع التواصل الاجتماعى، هذا إلى جانب المقاطع التى روج بها للفيلم مع نجل أصالة خالد الذهبى أو نور النبوى، كان العنصر الأساسى فى نجاحها وانتشارها هى شخصية «كزبرة». 

كما أن اختيار صانع المحتوى عبدالرحمن محمد كان اختيارًا مثاليًا، فهو يتمتع بقاعدة جماهيرية ومنتشر فى أوساط الشباب وقنوات اليوتيوب والبرامج الرقمية الجديدة ويظهر كضيف ومقدم برامج، ووجوده دعاية مجانية للفيلم، بل يعطى رصيدًا للفيلم لدى الجمهور الذى يتابع عبدالرحمن محمد ويحبه. 

وبالتالى توظيف هذه الشخصيات فى عمل سينمائى لأول مرة، هى مغامرة محسوبة، وتستحق الاحترام والتقدير لمنتجها، الذى اقتنع بهؤلاء الشباب كممثلين، وبالمؤلف إياد صالح والمخرج رءوف السيد، فهذا الفيلم هو أول عمل لهما فى دور العرض. 

عرض الفيلم بالتزامن مع بطولة كأس الأمم الإفريقية

يتحدث الفيلم بشكل أساسى عن حلم «ماجد» لاعب الكرة، واسم الفيلم وقصته من المقطع الترويجى الرسمى له، يبدو أنه يتحدث عن عالم كرة القدم، خصوصًا مع وجود اسم اللاعب العالمى أحمد حسام ميدو ضمن فريق العمل، لذلك كان اختيار طرح الفيلم بالتزامن مع بطولة كأس الأمم الإفريقية اختيارًا نموذجيًا، فالبطولة خلال هذه الفترة كانت هى الحدث الرائج، وبالتالى عمل سينمائى يتحدث عن كرة القدم سيكون هو الأقرب لقلب الجمهور واختياره إذا وقف أمام شباك التذاكر. 

وسواء كان هذا التوقيت مقصودًا أم لا، فهو بالتأكيد ساعد الفيلم ولم يضره.

لا توقعات كبيرة.. وبالتالى لم يخرج الجمهور خائب الأمل 

قصة الفيلم بسيطة، وبمجرد مشاهدة أول ربع ساعة ستتوقع أين تذهب القصة وما سيحدث فيها، وقد يكون هذا الأمر فى غير صالح الفيلم ومشاهدته، لكن فى الحقيقة، كل من شاهد الفيلم لم يضع فى تصوراته ولا خيالاته توقعات كبيرة، لقد قرر الجميع أن يشاهد ليستمتع، والعمل بكل أمانة يحمل هذه المتعة والكوميديا مع هؤلاء الشباب، دون إسفاف أو ابتذال أو استظراف أو انتزاع الضحك منك عنوة. من هنا، يمكن أن نقول إن غياب توقعات الجمهور لم يجعله يخرج خائب الأمل، فلم يعِد صناع العمل الناس بأنهم على موعد مع تحفة فنية بها رسالة فلسفية عميقة، بل هو فيلم شبابى للمتعة والضحك، مع وجود رسالة إنسانية بكل تأكيد ستؤثر فى كل من يراها.