الأحد 14 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

المحامي محمد عصفور يكتب: الشيخ الغزالى المفترى عليه

الشيخ محمد الغزالي
الشيخ محمد الغزالي

- الغزالى رفض فكرة نيابة الأفراد عن السلطة فى إنفاذ الأحكام دون عقوبة مقررة لهم فى الإسلام

- «من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا»

«وسط الكتابات المعارضة لشهادة الشيخ محمد الغزالى، توقفت أمام مقال مهم كتبه المحامى الكبير محمد عصفور فى جريدة أخبار الأدب، لا يدافع فيه عن الشيخ الغزالى، بقدر ما يقدم قراءة مختلفة، بعيدًا عن القراءات المتعصبة لطرف من الأطراف، وقد رأيت أن نوثق هذا المقال أيضًا، حتى نقف على قراءة كاملة للمشهد». 

المحامي محمد عصفور 

إن اغتيال أصحاب الأقلام «مهما كانت درجة الاستفزاز أو الاستجابة لآرائهم» ظاهرة من أخطر الظواهر التى تصاب بها الدول النامية أو المتخلفة، لأنها تعنى تعطل لغة الحوار - لغة العقل - وإطلاق الانفعالات الطائشة وتفجير مشاعر الكراهية والتعصب، على نحو ما يظهر فى تعطيل الحوار والمناقشة والجدل وإحلال العنف وإطلاق الرصاص ومحاولات الاغتيال. 

ومع الأسف الشديد أن تقترن هذه الظاهرة دائمًا بعقيدة ما: سواء كانت «الوطنية» أو «الدينية»، ولكنها تنتهى دائمًا إلى «الاغتيال»، واللافت للنظر أن مصر الحديثة قد شهدت صورتين من هذه الظاهرة مرة فى عهد الاحتلال البريطانى وحكم وهيمنة السفارة البريطانية بالتعاون مع السراى، وتشهده الآن فى ظل الأحكام العرفية الممتدة منذ اثنى عشر عامًا، وهو ما يدعو كثيرين من المحللين إلى الربط بين جرائم الاغتيال السياسى وبين نظام الحكم القاهر أو الاستثنائى. 

فهل يعنى ذلك أن التخوين «اتهام الضحية بالعمالة للاحتلال» والتكفير «اتهام الضحية بالردة» لهما مصدر واحد، وينتهيان إلى نتيجة واحدة؟

إن جرائم الاغتيال السياسى الشهيرة فى مصر الحديثة ابتداء من اغتيال بطرس غالى، مرورًا باغتيال أمين عثمان، ثم أحمد ماهر قد انصبت على رموز السلطة، أما الجرائم الحديثة باستثناء اغتيال السادات فإنها قد استهدفت بعض أصحاب الأقلام «محاولة اغتيال مكرم محمد أحمد ثم اغتيال د. فرج فودة»، وقد أكد الكثيرون أن ثمة بواعث دينية وراء هذه الاغتيالات بما فيها اغتيال السادات. 

غير أن ما يجب التنبيه إليه أن صرف الاغتيال عن رموز السلطة وتوجيهه إلى حملة الأقلام يمثل ظاهرة غاية فى الخطورة، ليس فقط لأنه تهديد عنيف لغير الضحايا بأن يكفوا عن التفكير أو التجديد، وإنما كذلك لأنه يظهر للرأى العام عجز خصوم الضحية عن إقناعه بسلامة ما يدعون إليه أو ما ينادون به! وبالنسبة لاغتيال د. فرج فودة بالذات صور د. أحمد صبحى منصور أن الخلاف بين الشيخ الغزالى ود. فرج فود ة كان يدور حول موضوع الإسلام والحكم، وهل هو دين ودولة، وأن د. فرج فودة فى مناظرتين قد انتصر على دعاة الدولة الدينية، مطالبًا بإبعاد الإسلام عن أهواء السياسة وأطماع المزايدين، مستعرضًا الأدلة العلمية والتاريخية المؤيدة لوجهة نظره، متحديًا خصومه أن يقدموا برنامجًا للحكم طالما يطالبونه بالحكم.

ويتطرف د. منصور فى هذا التصوير فيدعى أنه شق على خصوم د. فرج فودة أن ينهزموا أمامه مرتين، وأنهم لن يستطيعوا الوقوف أمامه، فأصدروا حكم الإعدام، وأن الذين دبروا المؤامرة عندما عجزوا عن مواجهة د. فرج فودة بالكلمة أطلقوا عليه الرصاص من خلف! بل إن د. منصور يدعى أن للتطرف جناحين أحدهما مدنى والآخر عسكرى! وأن الجناح المدنى يدعى الاستنارة والاعتدال، بينما ينثر فى كلامه أحاديث التطرف والتعصب، قد نجح فى التلاعب بالنصوص واستجداء المشاعر بعد التلاعب بعقول الشباب والعدالة، حتى إذا تقدم فارس شجاع مثل فرج فودة ليظهرهم على حقيقتهم انقلب حقدهم عليه فتاوى تدعو لقتله.. ثم قام الجناح العسكرى للتطرف بتنفيذ الجريمة..!! وعندما أدلى الشيخ الغزالى بشهادته بعد استدعاء الدفاع له فى المحكمة قامت الدنيا ولم تقعد حسب تعبير فهمى هويدى.

والواقع أن شهادة الشيخ محمد الغزالى فى محاكمة المتهمين باغتيال د. فرج فودة كانت مثار تعليقات غاضبة من جانب المدافعين عن أفكار وتصورات د. فرج فودة.. وإذا كان الشيخ مصطفى عاصى قد اكتفى بالتعليق بعنوان «المستنيرون هل يفتحون باب التكفير» تطرق د. أحمد صبحى منصور فى اتهاماته، فزعم أنه «بعد أن رحل فرج فودة، خلا الجو للشيخ الغزالى كى يتهمه بالكفر والردة، وهو واثق أن خصمه قد ذهب إلى الدار الآخرة، ولن يستطيع أن يفحمه كما كان يفعل.. فتطاول على عقيدة فرج فودة بعد موته وبعد رحيله.. ولو كان يعتقد أن فرج فودة مرتد أو كافر فما الذى منعه أن يعلن ذلك فى المناظرة أمام فرج فودة والناس أجمعين، إنه عجز عن ذلك فى حضور فرج فودة، لأن فرج كان حريصًا على تأكيد هويته الإسلامية، معليًا من شأن الإسلام.. معتبرًا نفسه مدافعًا عن صحيح الإسلام، وقال إنه مع الدستور القائم على مبادئ الشريعة، معتبرًا نفسه مدافعًا عن صحيح الإسلام، وقال إنه مع الدستور القائم على مبادئ الشريعة، وإنه مع تطبيق الشريعة بشرط أن يقوم الفقهاء باجتهاد مستنير فيها.

غير أن د. منصور يدعى أن مهارة د. فرج فى المناظرة وثقته فى نفسه، وتضاؤل خصومه أمامه زادهم عليه حقدًا، واعتبروه متطاولًا على الشيخ الغزالى حين انتصر عليه، وأن الشيخ الغزالى «فى غمرة حقده قد كشف عن هويته الحقيقية وانتمائه للجناح المدنى المتطرف»! وأن هذا ما تكشف فى محاكمة الإرهابيين.. بالإشارة إلى حد الردة المزعوم.

ولقد حرصت أن أسجل وجهة النظر المنددة.. بإثارة موضوع الردة أمام القضاء الجنائى «سواء فى شهادة الشيخ محمد الغزالى أو فى شهادة د. محمود مزروعة»، لكى أنبه إلى أن المحاكمة فى جريمة اغتيال د. فرج فودة تفجر مشكلات كثيرة تثار أمام القضاء الجنائى الذى تنحصر مهمته فى تطبيق القانون بالنسبة لجريمة اغتيال عادية ليس من شأن السمات المميزة لشخصية الضحية أو ما اتهم به من ردة ليس من شأن ذلك كله أن ينفى حقيقة مهمة، وهى أن كاتبًا قد اغتيل بدوافع دينية محضة.. وهو أمر له دلالته، بل ونتائجه الخطيرة، حيث يعبر عن ظاهرة حديثة على الأقل فى مصر.

ولعل قضية اغتيال د. فرج فودة تحمل نموذجًا مثاليًا لجريمة الإرهاب الفكرى التى أصبحت للأسف الظاهرة المميزة للحضارة المعاصرة، فالإرهاب الفكرى تمارسه الدولة الحديثة من خلال الهيمنة الإعلامية الأيديولوجية، وفى المقابل تمارس التيارات الأصولية المتطرفة فى عنفها وعدواتها وإرهابها الفكرى هى الأخرى اغتيال من تعتبرهم أعداء العقيدة أو الدين، وتكون المشكلات الواجب مواجهتها من الكثرة والتعقيد بحيث يحار المعلق بأيها يبدأ!

هل كان د. فرج فودة ضحية ممارسته لحريتى الفكر والرأى؟ 

وهل تم الاغتيال نتيجة تحريض بعض علماء الدين الذين أفتوا بردته أو كفره؟ 

وهل تتم محاكمة مغتالى د. فرج فودة وقد طرح موضوع الردة محاكمة لعقيدة المجنى عليه؟!

وهل يمكن أن تجد جريمة الاغتيال تبريرًا لها الافتاء بأن قتل المرتد يمكن أن يقوم به آحاد الناس؟

إن هذه المشكلات كلها لا بد وأن تواجه بصراحة وأمانة، وقد تكون القضية المطروحة على القضاء، الفرصة المهمة لمعالجة أخطر أزمة أو مشكلة تواجه التيارات الإسلامية والتى يعد أقوى اتهام لها هو الاتهام بالإرهاب الدموى لأى فكر مستنير!

أول ما يجب تأكيده أن أية حرية ليست حرية مطلقة، وإنما هى دائمًا مقيدة بألا يشكل التعبير عنها عدوانًا على الآخرين، فحرية الرأى لا تعنى القذف أو التطاول- وحرية الفكر أو حرية الاعتقاد تعتبر من الحريات اللصيقة بشخص الإنسان التى لا يتصور تقييدها ما دامت محصورة فى عقل صاحبها، أما إذا خرجت فى العالم الخارجى بالتعبير عنها، فإنها عندئذ تخضع للقيد الجوهرى، وهو ألا تؤذى الآخرين، وحتى بالنسبة للمعتقدات الدينية فإن دستور ٢٣ قد أخضع ممارسة شعائرها وطقوسها لقيد جوهرى هو عدم إخلالها بالنظام العام أو الآداب.

ولذلك فإن، ما يتصوره البعض- حرية فكر أو رأى مطلقة تصور خاطئ، فما يسمى بحق أو حرية الإبداع يستحيل أن يؤدى إلى التهجم أو التطاول على معتقدات الجماعة أو قيمها الدينية.. وهذا قيد أساسى جوهرى، لابد أن يوضع فى الاعتبار عند تناول شهادة علماء الدين بالنسبة لما نشره د. فرج فودة، واعتبره البعض إفصاحًا عن الردة.. أو تهجمًا على الإسلام والعلماء.

واعتقادى الخاص أن ما يدور من مجادلات حادة حول حريات العقيدة والفكر والرأى، سوف يظل مجادلات عبثية ولا طائل من ورائها، ما دمنا لم تلتزم بالضوابط الشرعية والدستورية والمنطقية فى شأن ما يعتبر وما لا يعتبر كفرًا وردة، وما يعتبر رأيًا جديرًا بالحماية أو إهانة واجبة الردع.. أو تطاولًا أو استفزازًا لمشاعر أى طائفة من الناس.

فهذا فهمى هويدى ينقل ما أكده الشيخ الغزالى باحترام حرية الرأى والحوار.. أما ما يجاوز ذلك من استفزاز وإهانة، فإنه أمر يستوجب الزجر، إن الشيخ مصطفى عاصى ينسب إلى الشيخ الغزالى تكفيره للمخالف لرأيه، ويتساءل: ما هو نموذج الحكم الدينى الذى يراد تطبيقه والذى يعتبر معارضه كافرًا؟.. هل ما كان مطبقًا فى عصر الراشدين الذى لم يزد عمره على أربعين عامًا فقط، أم ما تلى ذلك من عصور تالية تنسب نفسها زورًا إلى الإسلام؟

والواقع أن الشيخ الغزالى لم يتطرق إلى هذا الموضوع تحديدًا، وإنما كانت شهادته مركزة فى العدوان الاستفزازى على مشاعر المسلمين وعقيدتهم، وهو ما عبر عنه فهمى هويدى الأهرام: «إن الشيخ الغزالى دعا إلى ضرورة التفرقة بين الحوار فى الشأن الإسلامى وبين الشتم والسب والسخرية، فالأول مطلوب إلى أبعد مدى، حيث الاختلاف بين الناس فى الرأى- كما فى الجنس والملة - هو سنة من سنن الله، وخطاب الإسلام لم يزجر الذين خالفوا الإسلام وانتقدوا أصوله وتعاليمه، طالما كان فى الأمر حوار، فمقام الحوار مقدر ومحترم، حتى ولو تعرض بالنقد للشريعة ذاتها.. ولكن الأمر يختلف حين يتدنى الخطاب ويُسب الإسلام ويشهر به من جانب بعض المسلمين بصورة فجة تعبر عن كراهة للدين وازدراء به وخيانة له فى هذه الحالة، فإذا كانت خيانة الوطن تعد جريمة عظمى تستجلب لصاحبها أقسى العقوبات، فإن خيانة الدين ليست دونها طرًا، ولا أقل من أن تعامل بالمثل». 

فما هو هذا الأمر الذى جعل شهادة الشيخ الغزالى موضوع مثار هجوم شديد إلى ما نسب زورًا إلى الشيخ الغزالى، وقبل أن نتناول هذه الشهادة بالتعليق نرى من الضرورى أن نشير بوجه خاص إلى أن الشيخ الغزالى ليس فقط من المفكرين الإسلاميين المستنيرين، ولكنه كذلك من كبار أهل العلم ورموزه الشامخة، وذلك فإن خصومه فى كل المعسكرات انتهزوا هذه الفرصة حسبما وصف ذلك فهمى هويدى، واستخدموا شحنات مكثفة من العبارات والأوصاف المسمومة والجارحة، وحرفوا شهادته لإثبات أن الكل إرهابيون ومتطرفون.

وندد آخرون بالشهادة باعتبارها تصريحًا باغتيال المخالفين للرأى فى شأن العنف أو الطبيعة السياسية للإسلام وأنه دين ودولة.

وقال آخرون إن فكرة إجازة نيابة الأفراد عن الدولة فى قتل المرتد، أمر يعرض أى مجتمع للدمار، والتحكم من جانب من يرون فى الرأى المعارض ارتدادًا أو كفارًا، وقد استنكرت منظمة حقوق الإنسان ما تصورته رأيًا للشيخ الغزالى لا يعاقب مغتصب سلطة العقاب من الأفراد.

والحقيقة أن معظم الأسئلة التى وجهت إلى الشيخ الغزالى أسئلة إيجابية صيغت بطريقة ذكية تؤدى إلى إجابات تساند الدفاع عن موقفه حتى لو كان هذ الموقف مناهضًا لجوهر الشهادة وحقيقتها.

وليس صحيحًا ما نسب إلى الشيخ الغزالى من إقراره فكرة نيابة الأفراد عن السلطة فى إنفاذ الأحكام دون عقوبة مقررة لهم فى الإسلام، لأن فى هذا المنطق مدعاة للفوضى وتخريب المجتمع، ومردود بموقف أبى بكر فى حربه ضد المرتدين الممتنعين عن دفع الزكاة.

والحقيقة كما ذكرها فهمى هويدى أن الشيخ الغزالى اعتبر الفرد الذى يفرض نفسه نائبًا عن السلطة فى إقامة الحد الذى عطلته هذه السلطة - اعتبر الشيخ هذا الفرد طبقًا للمصطلح الأصولى «مفتتئا على السلطة»، والافتئات هو تجاوز الحدود والتعدى واغتصاب السلطة جريمة لا يتصور أن تمر بغير عقاب، وإلا عمت الفوضى المجتمع ووقعت مفاسد وشرور عدة. وعندما سئل عن عقوبة الافتئات على السلطة قال إنه لا يذكر أن الإسلام قرر عقوبة على ذلك. وهذا صحيح فليس فى الإسلام والقرآن والسنة عقوبة حدية أو معينة مثل تلك العقوبات المقررة على السرقة والزنا وشرب الخمر والحرابة، والإجماع منعقد مع ذلك على أن لهذه الجريمة عقوبة تقديرية يحددها النظام القانونى القائم.

واعتقادى الخاص أن عالمًا جليلًا لم يظلم كما ظلم الشيخ محمد الغزالى بسبب شهادته التى أدلى بها فى قضية اغتيال د. فرج فودة، حيث جرى تلوين الكلام والخروج به من جوهره، فهو قد ظلم إذ استدعى للشهادة فى قضية اغتيال صورتها الصحف الرسمية على أنها اغتيال بسبب رأى معارض عبر به كاتب حر عن فهم متحضر للدولة الحديثة أى الدولة غير الدينية.

وأيًا كان الرأى فى صواب أو عدم صواب خطة الدفاع فى محاكمة عقيدة أو فكر رجل ميت ربما قد يوحى بأن دوافع الجريمة دينية متعصبة، فإن اتساع صدر القضاء لسماع شهادات علماء الإسلام فى شأن الردة وطبيعتها، وما إذا كان موضوع الصلة بين الدين والدولة يدخل فى نطاق العقيدة فيعتبر المنكر له كافرًا أو مرتدًا. كل ذلك يزيد مشكلة الإسلام السياسى تعقيدًا، ويضع العلماء الشهود فى حرج، ولا سيما بالنسبة لاغتيال إنسان- أيًا كان رأى القاتل فيه «من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا»، والقرآن الكريم نتيجة لتأكيد هذا المبدأ يفرض القصاص- قصاص الدولة- مطلبًا إلهيًا لا استثناء منه. وليست فكرة الطبيعة العقائدية للإسلام السياسى بالمعارضة مع الطبيعة المدنية للحكم هى مصدر الخلاف الوحيد فى القضية المطروحة، وإنما أيضًا التكفير الذى ينسب إلى من يجهر بالطبيعة المدنية للحكم. من الذى يملك توجيه هذا الاتهام؟! وحتى إذا جاز ذلك، فإن الدولة نفسها إذا هى أخذت هذا الأمر بين يديها، فلابد وأن يكون ذلك من خلال القضاء بإجراءاته وضماناته، بينما فى حالة قيام آحاد الناس باغتصاب سلطة الدولة تتوحد كل السلطات فيهم، فهم موجه الاتهام، وهم القضاة الذين يدينون، وهم فى النهاية ينفذون الحكم الذى يصدر فى غيبة التهمة! وهى نتائج مرعبة حذر منها الشيخ الغزالى فى شهادته عندما سئل عمن يملك إقامة الحد على المرتد: فقال إن تلك وظيفة السلطة وليست لآحاد الناس وإلا تحولت الأمور إلى فوضى. غير أن الشيخ الغزالى قد هوجم لأنه قد نسب إليه البعض أنه استباح دم المعارضين بالمجان!! وفضلًا عن عدم صحة هذا الاتهام، فإن فهمى هويدى قد سجل اندهاشه إزاء حفاوة بعض الصحف المعبرة عن الحالة الإسلامية بما التبس من كلام الشيخ الغزالى، فقد أبرزت «الشعب» فى عناوين عرضتها لشهادته أن تطبيق الأفراد لحد الردة.. لا عقاب عليه! بينما نشرت «النور» عناوين بارزة للموضوع ادعى أحدها أنه لا عقاب على قاتل المرتد، والشيخ برىء من هذه الأقوال!

فهل صحيح أن شهادة الشيخ الغزالى وإجاباته سوف يؤولها الدفاع ويستنتج من مجملها أن المجنى عليه «كان خارجًا على الملة ودمه مباحًا»؟ وبالتالى فالجناة لم يرتكبوا إثمًا، وإنما نفذوا شرعًا، وهذا مكمن الخطر، إذ يظل باب الشر مفتوحًا أمام الاغتيالات السياسية لكل المخالفين فى الرأى. 

ويتناقض هذا القول مع تحذير الشيخ الغزالى حين سئل عمن يملك إقامة الحد على المرتد، فقال إن تلك وظيفة السلطة، وليس لآحاد الناس، وإلا تحولت الأمور إلى فوضى.

يضاف إلى ذلك أن من هاجموا الشيخ ومن انحرفوا بأقواله خلطوا بين صفتين صفة الشاهد «الذى أحيطت الأسئلة به لمكانته» وبين صفة الفقيه أو المفتى الذى يستثار بدون إحاطة بالكمائن! وفى تعبير فهمى هويدى: «إن الشيخ الغزالى كان فى مقام الشهادة ولم يكن فى مقام الفتوى، وفى مقام الشهادة لا يكون عليه أكثر من أن يعرض ما هو ثابت من نصوص شرعية فى الموضوع، أو ما هو مقرر من أحكام عامة فى الفقه الإسلامى، أما فى مقام الفتوى فإنه يقوم بتنزيل تلك النصوص والأحكام على الواقع، ومن ثم يقدر مختلف ظروف اللحظة التاريخية من اجتماعية وسياسة وثقافية، ثم يوازن بين المصالح والمفاسد، ويصدر بعد ذلك فتواه فى الموضوع، ومن قبيل ذلك فتوى ابن تيمية بالتغاضى عن تناول الخمر من التتار الذين دخلوا حديثًا الإسلام، استنادًا إلى أن الله حرم الخمر، لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء تصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبى الذرية وأخذ الأموال. 

وهكذا رأى ابن تيمية أن مفسدة شرب الخمر أقل ضررًا من مفسدة ترويع المسلمين ونهب أموالهم، غير أنه يضاف إلى ذلك أن الدفاع صمم أسئلته بحيث تخدم أغراضًا محددة ابتغاها لكى يدافع عن موكليه، ومن هذا القبيل السؤال عن حكم من يجاهر برفض تطبيق الشريعة كفرًا أو استهزاء، واستبعد أن يكون الرفض ناشئًا عن قلة العلم، أو عن الالتباس فى الفهم أو التخوف من نشوء احتمالات سلبية معينة ومن قبيلها الكلام عن السلطة الدينية أو التعددية أو وضع الأقليات أو غير ذلك.

فالأسئلة التى طرحهها الدفاع استجوابات لانتزاع إجابات بذاتها لا خيار فيها! تطرح سؤالًا عن حكم الشرع فيمن يجهر برفض تطبيق الشريعة مجاهرًا بالكفر أو بالاستهزاء بها، وسؤالًا آخر عمن يدافع عن إبدال الشرع بقانون وضعى لا يصدر من أهل العدل والرشد، وليس عن الطواغيت من البشر، والتى تحل الحرام وتحرم الحلال!! وكانت الإجابة بالإدانة حتمًا!