الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

القلوب عند بعضها1

أساطير الغرام فى الغناء الشعبى.. وكل الحكاية عيون بهية

الغرام فى الغناء الشعبى
الغرام فى الغناء الشعبى

- ضاعت حقيقة ياسين التى أفتش عنها الآن بعد مائة سنة كاملة من الشتات

- لم يحدد الرواة والمؤرخون وقًتا لميلاد ياسين.. حددوا موعد وفاته بعام 1905

- تمرد ياسين يعود إلى اتفاقية 1899 التى نصت على وجود قوات مسلحة بين مصر والسودان

ربما هى مجرد حكاية مثل عشرات الحكايا التى كانت الجدات فى بيوتنا القديمة تستعيرها فى شتاء طوبة لتملأ بها ليلًا قارس البرودة تحت سقف من البوص أو الجريد.. حيث لا كهرباء.. ولا تليفزيون.. ولا موبايلات.. ولا شىء سوى ألحفة قليلة لا تستطيع المقاومة فى أيام الدميرة..

هى حكاية من ضمن الحكايات نعم.. لكنها مغرية للخيال.. لماذا يهرب الفتى ياسين من الغيطان والصحبة والأهل ويذهب إلى الجبل.. وكيف استجاب قلب الصبية بهَّية لهذه الغربة مع «الحنشان والعقارب» بعيدًا عن الأهل واللمة؟! الجدات لا يعرفن إجابات مقنعة لأسئلة الأطفال المزعجة.. كل ما يعرفنه.. أن بهية كانت جميلة وأنها عشقت «الواد ياسين» وراحت معاه الجبل الشرقى.. «أى جبل يا ست؟! هى لا تعرف سوى أنه جبل بعيد.. وأن الأغراب قتلوا ياسين اللى حب بهية وأخدها من كل العيون ليذهب بها بعيدًا وهو غير آبه بالذئاب وعفاريت الجبل.. 

الأغراب وحدهم.. إنجليز كانوا.. سودانية كانوا تراكوة كانوا.. المهم أنهم أغراب.. قاومهم ياسين لكنهم قتلوه.. أوقعوه من على ظهر «الكحيلة» وقتلوه.. وأين ذهبت بهية.. هل دفنته فى الجبل.. هل بنت له قبرًا.. أين قبره الآن.. وهل يمكننا زيارته فى «الخمسان» التى نذهب إليها مع نساء البلدة.. وفى الأعياد.. هل يذهب أهل ياسين لزيارته وقراءة الفاتحة؟!

سنوات والأسئلة تحاصرنى عن «مكان ياسين» وباقى حكايته.. وأتعبنى نجيب سرور عندما ظننت أن مسرحيته تكشف عن «البلد» التى عاش فيها ياسين.. وأتعبنى أكثر أن يتنكر مدحت صالح لياسين وهو يغنى لحبيبته.. «لا أنا يا حبيبتى ياسين.. ولا أنتى بهية».

كيف يكون «مدحت صالح» النحيل الذى لا يملك لا خيلًا ولا سيوفًا يحارب بها أفضل من ياسين الذى عرفته طفلًا؟

ما بين تلك الأغنيات التى تكررت وتنوع مطربيها.. ضاعت حقيقة ياسين التى أفتش عنها الآن بعد مائة سنة كاملة من الشتات.

عمنا الباحث الكبير د. أحمد على مرسى يقول إن «الأغنية الشعبية نتاج المجتمع كله من خلال أفراده المبدعين الذين يعبرون عنه.. وهى تعكس ذوق الجماعة أكثر مما تعكس ذوق مغنيها».. إذن فلنفصل مشاعر وذوق كل الذين غنوا لبهية.. ولنذهب إلى كتب التاريخ.

يخبرنا المؤرخون أن النص الأول المغنى الذى تداولته الجماعة الشعبية عن غرام بهية وياسين لم ينسب لمؤلف وحيد.. 

«يا بهية وخبرينى يا بوى

ع اللى قتل ياسين

جتلوا السودانية يا بوى

من فوق ضهر الهجين»

فهل قتل «الهجانة القادمون من السودان ياسين حقًا؟! وما علاقة هؤلاء السودانيين بالإنجليز؟!

لقد جمعت الأغنية بينهم وبين «السودانية»..

«وجالولى ع الإنجليز يا بوى

رصونا أربعة أربعة آه يا عينى

وجالولنا ع القنال يا بوى

والضابط إنجليزى يا عين»

هذه الأغنية تشير بوضوح إلى الإنجليز.. وإلى السخرة.. وطريقة تجنيد الفلاحين الذين سيذهبون للعمل فى حفر القنال.. ولكن ما علاقة الإنجليز بحفر القنال.. هل خلط المغنى الشعبى بينهم وبين «الفرنساوية» لا أحد سيجيبك.. بل وأزيدك من الشعر بيتًا.. أو بالأحرى من الأغنية مقطعًا جديدًا يشير إلى تورط الأتراك أيضًا:

«وطارت طيارة تركى يا بوى

ضربت فى القنطرة آه يا عينى

ضربت فى الرديف يا عينى

وعد ومكتوب عليا.. يا بوى»

لقد خلط المغنى ما بين السودانية والأتراك والإنجليز بطريقة تشبه طريقة جدتى فى حكايتها.. فجميعهم «أغراب»، جميعهم شركاء فى «مقتل ياسين»، فهل حدث ذلك بالفعل.. ومتى.. ولأى جريمة ارتكبها العاشق ياسين.. ولماذا ألقى الشعراء فى زمن تال بالتهمة على عيون بهية..ومنحوا كل هؤلاء الأجانب براءة حاسمة؟!

يابهية ولملمينا.. نطرح مليون ياسين؟!

الجماعة الشعبية تخلق بطلها وإن لم يكن موجودًا طالما كانت فى حاجة إليه.. فهل هذا ما حدث فى أحد أيام ١٩٠٥فى قرية المحاميد التابعة لمركز إدفو.. فى جنوب صعيد مصر؟!

الأغنية المصرية تؤكد ذلك.. هذا ما قاله أحمد فؤاد نجم صراحة بعد ستين سنة كاملة من واقعة مقتل ياسين عندما كتب وغنى الشيخ إمام عيسى

«فى الصحرا وفى المدينة../ واليوم ده من سنين

ناس تمشى.. وناس تجينا/ واحنا متبعترين..

ولا صارى ع السفينة/ ولا مربط للهجين

والدنيا تجرى بينا/ واحنا متوخرين

يا بهية ولملمينا/ نطرح مليون ياسين..

ما كتبه أحمد فؤاد نجم.. يؤكد حاجة الشعب إلى ياسين «البطل».. لكنه فى ذات الوقت يجعلنا جميعًا شركاء فى مقتله.

لقد استمع أحمد فؤاد نجم.. مثل عشرات غيره إلى حكايات الشعب وصدقها ربما أخذًا بنصيحة دكتور طه حسين فى كتابه «النقد الأدبى»، حيث يؤكد «إن كل أديب لا يستقى مادته وروحه من حياة الشعب ليس أديبًا ولا هو بكاتب للأدب، وعلى ذلك فلا بد من أن تعرف ماذا يقول الشعب وكيف يعيش الشعب وكيف يحكى حكاياته».

أحمد رشدى صالح فى كتابه فنون الأدب الشعبى يقول: «إن فنون الأدب وهى تتعرض لمسائل الحب والزواج والجنس تلخص لنا تاريخًا اجتماعيًا طويلًا ليس فقط عن المرأة والرجل.. بل وعن الجماعة الشعبية، كيف عاشت، وماذا لقيت فى حياتها.. وكيف استجابت للطبيعة.. وكيف جاهدت حتى تستقيم للإنسان سيطرته على زمانه وعلى بيئته وعلى الطبيعة خارج نفسه وداخلها».

بهذا الفهم.. بهذا المنطق.. هل أحب ياسين بهية.. وهل أحبته.. وماذا عن زمنهما.. وحالهما.. وحال الشعب؟!

«فى صيف ١٨٢٠م أرسل الباشا حملتين إلى السودان، إحداهما بقيادة ابنه إسماعيل باشا.. والأخرى بقيادة زوج ابنته محمد بك الدفتار ووصل مجموع الحملتين إلى ألفى جندى من المغاربة والبدو المصريين.. ولكن لماذا أرسل الباشا محمد على.. تلك الحملات إلى السودان؟

يختلف المؤرخون فى ذلك.. فمنهم من يرى أنه لضمان وحدة مصر والسودان.. ومنهم من يرى أنه بحثًا عن مناجم الذهب.. فيما يؤكد د. خالد فهمى فى كتاب «كل رجال الباشا» هدفًا ثالثًا وهو «اصطياد أكبر عدد ممكن من سكانه وإرسالهم إلى مصر لتتكون منهم هيئة الجند فى الجيش الجديد الذى كان الباشا يزمع إقامته.. وقد فعلها محمد على.. وجاء بهم.. ومنهم من رفع سوطه ليضرب جمله فى مطاردة ياسين فى جبل المحاميد.. هل هذا كل ما حدث؟! بالطبع لا..

فى ١٩ ديسمبر ١٨٨٩م صدر أمر عال بإلغاء السخرة فى جميع أنحاء القطر المصرى مع الإبقاء على نوع واحد منها هو الخاص بحراسته جسور النيل وحفظها بأداء الأعمال المستعجلة فى حالة الخطر أثناء الفيضان».. إذن لم يلحق ياسين بزمن السخرة.. فمن أين جاء «المغنى» بحكاية السخرة ليضمها حكاية ياسين.. وماذا عن الأتراك؟

لم يحدد الرواة والمؤرخون على السواء وقًتا لميلاد ياسين.. حددوا موعد وفاته بعام ١٩٠٥.. ومن الوصف المصاحب الذى نظرته الأهرام لملامح ياسين وصورته المرفقة مع خبر مصرعه..يبدو فى الثلاثينات من عمره أو مطلع الأربعين على أبعد تقدير.

بحسبة بسيطة عاش ياسين طفولته فى قنا فيما بين عامى ١٨٦٥ و١٩٠٥.. فكيف حال الصعيد وقتها؟!

فى عام ١٨٦٧ قال إسماعيل باشا وهو يخطب فى نواب الشعب «إن جدى محمد على قضى على الاضطراب فى مصر وأعاد الأمن إلى ربوعها.. ووضع أنظمة تضمن لها مستقبلًا سعيدًا». كذب إسماعيل.. فلم ينعم بتلك السعادة سوى عدد محدود من الأغنياء.. أعيان البلاد وتوابعهم.. الإنجليز ورجالهم ومنافيقهم.. وإذا كانت القاهرة قد عانت منهم شبرًا.. فالصعيد ذاق الأمرين وبلغت أوجاعه آلاف الفدادين..

يذكر يوسف نحاس فى كتابه «الفلاح حالته الاقتصادية والاجتماعية» أن إبراهيم نجل الباشا شق الترع والجسور فى أرجاء البلاد وخصوصًا فى الصعيد الذى ابتلى بكثير من الأشقياء الذين كانوا يعيثون فيه فسادًا.

لكن يوسف نحاس لم يقل إن هؤلاء الأشقياء أنجبوا أشقياء جددًا.. والأعيان وتوابعهم أنجبوا أعيانًا جددًا أذاقوا أهل الصعيد ما جعلهم يبحثون عن «بطل» حتى وإن ولد شعبيًا.

عبادى ياواد عبادى.. كرباجك ع الهجين

فى الفترة التى شب فيها ياسين الذى ينتمى لقبيلة العبابدة.. كانت مصر تخضع اسمًا للسيادة العثمانية، فيما خضعت عمليًا للإنجليز ومندوبهم اللورد كرومر.. هذا ما يؤكده الباحث طارق عبدالعاطى غنيم فى كتابه «سياسة مصر فى البحر الأحمر»، وهو الأمر الذى يفسر ذلك الربط المدهش الذى صنفته المعالجة الشعبية الأولى لقصة ياسين وبهية فى أغنية فولكلورية. 

هناك .. فى حتة فقيرة من الصعيد الجوانى محصورة بين الجبل والنيل.. شب الفتى ياسين..

لم يكن يملك أرضًا.. ولا أسرته.. الفلاحون جميعًا لم يكن بيدهم شىء.. هم أجراء فقط.. سخرة فقط.. فر بعضهم جنوبًا إلى قرب الحدود مع السودان، تلك التى وضعها الإنجليز وقسموا العبابدة إلى نصفين.. النصف الأول فى السودان والثانى فى مصر.. افترقت العائلة الواحدة.. وتشتت التجارة التى كانوا يعملون بها.. وتفرعوا فى بلاد الجنوب.. ومن أحد فروعهم.. كان ياسين.. ربما بسب هذه الفرقة.. امتلأ صدر الفتى الذى صار قاطعًا للطرق بالغل تجاه الإنجليز وأعوانهم فراح يسترد ما سرقوه من عائلته ولكن على طريقته.. فهل كان الرواة وشاعر الربابة يعرفون ذلك أم أن وجعًا عامًا كان يلاحق أهل تلك البلاد؟!

(اللى يعادى العبادى../ يعيش عمره حزين)

وبهية فى المحاكم/ شدت واحد وكيل

وانضر يا قاضى المحاكم/ قدامك مظاليم

اللى يعادى العبادى/ يعيش عمره حزين

ويا بهية وخبرينى/ ع اللى قتل ياسين

فى كتابه مدرسة السامر يرصد الباحث أحمد خميس نصًا يقول «طنجر الطربوش على ناحية وحكم بأربع سنين» وهو ما يفسره المسرحى مهدى الحسينى الذى زار مدينة قنا بحثًا عن ياسين وبهية.. ليؤكد له أحفاد ياسين من زوجته الأولى آمنة، أكدوا له أن الناس رفضت اتهام جدهم كونه «بلطجى أو قاطع طريق» وأقاموا- الشعب يعنى- محاكمة شعبية لقاتله بعد أربع سنوات من وفاته.. يعنى عام ١٩٠٩. وحكم القاضى الشعبى على قاتل ياسين بالسجن أربع سنوات.. وهذا ما تحكيه الأغنية فى صورتها الأولى التى تفرعت منها كل حكايات وأغنيات ياسين وبهية فيما بعد.

مهدى الحسينى يرفض رواية محمد صالح حرب قاتل ياسين التى نشرها فى مذكراته.. وقد صدرت فى كتاب عن هيئة قصور الثقافة.. ويؤكد أن تمرد ياسين يعود إلى اتفاقية ١٨٩٩ التى نصت على وجود قوات مسلحة بين مصر والسودان، وما أعقبها من صدور لائحة العمد التى نصت على ضرورة ألا يترك العُمد أى عربان على أطراف القرى، وأن يتم إسكانهم فى منازل تتبعهم للسيطرة عليهم.

وياسين هو أحد أبناء تلك القبائل التى أرغمت على «السكن» تحت حصار العمد.

«يا اخواتى ردوا عليا/ أنا مالى.. ومال ياسين

دى صورتها ميه الميه/ ف قلبى من سنين

عطشان مسكونى/ وقللهم مليانين

وف نار الشوق كوونى/ محتار لمين»

هذه هى رواية المطرب الشعبى محمد طه.. 

ياسين عاشق.. وبهية قتلته بعيونها ومحبتها

أحفاد ياسين من زوجته الأولى.. يكشفون دون قصد عن جانب خفى من القصة.. فالشاب الذى صار قاطعًا للطريق.. وقاتلًا مأجورًا فى بعض الروايات.. كان متزوجًا وله أطفال.. رفضت زوجته.. أم العيال.. مغادرة دارها إلى حيث انتوى الهجرة.. كان قد قرر أن يذهب إلى الحدود .. حيث يطارد رجال الوالى تجار «العبابدة» فراح وحيدًا.. وفى طريقه التقى «راضية» التى أصبحت فيما بعد «بهية» وأحبها.. رضيت راضية بما لم ترضَ به زوجته الأولى.. وصارت زوجة لرجل يطارده الإنجليز ورجال الوالى ويطاردهم فى ليالى الصعيد الموحشة وكهوف الجبال البعيدة.

ما لم يذكره الرواة.. أن ياسين كان قد تأثر بحكاية الشيخ الطيب الذى التف حوله أربعون ألف مقاتل صعيدى.. عاهدوه.. وأخذوا منه العهد.. وعندما قرر الشيخ أن يتمرد على سلطة إسماعيل ويرفض دفع الضرائب.. طاوعه الفلاحون.. فأرسلت القاهرة بأمر الخديو تجريدة عظمى.. خرج لها الأهالى يحملون فؤوسهم.. فواجهتهم التجريدة بأسلحتها وقطعت رؤوسهم بنفس الفؤوس.. ثورة كبرى وصفتها الرحالة «لوس دان جورون» بأنها ثورة.. وأسماها البعض بأول ثورة شيوعية فى صعيد مصر كما تشير إلى ذلك د. زينب أبوالمجد فى كتابها «إمبراطوريات متخيلة».

لم يولد ياسين فجأة.. ولم يقبل الصعايدة بتمرده صدفة.. كانوا ينتظرونه لينتقم لهم ممن قطع رؤوس أجدادهم.. ولذلك رفضوا رواية الأهرام.. ومحمد صالح حرب.

بهية فى قطار «ليلى مراد»

قبل أن تقوم حركة الضباط الأحرار بشهور.. كان المخرج يوسف شاهين يرسم «ديكوباج» فيلمه «سيدة القطار».. وكان قراره باستدعاء «بهية وحكايتها» فى أغنية صانع لحنها حسين جنيد من التيمة الشعبية التى تناقلها المصريون طيلة خمس وأربعين سنة فصارت جزءًا من طقوس لياليهم.. وكتب بيرم التونسى أولى الأغنيات الحديثة لقصة الحب التى اخترعها المصريون..

«جينا أغراب/ ملناش أحباب

ولقينا كرام فتحولنا الباب/ جينا وقلوبنا حزينة يابوى

ورجعنا مجبورين/ يا بهية وخبرينى يا بوى

ع اللى قتل ياسين؟!

لا أعرف ما الذى حشر قصة ياسين وبهية أو اسمهما فى أغنية ليلى مراد.. وهى لا تقترب من حكايتهما على الإطلاق.. لكن يبدو أن نزق شاهين وإعجابه بالتيمة الشعبية هو الذى ذهب بخيال حسين جنيد إلى هناك.. لكن محمد طه كان أول من أشار لقصة ياسين وبهية فى أغنية أو بالأدق فى مواويله.. بعد ذلك بسنوات قليلة..

«يا بهية أنا أصلى صعيدى

والناس قدامك شاهدة

ومحافظ على مواعيدى

والتوبة أصلها واحدة

أنا دايب والنبى دايب

خلينا أصحاب وحبايب».

بعد موال طه البسيط.. وجدت بهية نفسها فى موسيقى شاب يهودى أعلن إسلامه وأصبح فيما بعد «منير مراد».. منير لم يفعل مثلما فعلت شقيقته.. لكن حول ما كتبه فتحى قورة عن حكاية عشق إلى نغم مصرى يستعين بالجملة الشعبية التى صارت «أيقونة» ويمضى بها حيث صوت شادية الموجوع.

«حبيت والشوق كاوينيى/ يا بويا..

وإن قلنا نقول لمين/ حبيبى جنب منى

والنار مش دارى بيها/ لانا قادرة ابعدها عنى

ولا أعرف رأيه فيها/ وصبرت كتير عليه

وأخرة صبرى إيه/ تبقى عنيا ف عنيه

وقلوبنا محرومين/ حبيت والشوق كاوينى

وإن قلت أقول لمين؟

ويبدو أن مرحلة الستينيات كانت فى حاجة إلى استعادة تمرد الفلاحين ضد الإقطاع وهى تؤسس لمشروعها لتمكين الفلاحين فى مواجهة أتباع النظام القديم، لذا سمحت الإذاعة المصرية وقتها باستعادة قصص أدهم الشرقاوى وياسين وما يشبهما من حواديت شعبية فعاد محمد قنديل ليحكى مجددًا قصة العشع المختلفة لياسين وبهية.

«يا نجوم الليل يا سهارى

بتشوفى كتير عاشقين

احكيلنا ع اللى اتقالك

ف بهية وياسين».

وتحكى النجوم على لسان قنديل الحكاية:

«يا ياسين.. / وصوته حزين

غرقان فى شوقه/ حنين..

سهران يقول مواويل/ سهران يقول ع الناى

قصة لقا وفراق/ شاهد عليها الليل

ويقول

«دنا قلبى والله أسد/ تحلف بعزمه البلد

تحلف بقلب ياسين/ لكن قصاد الحبايب

القلب ملهوف ودايب/ حتى الحديد يلين».

قصة قنديل لم تكن كافية فكان أن كتب نجيب سرور مسرحية كاملة تدور أحداثها فى «أخطاب» إحدى قرى دلتا مصر - وليس الصعيد هذه المرة.. بالتحديد عام ١٩٦.. لتحكى حكاية المتمردين من الفلاحين ضد أعيان أخطاب:

«فيه ناس بتشرب عسل/ وناس بتشر خل

وناس تنام ع الحرير/ وناس تنام ع التل

وناس بتلبس حرير/ وناس بتلبس فل

وناس بتحكم ع الأصيل ينذل»

أعاد سرور الحكاية إلى أصلها.. التمرد فى مواجهة الذل.. ما فرق بهية عن ياسين لم تكن رصاصات الضابط محمد صالح حرب.. بل كانت رصاصات الإقطاع ورجاله..

وأنا كل ما أقول التوبة..

ترمينى المقادير..

لم يكن نجيب سرور وحده من استحضر بهية.. فرشدى أباظة أصبح ياسين فى رواية سينمائية.. وفيما بعد أنتج التليفزيون مسلسلًا لعلى الحجار وعفاف شعيب كتبه يسرى الجندى لينفى قصة الحب ذاتها.. وتوالت الأغنيات التى لم تتوقف، فى عصر السادات فغنت ليلى نظمى مجددًا لياسين وبهية.. ما السر الذى يدفع كل هؤلاء لاستعادة سيرة امرأة قالت فى تحقيقات النيابة إنها ليست حبيبته.. وإنه خطفها من أهلها وأجبرها على العيش معه فى المغارات والكهوف «عنوة»؟!

د. بهيجة صدقى رشيد فى كتابها الصادر عن مكتبة «الأنجلو» فى عام ١٩٨٢، وبالتحديد ص ٧٠.. تؤكد أن هذه الأغنية شاعت أثناء الحرب العالمية الأولى، حيث جلبت السلطات وقتها آلافًا من العمال المصريين، لا سيما الصعايدة لما اشتهروا به من قوة السواعد والصبر واحتمال العمل تحت أشق الظروف، حيث قاموا بحفر الخنادق ومد سكة حديدية عبر الصحراء إلى فلسطين وتعرضوا لقذف القنابل ومدفعية الألمان والأتراك الذين تحالفوا مع الإنجليز.. وشيوع هذه الأغنية كان تعبيرًا عن شعور هؤلاء الرجال فى غربتهم عن ديارهم»

«اسم البنية بهية/ واسم الولد ياسين

قمرين غلابة فى ليل/ طويل ع العاشقين».

هكذا يراهما ابن قنا عبدالرحيم منصور فى أغنية للمسلسل الذى كتبه يسرى الجندى مستلهمًا حكايتهما ولحنه عبدالعظيم عويضة ليغنيه على الحجار فى مطلع تسعينيات القرن الماضى..

لكن جريدة الأهرام فى عددها الصادر فى ٩ ديسمبر ١٩٠٥ عبر مراسلها فى أسوان قالت إن «بهية ادعت كذبًا أن ياسين اختطفها واغتصبها وأجبرها على المعيشة معه».. ثم سرعان ما غيرت أقوالها لتؤكد أنها هربت معه برضاها لكنها خافت أن يقتلها أهلها إن عادت إليهم».

كتب اللواء محمد صالح حرب قاتل ياسين.. كيف حاصره هو ورجاله فى المغارة.. كيف أشعلوا النار والدخان ليجبروه على الخروج إليهم لتستقبله أربع رصاصات أصابت إحداها قلبه فخر صريعًا.. لكنه لم يقل أين ذهب ابن «ياسين» الذى وجدوه فى حضن راضية فى المغارة.. ولم يقل مهدى الحسينى إنه وجد لها سيرة.. أى سيرة لدى أحفاد ياسين من زوجته الأولى.

انشغل الجميع بالبطل.. وانشغل المطربون بقصة الغرام.. واكتفى المؤرخون بما حصلوا عليه من اللواء صالح الذى ترقى فى بلاط الجندية حتى أصبح وزيرًا للحربية عام ١٩٣٧.. لا أحد يعرف.. ماذا جرى لبهية.. أين اختفت.. فقط نعرف أن عيونها «شالت الليلة»؟

وأصبحت كل الحكاية «عيون بهية» كما يقول محمد حمزة فى لحن بليغ البديع لمحمد العزبى..

العزبى نفسه عاد ليغنى لياسين من كلمات عزت الجندى وإبراهيم رأفت.

أهل الهوى ياما.. فيهم كتير أنواع

اللى نسنى حُبه واللى يخون صاحبه

واللى اشترى أحبابه../ واللى ف هواهم ضاع

وإحنا ظالمين ياسين/ القصة هيه.. هيه

وفيه مليون ياسين/ ضاع الهوى.. راح الهوى

ويا السنين/ مافضلش غير معنى الهوى

فى قضية ياسين».