شمسى لم تغب بعد.. كوثر مصطفى: الله كتب لىّ فى لوحه المحفوظ دورًا أؤديه بالقصيدة!
- الله لم يهبنى الكتابة من باب الكرم المجانى ولكن لتأدية رسالة
- لا أعرف الاكتفاء من النجاح.. ولن أتوقف إلا حينما أرى أننى أتممت دورى
- أعمل حاليًا على كتاب بعنوان «أغنياتى ذكرياتى»
- ما أكتبه وأحلم بأن يصل إلى كل ناس بلادى كثير جدًا جدًا
- إلى متى ستظل النوافذ المغلقة فى وجهى منذ أكثر من 10 أعوام موجودة؟
- أصدر ديوانين جديدين وآخر للأطفال ومسرحية شعرية قريبًا
كرّم مهرجان إيزيس الدولى لمسرح المرأة فى دورته الرابعة، الشاعرة والكاتبة كوثر مصطفى، تقديرًا لمسيرتها الإبداعية وتجربتها الفنية المتنوعة التى امتدت بين الشعر والمسرح والسينما والتليفزيون وكتابة الأغنية.
وتُعد كوثر مصطفى أحد الأصوات الشعرية المتفردة التى استطاعت بصدق إحساسها وخصوصية كلماتها أن تلامس وجدان الجمهور، وأن تعبّر عن قضايا المرأة ومشاعر الإنسان بلغة قريبة من القلب.
وبدأت مشوارها شاعرة للعامية فى ثمانينيات القرن الماضى، ثم خاضت تجربة كتابة الأغنية عام 1994 من خلال فيلم «طعم الدنيا» للمخرج خيرى بشارة، لتتوالى بعدها محطاتها الإبداعية، وفى الشعر، قدمت دواوين من بينها «موسم زرع البنات»، و«لسه الأغانى ممكنة»، و«حكاية ديل حصان»، و«مركب ورق».
وفى المسرح، كتبت الصياغة الشعرية لمسرحيتى «الدربوكة» و«الترنيمة»، وشاركت بالحوار فى «مخدة الكحل»، إلى جانب أعمال أخرى مثل «أولاد الغضب والحب» و«ناس النهر» و«خافية قمر» و«سلقط فى ملقط».
وفى السينما، كتبت عشرات الأغنيات لأفلام عدة، من بينها «المصير» و«العاصفة» و«دنيا» و«مفيش غير كده»، كما قدمت أغنيات وتترات لعدد من الأعمال التليفزيونية، من بينها «بكار» و«قلب حبيبة» و«نافذة على العالم» و«هرم الست رئيسة».
وشكلت كوثر مصطفى مع النجم محمد منير ثنائية فنية متميزة، أثمرت أكثر من 25 أغنية، من بينها «ساح يا بداح»، و«العالى العالى يابا»، و«يا بنت يا اللى»، و«ليه الصبايا»، و«حط الدبلة وحط الساعة»، و«لسه الأغانى ممكنة»، و«مدد يا رسول الله»، و«بنات» و«دنيا».
كما قدمت أعمالًا غنائية مع عدد من المطربين، من بينها «شدى الضفاير» لحنان ماضى، و«جت الحرارة» ليسرا، و«كان فيه زمان بنوتة» لسيمون، و«قزاز بيتك حبيبى» لأنوشكا، و«بنات يا بنات» و«يا ليل يا أغانى» لفيروز كراوية، و«يا عينى عليكى يا طيبة» وذلك على سبيل المثال لا الحصر.
والتقت «حرف» كوثر مصطفى، فى حوار نتوقف فيه معها أمام أبرز محطات مسيرتها الإبداعية، ونتعرف على رؤيتها للشعر وكتابة الأغنية.

■ بدايةً، ماذا يمثل لكِ التكريم فى هذه المرحلة من مشواركِ الإبداعى؟
- جاء هذا التكريم فى مرحلة خاصة من عمرى، خاصة حين أكبر ويباغتنى الشعور بأن الدنيا تتراجع من حولى، ويقل عملى، ولا يعد وجودى فى الوسط الذى عشتِ فيه طوال عمرى بالحجم الذى كان عليه سابقًا. يمكن القول إنه أخرجنى قليلًا إلى النور، وأعطانى حيوية وقوة كى أقف على قدمىَّ اللتين لم أكن أستطيع الوقوف عليهما، وأستند بشهامة وأقاوم وأعافر، وأحضر المهرجان وعروضه، أنا سعيدة جدًا بالتكريم طبعًا، ولا يوجد أحد لا يسعد بالتكريم، وسعيدة لأن هذا يتم فى مهرجان مسرحى دولى خاص بمسرح المرأة، وهذا كان حلمًا من أحلامى القديمة.

■ شاركت فى فعاليات المهرجان ضمن محور الشهادات المعنون بـ«كيف نفذن من الحائط الشفاف».. فما رأيك فى تلك الفكرة؟ وماذا تمثل لكِ؟
- بالنسبة إلىّ، الحائط كنت كمبدعة أحاول النفاذ منه منذ بدايتى وحتى الآن بعد أن أصبحت فى السبعين من عمرى، فهو لم يكن أبدًا زجاجيًا ولا شفافًا.. بل كان فى كثير من الأحيان حائطًا من الأسمنت المسلح شديد الصلابة.
وبرغم كل ما استطعت الحصول عليه من حرية خلال رحلة عمرى وكل ما استطعت تقديمه من إبداع.. وكل ما حققته من نجاح.. ما زال هذا الحائط موجودًا فى حياتى بنسبة ما وما زلت أعيش معه وبشكل مستمر فى حالة صراع.. إنه صراع تعرفه جميع كاتبات هذا المجتمع الذكورى الذى نعيش فيه.. ولهذا فأنا لن أخوض فى تفاصيله مرة أخرى. وسوف أكتفى فقط بأن أقول إن معركة المرأة المبدعة ليست مع الرجل بقدر ما هى مع منظومة كاملة من الأفكار القديمة التى تجعل التفوق حكرًا على جنس دون آخر وتتعامل مع استقلال المرأة باعتباره تهديدًا بدلًا من أن تراه حقًا طبيعيًا من حقوق الإنسان.
وفى النهاية قد تستطيع بعض الأيادى الخفية الموجودة دائمًا هنا أو هناك أن تؤخر المرأة المبدعة وأن تضع فى طريقها بعض العوائق، وأن تحاصر خطواتها بالخوف والشك والوصاية.. لكنها لن تستطيع أبدًا أن تمنع الفكرة من أن تولد ولا تستطيع أن تطفئ موهبة وجدت طريقها إلى النور. وفى حالتى أنا شخصيًا.. فهذا الصراع لن ينتهى إلا بانتهاء حياتى نفسها وهذا ليس فقط بسبب قوة العوائق التى ما زالت تقف فى طريقى.. ولكن ربما يعود هذا أيضًا إلى طبيعة شخصيتى.. فأنا صاحبة قلم تعرف قيمة ما تكتبه وتؤمن تمام الإيمان بأن الله لم يهبها موهبة الكتابة من باب الكرم المجانى ولكن لأنه كان قد كتب لها مسبقًا فى لوحه المحفوظ دورًا يجب أن تقوم به ورسالة يجب أن تؤديها تجاه مجتمعها، وعلى هذا فأنا لن أتوقف عن المحاولة إلا حينما أرى أننى قد أتممت دورى.. هذا بالإضافة إلى أننى مبدعة تعشق الكتابة ولا تمل منها أبدًا.. بل إننى أجد فيها متعتى الوحيدة وأنا أيضًا لا أعرف الاكتفاء من النجاح.. فدائمًا عندى الرغبة فى الحصول على المزيد منه وما أكتبه وأحلم بأن يصل إلى كل ناس بلادى كثير جدًا جدًا.. فإلى متى ستظل النوافذ التى تم إغلاقها فى وجهى منذ أكثر من عشرة أعوام على حالها البائس والغريب معى.. لا أعرف.. كل ما أعرفه فقط هو إننى لن أتوقف عن المحاولة ولن أستسلم قبل أن يكتمل الحلم.. ربما استطعت أن أكمله يومًا ما وربما لا.. سوف أستمر فى المحاولة.. وبنفس الأسلحة التى كنت أقاتل بها منذ بداية رحلتى.. الإرادة والتصميم والصبر والإيمان بأن الله لن يتخلى عنى.. وسوف أنتظر لأرى ما الذى سوف تقدمه الأيام لىّ.

■ تنوعت أعمالكِ وتجاربكِ على مدار مشواركِ الإبداعى، وخضتِ محطات كثيرة فى أكثر من وسيط فنى. من بين هذه المحطات والتجارب المتعددة، أيّها ترين أنه كان الأبرز أو الأكثر تأثيرًا فى تشكيل مسيرتكِ، وأحدث نقلة فنية مختلفة عما سبقه وما تلاه؟
- هى ليست محطة واحدة مفصلية، بل هو مشوار بدأ بخطوة كانت جميلة، ثم تلتها خطوة أجمل، ثم أخرى أكثر جمالًا، وكأنها سلسلة تلتضم حبة تلو الأخرى، وفى النهاية بعد السنين اكتمل العقد أو قارب على الاكتمال؛ لأننى ما زلتُ أملك القدرة على العطاء ولدىَّ أشياء أريد أن تخرج للنور. كلما كان يمر الوقت وأقدم شيئًا جديدًا، كنتُ أشعر بأن العقد يزداد بريقًا.
كل أغنية لها ظروفها وبريقها؛ فلا تستطيعين تفضيل واحدة على الأخرى، فإذا ذكرتِ «على صوتك بالغنا» فهى رائعة، وكذلك «مدد يا رسول الله»، و«بكار»، و«شدى الضفاير»، و«يا عينى عليكى يا طيبة»، و«بلد البنات».. توليفة كبيرة جدًا. لا توجد أغنية أستطيع القول إننى انتقلتُ بسببها فقط، بالرغم من أن هناك أغانى حققت نجاحًا كبيرًا، فمثلًا «بكار» حصدت جوائز كثيرة وحتى اليوم ما زالت تُسمع، و«على صوتك بالغنا» و«مدد يا رسول الله» تُرجمتا إلى لغات العالم وموجودتان فى مكتبة الكونجرس اليوم، والفنان محمد منير نال بهما جائزة كبيرة فى الخارج. أغنية «شدى الضفاير» أثرت جدًا فى أجيال من البنات، وأغنية سيمون «كان فى زمان بنوتة»، وأغانى «منير» مثل «الصبايا ليه» و«أنا بنت من البنات».
أنا أكتب الأغنية بإخلاص شديد، وأحرص على ألا تستطيعى حذف أى جملة منها، لأنى أكتبها أكثر من مرة ومن أكثر من وجهة نظر، وحين تتوافر لديكِ معطيات كثيرة وتبنين بناءً مكثفًا يصل للناس بسهولة، تفضلين اختيار أجمل ما لديكِ، ولا تستطيعين الاستغناء عن أى جملة لأنها كُتبت بصدق وتفانٍ، ولذلك تخرج للجمهور بالشكل الذى ينال تقديره.

■ مع هذا التنوع والامتداد فى تجربتكِ، كيف تطورت علاقتكِ بالشعر على مدار السنوات؟ وعندما تبدأين فى كتابة نص جديد اليوم.. عمَّ تبحثين؟
- فى الشعر، طوال عمرى تشغلنى القضايا المسكوت عنها، والتى لا يتحدث فيها أحد رغم أهميتها للناس، والتى حين تظهر أحيانًا تُحدث فارقًا ونورًا. لا أحب تكرار الكتابة فى الموضوعات التقليدية إلا إذا كنتُ مضطرة وسأتناولها بوجهة نظر مختلفة تمامًا لتسليط الضوء على حقائق معينة. يهمنى دائمًا «الهم العام»، وحتى لو كتبتُ للبنات، ستجديننى أعبر عن هم عام لكل البنات وليس قضية خاصة لبنت أو اثنتين، ولا المشاعر العاطفية الفردية، بل أتحدث بشكل عام، وحين كتبتُ فى «بكار»، كتبتُ طفلًا أريده أن يكون نموذجًا وقدوة لكل طفل مصرى، فكُتب بهذه الطريقة التى تجعل كل الأطفال يشعرون بالشرف للانتماء إليه، أما فى الموضوعات العامة فهناك نماذج عديدة لأغنيات كتبتها ونجحت ومنها «ساح يا بداح»، «شتا»، و«شدى الضفاير» وغيرها.
■ إلى جانب تجربتكِ الشعرية، خضتِ تجربة الكتابة للمسرح. من وجهة نظركِ، أين يلتقى المسرح بالشعر؟ وأين يفترقان؟
- فى كل عمل تقدمينه يجب أن تكون لديكِ رسالة وحدوتة تريدين سردها. كتابتى عمومًا حتى القصيدة توجد بها دراما ورحلة وحكاية، كما فى أغنية «شتا» مثلًا. لا أرى اختلافًا كبيرًا، غير أن النثر المسرحى يخلق مشهدًا حواريًا بين شخصين على المسرح، بينما القصيدة صوتها منفرد حتى لو كانت تعبر عن المجموع، وأنا أحلم بتقديم عمل مسرحى شعرى كبير وقوى، وقد بدأتُ فيه مرارًا وتوقفتُ، ثم عدت له ثم توفقت، وأعتقد أننى سأعود إليه قريبًا لأمزج بين المسرح والشعر فى عرض مسرحى شعرى.
■ هل تركت تجربتكِ المسرحية أثرًا فى تكوينكِ الشعرى؟ وكيف أسهم المسرح فى تشكيل لغتكِ ورؤيتكِ وطريقتكِ فى بناء النص؟
- كل عمل فنى شاهدته، سواء كان مسرحًا أو سينما أو دراما تليفزيونية أو أغنية، وكل كتاب قرأته وتجربة مررتُ بها، أثرت فى تكوينى وخبرتى وثقافتى، وبالتأكيد أثرت فى شغلى؛ فالعمل الذى أحبه لا بد أن يؤثر فىّ.
■ ما المختلف فى كتابة الشعر الغنائى حين يكون متصلًا بعمل درامى سواء كان مسرحًا أو سينما؟
- تكتسب كتابة الأغنية الدرامية سواء كانت للمسرح أو السينما أو المسلسلات التليفزيونية صعوبة، بالمقارنة مع الأغنيات والقصائد الأخرى؛ إذ يجد الشاعر نفسه ملتزمًا بأبعاد رؤية المخرج ومؤلف السيناريو اللذين يحددان مضمون الأغنية منذ البداية. وتكمن الصعوبة والتحدى الحقيقى فى كونه يكتب ليعبر عن مشاعر وإحساس شخصية أخرى تعيش حالة قد تكون غريبة عنه تمامًا، ما يتطلب منه التوحد الكامل مع تلك الحالة والإنطاق بلسانها بمنتهى الصدق والواقعية وكأنها تجربته الشخصية. إن لكل أغنية درامية حالتها وخصوصيتها وموقعها الخاص داخل النسيج الدرامى؛ وكلما امتلك الشاعر من الخبرة والثقافة والرؤية ما يمكنه من الغوص فى أقصى أعماق اللحظة الدرامية للتعبير عنها بصدق، كلما استطاعت الأغنية أن تلامس وجدان المتلقى وتحقق النجاح المنشود.
■ ماذا عن تجربتك فى عرض «مخدة الكحل» مع الفنان والمخرج انتصار عبدالفتاح؟
- «مخدة الكحل» عرض مسرحى يؤكد بكل ما يحمله من تفاصيل فنية على قدرة المسرح على التحرر من القوالب التقليدية، وهذه التجربة هى الثالثة بالنسبة لى كشاعرة مع المخرج انتصار عبدالفتاح بعد عرض الدربوكة وعرض الترنيمة، وهى امتداد لاهتمام الموسيقار والمخرج انتصار عبدالفتاح بالمسرح الصوتى.
وبداية من عنوان العرض «مخدة الكحل» فنحن نجد أنفسنا ومن النظرة الأولى لاسم العرض أننا أمام عمل محمل بالدلالات الشعبية والإنسانية التى تستدعى الذاكرة المصرية بكل ما تحمله من تفاصيل صغيرة ومن أغنيات وطقوس متوارثة.
ومن خلال هذه التفاصيل الكثيرة والمتشابكة يفتح العرض نافذة كبيرة على عالم من القضايا والمشاكل والأوجاع التى تخص المرأة المصرية والعربية فى علاقتها بالمجتمع.
وربما كان الجديد فى العرض أنه يقوم على تجربة تمزج بين الكلمة والموسيقى والحركة والأداء، ويكتسب العرض أهميته من قدرته على الاقتراب من عالم المرأة ليس باعتبارها مجرد شخصية داخل حكاية العرض وإنما باعتبارها إنسانة تحمل فوق كتفيها الكثير من الأوجاع والأسئلة والأحلام المؤجلة.. فالمرأة فى العرض تبدو حاضرة بصوتها ومشاعرها وتجاربها وبكل ما تحمله من صراعات داخلية ومشكلات فرضها عليها المجتمع.. وبالكثير من القيود التى تحاصر اختياراتها.. والجمل الشعرية التى قمت بصياغتها خصيصًا لهذا العرض هى نوع من البوح الأنثوى التى يصعب التعبير عنه خارج إطار عمل فنى.. وهو ما أردت أن أعبر من خلاله عن الكثير من المشاعر المكبوتة لدى المرأة فى مجتمعاتنا الشرقية.
■ بعد هذا المشوار الطويل ما الذى يشغلكِ إبداعيًا فى الوقت الحالى؟
- أعمل حاليًا على كتاب بعنوان «أغنياتى ذكرياتى»، وأجمع ديوانًا للأطفال، وديوانين آخرين أحدهما بعنوان «وجع الأسرار»، بالإضافة إلى العودة للعمل على العرض المسرحى الخاص بى والذى قد تسمعون عنه قريبًا.







