الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

معركة الشيخ بخيت

طه حسين يدافع عن الشيخ بخيت ويكتب: حق الخطأ

طه حسين
طه حسين

إذا أسرف مسلم على نفسه، واقترف إثمًا من الآثام التى يمقتها الله ويحذِّر منها عباده المؤمنين، ويوعدهم بالعقاب الشديد والعذاب الأليم إنْ تورَّطوا فيها، فأمر هذا المسلم لا يخلو من إحدى اثنتين: إما أن يكون قد اقترف خطيئة تؤذى غيره من الناس، وتضيع بعض حقوقهم، وإما أن يكون قد اقترف خطيئة لا تؤذى أحدًا غيره، ولا تمس إلا الصلة الدينية الخالصة بينه وبين الله الذى يعلم سرَّه وجهره، ويراقب ضميره حين يفكر أو يشعر، وشخصه حين يحسن فى العمل أو يسىء.

فإذا كانت الأولى، فولِى الأمر وحده هو المكلَّف أن يحاكِم هذا المسلم وأن يعاقبه على إيذائه للناس وإضاعته لحقوقهم كلها أو بعضها، وأن يقتص منه للذين آذاهم أو أصابهم ببعض ما يكرهون.

وولى الأمر هو القائم بالحكم بين الناس، وهو مكلَّف أن يقيم الحدود، وأن ينصف المظلوم من الظالم، وأن يكون الضعيف عنده قويًّا حتى يظفر بحقه كاملًا، وأن يكون القوى عنده ضعيفًا حتى يؤدى ما عليه من الحق كاملًا.

وإن كانَتْ الثانية، ولم يُجْنِ الخاطئ المتورط فى الإثم والكبيرة على أحد غيره من الناس، وإنما جنى على نفسه وحدها، فضيَّع حقًّا من حقوق الله التى لا تمس حقوق الناس من قريب أو من بعيد، فأمره إلى الله وحده وحسابه على الله وحده، وليس لأحد من الناس كائنًا مَن يكون أن يحاسبه أو يعاقبه.

هذه كلها أوَّليات مفهومة من الدين بالضرورة. كما يقول الأزهريون. ومفهومة من الدين بنص القرآن الذى لا يقبل تأويلًا ولا تبديلًا.

فما عسى أن يكون موقف ذلك الأستاذ الأزهرى الذى قال مقالته تلك فى الصوم، فأغضب الشيوخ وأثار هذه القصة التى يظهر أنها لم تنقض بعدُ، إنه لم ينكر أن الصوم ركن من أركان الإسلام. ولم يُبِحْ للناس أن يفطروا إن شاءوا بغير قيد ولا شرط، وإنما فهم نصًّا من نصوص القرآن الكريم فهمًا لا يقرُّه عليه الشيوخ، وأعلن رأيه للناس؛ قرأ قول الله عز وجل: «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ»، وفهم من هذه الآية ما فهمه بعض المفسِّرين القدماء — ومنهم الزمخشرى مثلًا — من أن الذين يجدون المشقة فى الصوم يستطيعون أن يفطروا وأن يفتدوا من ذلك بإطعام مسكين. وقرأ آيات فى القرآن وفهمها على غير ما يقرأ الشيوخ. قرأ قول الله عز وجل: «يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ. وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا». وقوله: «يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ»، وقوله: «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»، ورأى النبى ﷺ يقول فيما روى البخارى: «إنما بُعِثتم ميسِّرين لا معسِّرين». ويقول فيما روى البخارى أيضًا: «أَلَا إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى».

قرأ هذا كله وقرأ نصوصًا كثيرة أخرى غيرها، واعتقد أن الإسلام لا يأخذ الإنسان بالمشقَّة ولا بالعنف. وإنما يأخذه باللين والرفق لأن الإنسان خُلِق ضعيفًا. وقد علَّم الله المسلمين أن يسألوه ألَّا يحمل عليهم إصرًا كما حمل على الذين من قبلهم، وألَّا يكلِّفهم ما لا طاقة لهم به، ورأى كثيرًا من المسلمين يظهرون الصوم إنْ لقوا الناس أو لقوا بعض الناس، ويفطرون حين يخلون إلى أنفسهم وإلى أمثالهم من الذين يقول الله فيهم: «يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ». فأشار على هؤلاء بأن يفطروا إن وجدوا المشقة فى الصوم، وبأن يفتدوا من هذا الإفطار بإطعام مسكين، واعتقد فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الله أنه بهذه المشورة ينصح للإسلام والمسلمين، فينهى الناس عن النفاق ويحثهم على الصدقة، والله ليس فى حاجة إلى صيام الصائمين، والمساكين من الناس فى حاجة أشد الحاجة إلى أن يطعمهم القادرون على إطعامهم مؤثرين للصدقة أو مفتدين بها من الصوم.

كذلك رأى هذا الأستاذ، ولست أقول إنه أصاب، ولست أقول إنه أحسن فيما صنع.

ولكنى أقول إنه لم يتعمَّد خروجًا من الدين ولا مخالفة عن أمر الله، ولا انحرافًا عن نصوص القرآن وما صح من الحديث، فأقصى وأقسى ما يمكن أن يقال فى شأنه: إنه اجتهد فأخطأ، وليس على مَن اجتهد حرج فى أن يخطئ، وما أكثر المجتهدين الذين أخطئوا فلم يَقْضِ عليهم أحد بالكفر، ولم يُتَّهَموا بالخروج من الدين، ولم يحاول أحد أن يحاكمهم أو يعاقبهم، أو يطلب إلى القضاء أن يفرِّق بينهم وبين أزواجهم! وليس لأحد أن يتهمهم بشىء من ذلك، أو يقدِّمهم إلى القضاء فى شىء من ذلك، أو يحاول التفريق بينهم وبين أزواجهم لشىء من ذلك؛ فكل شىء من هذا القبيل اعتداء على حق المسلم فى أن يجتهد فى رأيه، وينصح لله والناس ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

ولا ينبغى أن يقال إن ذلك الأستاذ لم يبلغ منزلة الاجتهاد، فمنزلة الاجتهاد هذه شىء غامض غير محدود ولا واضح الأعلام، ولم يستطع أحد من شيوخنا فى الأزهر أن يحدِّد لنا منزلة الاجتهاد هذه، ولا أن يبيِّن لنا متى يبلغها الناس ومتى يقصرون عن بلوغها، ولكن المسلم الذى يقرأ كتاب الله ويفهمه كما يستطيع الناس أن يفهموه، ويقرأ حديث النبى ﷺ ويفهمه كما يستطيع الناس أن يفهموه أيضًا، ثم يشارك فيما اتفق الناس على أن يسموه علوم الدين، فيأخذ بحظ من الفقه وأصوله، ومن الكلام ومذاهب الناس فيه، ويشهد له بهذا كله الأزهر الشريف الذى يعطيه إجازة مكتوبة معتمدة من الدولة تشهد بأنه عالم من علماء الدين. 

هذا المسلم ليس عليه بأس إن حاول الاجتهاد مخلصًا فى اجتهاده ناصحًا فيه للإسلام والمسلمين، وذلك الأستاذ قد ظفر بتلك الإجازة كما ظفر بها حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر وزملاؤه من أعضاء هيئة كبار العلماء وزملاؤهم من علماء الأزهر الشريف جميعًا. وإذا كان شيوخنا الأَجِلَّاء يأبون على أنفسهم الاجتهاد، ويكتفون بتقليد واحد من الأئمة الأربعة، خوفًا من الزلل، وإشفاقًا من الخطأ وإيثارًا للعافية. فذلك حقهم لا ينازعهم فيه أحد، ولكنه لا يبيح لهم أن يأخذوا الناس بأن يكونوا مقلِّدين مثلهم. هم أحرار فى التقليد وغيرهم حر فى الاجتهاد، والله غالب على أمرهم جميعًا، سيسأل المقلِّدين عن تقليدهم، وسيسأل المجتهدين عن اجتهادهم، وسيجزى كلًّا منهم بعمله جزاءً لا يشك فى عدله إلا الجاحدون.

وإذن ففيمَ كل هذه الضجة؟

وفيمَ كل هذا الجدال؟

رجل اجتهد ومن حقه أن يجتهد. فإن يكن أصاب فأجره على الله. وإن يكن أخطأ فحسابه على الله. وليس لأحد من الناس، لا من رجال الحكم ولا من رجال الأزهر، أن يحاسبه على ذلك أو يعاقبه؛ لأنه لم يعتد على حق من حقوق الناس، لم يسفك دمًا حرامًا ولم يأخذ مالًا حرامًا. ولم يؤذِ أحدًا فى شىء تعاقِب القوانين على إيذاء الناس فيه.

كل ما يمكن أن يقال هو إنه أخطأ فى حكم من أحكام الدين. فمن حق العلماء أن يبيِّنوا له خطأه وأن يدلُّوه على الصواب، ويدعوه إلى أن يثوب إليه، فأما أن يحاكموه أو يعاقبوه أو يؤدبوه، أو يقدموه إلى القضاء ليفرق بينه وبين أهله، فذلك شىء لا يبيحه لهم الإسلام، وهم إن فعلوه يعطون أنفسهم حقًّا لم يُعْطِه الله لهم، فهم يتجاوزون حدودهم ويظلمون هذا الأستاذ، وينتحلون لأنفسهم ما لا يملكون.

ولست أدرى: إلامَ انتهت إليه هذه القصة الآن؟ ولست أعلم حين أملى هذا الحديث أبرئ هذا الأستاذ أم أُدِينَ؟ ولكن الشىء الذى أقطع به هو أن محاكمته من أجل رأيه فى الصوم إسراف وانحراف عن أصول الإسلام وسنته السمحة، ولا بدَّ أن يعود علماء الإسلام فى الأزهر إلى قصد السبيل بعد أن جار بهم السلطان عنه، واستحَبَّ فريقٌ منهم هذا الجور فى وقت من الأوقات؛ فليس لعلماء الإسلام حق فى أن يحاكموا مسلمًا أو يعاقبوه لأنه اجتهد رأيه فأخطأ أو أصاب، ذلك أن الإسلام لا يعرف الإكليروس، ولا يعرف هذه السلطة الدينية العليا التى يستأثر بها فريق من رجال الدين، فيحكمون بإيمان هذا الرجل وكفر ذاك.

وقد عاش المسلمون قرونًا قبل أن يوجد الأزهر الشريف، فلم يعرفوا هيئة تحاكم الناس على الاجتهاد فى الرأى، وهم قد كرهوا من الخليفة المهدى تتبُّعه للزنادقة، وإسرافه فى هذا التتبُّع، وأخذه بعض الناس بالشبهة وقتله بالظنة، وهم كرهوا كذلك إسراف المأمون حين أراد أن يحمل الناس على الإيمان بخلق القرآن، وحين امتحن بذلك جماعة من أخيار المسلمين.

والأزهر نفسه قد عاش قرونًا لم يكن يملك فيها أن يحاكم أو يعاقب على الرأى، وإنما كان يملك أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الخير كما أمر الله فى كتابه العزيز. ولم يُتَحْ هذا الحق للأزهر إلا فى آخِر الزمان، وفى هذا القرن الذى نعيش فيه، حين أُنشِئت هيئة كبار العلماء وأُعطِيت ما أُعطِيت من الحقوق، وكان إعطاؤها الحق فى محاكمة الناس ومعاقبتهم على الرأى بدعة لم يعرفها الإسلام من قبلُ، وكان من الحق على الأزهر أن يذكِّر الحكومة التى أعطت هيئة كبار العلماء تلك الحقوق أن فى ذلك بدعة، وأن شر الأمور محدثاتها، وأن كل بدعة ضلالة، وأن كل ضلالة فى النار، كما كان ابن مسعود رحمه الله يتحدث إلى تلاميذه فى الكوفة.

وقد اختلف أئمة المسلمين فى أمور كثيرة، اختلفوا فى الفقه، واختلفوا فى الكلام، واختلفوا فى السياسة، وشنَّع بعضهم على بعض، وأسرف بعضهم على بعض فى التشنيع، ولكن أحدًا منهم لم يُقدَّم إلى المحاكمة ولم يُفرَض عليه عقاب شديد أو يسير، ونحن نقرأ من تشنيع بعض العلماء على بعض طرائف لا تحصى، نقرأ فى كتاب ابن حزم مثلًا أن الأشعرى كان قد أهدر دمه حين رأى هذا الرأى أو ذاك فى الكلام، وأن أصحاب أبى حنيفة قد أهدروا نصوص القرآن وتكلَّفُوا على النبى ما لم يَقُلْ من الحديث، حين رأوا هذا الرأى أو ذاك فى الفقه، ولكن هذا كله لم يَعْدُ أن يكون كلامًا يقال، فأما أن يُحاكَم فقيه أو متكلِّم على رأى له فى الفقه أو الكلام، وأن يكون الذين يحاكمونه من الفقهاء أو المتكلمين، فذلك شىء لا يعرفه المسلمون إلا منذ أنشئت فى مصر هيئة كبار العلماء، وأغرب ما فى هذه القصة أن صاحب تلك المقالة فى الصوم لم يبتكر شيئًا ولم يقل جديدًا، وإنما سبقه علماء من المسلمين إلى مثل هذا الرأى، وقد أشرت فى أول هذا الحديث إلى أنه لم يبتكر تفسير آية الصوم التى اعتمد عليها فى رأيه ذاك، وإنما سبق إليه مفسِّرون قدماء، ذكرت منهم الزمخشرى.

وقد سبقه إلى رأيه من الفقهاء القدماء الذين لا يكفرهم الأزهريون جماعةٌ أذكر منهم ابن حزم، ولست أعرف أن الزمخشرى حُوكِم على تفسيره لهذه الآية الكريمة. ولا أن ابن حزم قد حُوكِم على إباحة الإفطار والفدية لمَن وجد المشقة فى الصوم، ولكن آفة الأزهريين المعاصرين أنهم يقرءون كتبًا بعينها قد فرضتها عليهم ظروف الأزهر فى بعض العصور، ولا يكادون يقرءون غيرها من الكتب التى كتبها علماء الإسلام فى العصور الأولى وفى البلاد الإسلامية المختلفة. وهم من أجل ذلك يحصرون العلم والدين فى حدود ضيقة جدًّا، هى حدود الكتب التى يقرءونها، والعلم أوسع جدًّا من هذه الكتب، والدين أوسع جدًّا وأسمح جدًّا مما يراه الأزهريون، ولولا أنى أحب الأزهر حبًّا متأصلًا فى نفسى، وأرفق بالأزهريين كما أرفق بالصديق الحميم لقلت أكثر من هذا، ولكنى على كل حال أتمنى مخلصًا للأزهريين ولعلمائهم خاصةً أن يقرأوا القرآن نفسه، وأن يقرأوا الحديث فى نصه أكثر مما يقرأون كتب الفقه وكتب المفسرين المتأخرين. 

ولست أعرف شيئًا يعلِّم المسلم سماحة الرأى وسماحة الخلق. وأخذ الأمور بالرفق واللين والحكم على الأشياء فى غير تكلُّف ولا تعقيد، كالإمعان فى قراءة القرآن الكريم والحديث الشريف، والاقتصاد فى الرجوع إلى المفسِّرين والشرَّاح بحيث لا يُرجَع إليهم إلا عند الضرورة القصوى.

أما بعدُ، فأظن أنى قد بلغت بهذا الحديث ما حاولت من إثبات أن من حق ذلك الشيخ الذى قال مقالته تلك فى الصوم أن يجتهد وأن يخطئ. وأن ليس لأحد من الناس — وإن كانوا شيوخ الأزهر، وعلى رأسهم صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر — أن يحاكمه أو يعاقبه على شىء من ذلك. وأن لهم أن يجادلوه بالتى هى أحسن، وأن يأمروه بالمعروف وينهوه عن المنكر ويدعوه إلى الخير، لا يتجاوزون ذلك إلى أكثر منه؛ لأنهم لا يملكون أن يتجاوزوا ذلك.