الأحد 14 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

تفكيك العقل المتطرف 3.. فؤاد زكريا: العلمانية ضرورة اجتماعية وسياسية

فؤاد زكريا
فؤاد زكريا

الحكم الدينى يغرى الحكام باستغلال قداسة الدين لإضفاء العصمة على أخطائهم

 تسييس الدين ينُزله من عليائه ويربطه بجو المناورات والصفقات والمصالح

 لو حل الولاء الدينى محل الولاء الوطنى أو القومى لدبت الفوضى فى المجتمع

 لم يرتكن فؤاد زكريا إلى تفكيكه الأساس الفكرى لمشروع الإسلام السياسى، بمختلف تياراته وفى القلب منها جماعة الإخوان، وإنما عمل على تقدم مشروع مواز أو تصور مضاد، فإذا كانوا يرفعون شعار «الإسلام هو الحل»، فإنه، وقد كان منفردًا بين المثقفين المصريين والعرب- رفع شعار «العلمانية هى الحل». 

والعلمانية، كما يعرفها فؤاد زكريا، ليست بديلًا للدين، وإنما ضرورة سياسية ودنيوية للحكم والإدارة، إذا كنا نريد للمجتمع أن يتقدم ويلحق بركب الحضارة، وقبل هذا إذا كنا نريد أن نحمى الدين ذاته وننزهه عن سوءات السياسة.

ومن هذا المنطلق يقدم، فى كتابه «الصحوة الإسلامية فى ميزان العقل»، الصادر فى 1987، إجابة وافية عن سؤال «لماذا العلمانية ضرورة الآن دون تأخير؟»، مفندًا كل الادعاءات عن هذه الكلمة التى تعرضت للتشويه الكامل، ويعرض تصورًا لشكل الحكم المستند إليها. 

وقد كان هذا الكتاب هو الجزء الثانى المتمم لمشروعه ضد تيارات الإسلام السياسى، الذى جاء الجزء الأول منه تحت عنوان «الحقيقة والوهم فى الحركة الإسلامية المعاصرة»، الصادر عام 1986.

أولًا: أصبح تسييس الدين، فى العقدَين الأخيريَن، أمرًا يتسع نطاق الاعتراف به يومًا بعد يوم، بل يبدو أن المعترضين عليه بدأوا يتراجعون، فأصبح اعتراضهم مُنصبٍّا على التفاصيل، على حين أن المبدأ العام أصبح مقبولًا لدى أعداد متزايدة منهم. وأصبح من الاعتقادات المتداوَلة على أوسع نطاق، القول إن إبعاد الدين عن السياسة ينطوى على انتقاص من قدْر الدين، وتضييق غير مشروع لنطاقه، ووصل الأمر بأحد المُفكرين الذين يحرصون على الاحتفاظ بصورة «الاعتدال» أمام الرأى العام الإسلامى، إلى حد ابتداع تعبير «الإسلام السياحى»، للدلالة على موقف خصوم «الإسلام السياسى».

ومن المؤكد أن الزحف المتزايد لقُوى الإسلام السياسى قد نجح، إلى حد لا يسُتهان به، فى تأكيد مبدأ كان حتى عهد قريب مرفوضًا رفضًا قاطعًا؛ هذا المبدأ هو ُّ تدخل الدين فى شئون السياسة، أو تنظيم السياسة وفقًا لمبادئ الدين، فحتى الستينيات من هذا القرن كانت نسبةٌ كبيرةٌ من المشتغلين بالسياسة، حتى المتدينين منهم، تؤمنَّ بأن فصل الدين عن السياسة من الأمور البديهية التى لا تعنى على الإطلاق انتقاصًا من قدْر الدين. ولكن جو الإرهاب الدينى الذى فُرض علينا منذ السبعينيات أرغم الكثيرين على قبول الفكرة القائلة إن الدين ينبغى أن يكون شاملًا لجميع جوانب الحياة، وضمنها الجانب السياسى والاجتماعى، وإن مَن يقولون بغير ذلك يسعَون إلى خنق العقيدة وحبسها فى أضيق الأطُر.

والواقع َّ أن السياسة، بمعنى إدارة شئون الحكم فى مجتمع مُعين، هى بطبيعتها فن متغير، يقوم على الممارسة المرتكزة — فى الأحوال المُثلى — على مجموعة من المبادئ القابلة بدَورها للتغير. ولا معنى فى السياسة لعبارة «صالح لكل زمان ومكان»؛ َّ لأن المرونة — حتى بالنسبة إلى المبادئ الأساسية — تشُكل جوهرها. وأبسط معرفة بتاريخ البشرية يثُبت أن السياسة لا تعرف شيئًا أزليٍّا، وأنَّها هى فن التواؤم مع أوضاع البشر شديدة التقلب.

ومن ناحية أخرى، فإن السياسة تفترض الاختلاف وتعدد وجهات النظر وتباينُها، وأساس مهمتها هو العمل على تغليب اتجاه مُعين على الاتجاهات الأخرى، على حين أن الأديان تسعى إلى أن تكون شاملة، وكل دين يهدف إلى أن يسرى على الإنسانية جمعاء. وأخيرًا فإن أغلب الممارسات السياسية تنتمى إلى عالم الوسائل، وتسُتخدم فيها أساليب ومراوغات تخرج عن عالم الغايات والمُثل العُليا الذى ينتمى إليه الدين. وبهذا المعنى فإن تسييس الدين يلُحق به ضررًا بالغًا؛ إذ ينُزله من عليائه ويربطه بجو المناورات والصفقات والمصالح، الذى ينبغى أن يظل الدين مترفعًا عنه.

وهكذا يؤدى تسييس الدين إلى مأزق لا مخرج منه؛ فإذا مارسنا هذه السياسة المرتكزة على الدين بالطرق المألوفة فى عالم السياسة، كان معنى ذلك الهبوط بالدين إلى مرتبة الانتهازية والتآمر، وإذا تمسكنا فى تلك السياسة بالمثاليات الدينية كانت نتيجة ذلك عجزًا كاملًا عن التعامل مع عالم يمارس السياسة بطرق دنيوية خالصة.

ثانيًا: أثبتتَ التجربة التاريخية أن نطاق الحريات يتسع كثيرًا فى ظل الحكم العلمانى عنه فى أى مجتمع تدُار فيه شئون السياسة على أساس دينى، فالحكم الدينى يغرى الأغلبية باضطهاد الأقلية، ويغرى الحكام باستغلال قداسة الدين من أجل تبرير تصرفاتهم وإضفاء العصمة على أخطائهم. وكثير من حقوق الإنسان الأساسية، ولا سيّما حرية الاعتقاد والتفكير، تقُيَّد أو حتى تهُدَر إذا كان الحكم يرتكز على وجود حقيقة مطلقة يعَد كل ما يخالفها زندقةً وتجديفًا. 

وبالطبع فإن الرد الجاهز على هذا الاعتراض هو الإشارة إلى ذلك المدى الواسع من التسامح مع الأقليات، الذى عرفته عصور إسلامية زاهية، كالعصر الأندلسى على سبيل المثال. وتلك حقيقة تاريخية لا تنُكَر، غير أن تفسيرها لا يتعارض مع رأينا السابق؛ إذ إن الحكم الإسلامى قد كفل تلك الحريات بقدْر ما ابتعد عن التعصب وعن حَرفية التفسير فى فهم الأحكام الدينية، ولجأ إلى الاجتهاد والتحرر الفكرى بقدْر لا يختلف كثيرًا عما يدعو إليه العلمانيون. ولاشك أن الحكم العربى فى الأندلس لم يكُن إسلاميًا إلا بمعنى فضفاض إلى أبعد حد، أما العصور التى غلب عليها التعصب والتمسك بحَرفية النص فقد أهُدِرَت فيها معظم الحريات الأساسية للإنسان.

ثالثًا: تضُفى العلمانية على الإنسان المكانة التى يستحقها، فهى لا تؤلهه ولا تقول بعصمته من الخطأ، وإنما هى تعترف بمحدودية عقل الإنسان وعجزه عن تحقيق الكثير مما يتجه إليه طموحُه، غير أنها تعترف فى الوقت ذاته بأن عظمة الإنسان تكمن على وجه التحديد فى سعيه الدائم إلى تجاوز عجزه وقصوره، وتدرك عن وعى أن الإنسان حقق فى هذا المضمار إنجازاتٍ رائعة، وما زال ينتظر ما هو أعظم كثيرًا مما حققه. فالحضارة البشرية ليست إلا سعى هذا الكائن، الذى يعى جيدًا حدوده وقصوره، إلى تجاوز ذاته. وهذا ينطبق على كافة مجالات الحضارة، ولكن ما يعنينا هنا هو الميدان السياسى والاجتماعى.

فليس فى وسع أحد الادعاء بأن النظُم التى وضعها الإنسان لنفسه كاملة. غير أن إدراك الإنسان لقصور هذه النظُم هو الذى يدفعه إلى تحسينها بلا انقطاع. وخلال كل مرحلة فى هذه العملية التى لا تنقطع، يكتسب الإنسان مزيدًا من الخبرات، ويعمل على تقليل أخطائه والارتفاع بمستوى إنجازاته. والأهم من هذا كله، أن الإنسان يكتسب مزيدًا من الثقة فى نفسه، ويصُحح مساره كلما تراكمَت تجاربه، بكل ما فيها من إيجابيات وسلبيات.

غير أن خصوم العلمانية يحملون فى داخلهم قدْرًا هائلًا من الاحتقار للإنسان، لا يعلنونه عن الملأ، وربما لم يكونوا على وعى تام به، ولكنه كامن فى صميم تعاليمهم، فأكبر الكبائر عندهم، فى ميدان السياسة وتدبير شئون المجتمع، هو أن تستمد السلطة السياسية شرعيتها من الإنسان، ومن الشعب، وأن يكون تشريعها مستمَدًا من التجارب والخبرات التى تتراكم لدى المجتمعات البشرية؛ ذلك لأن كل ما يصدُر عن الشعب، أو عن الإنسان عامة، موصوم لديهم بالتقلب والتخبط والإخفاق. 

ولفظ «الوضعى» الذى يصفون به القوانين البشرية، ويعنون به ما هو من وضع الإنسان، أصبح من ألفاظ التجريح والتحقير، ولدى معظم هذه الاتجاهات بغُض كامن للديمقراطية، َّ لمجرد أنَّها تعنى «حكم الشعب»، وهو البغُض الذى يغُلف بإطار من التمسك بالتراث، فيقُالَ إن اللفظ يونانى يعُبر عن تجربة غريبة عن أصالتنا. ويتخذ هذا البغُض للديمقراطية، وهذا الاحتقار الدفين للشعب، شكلًا َّمؤسسيٍّا حين توضَع «الشورى» فى مقابل الديمقراطية، ثم يتُرك الأمر للاختلاف حول ما إذا كانت الشورى مُلزِمةً للحاكم أم غير مُلزِمة. 

وفى غمار هذا الاختلاف ينسى الجميع أن نقطة البدء فى الشورى تأتى من الحاكم؛ لأنه هو الذى «يشاور»، على حين أن نقطة البدء فى الديمقراطية لابد أن تأتى من القاعدة، أىْ من الشعب، وهو فارق هائل. كما ينسَون َّ أن الشورى إذا ما طُبّقَت تطبيقًا يتلاءم مع ظروف العصر، لا بد أن تصبح فى نهاية الأمر شكلًا من أشكال الديمقراطية، ولا َّ بدأن تحُكَم بضوابط َّ المؤسسات الديمقراطية إذا ما شاءت أن تخرج عن الإطار الفردى الاستبدادى.

ولا جدال فى أن فكرة «حاكمية ﷲ»، التى طرحها سيد قطب، َّ ورددَتها من بعده جماعات كثيرة اتخذَت من تعاليمه نقطة انطلاق لها، تلُخص موقف هذه الجماعات فى عدم الثقة بالإنسان. ويرتكز هذا الموقف على استغلال الأخطاء التى يقع فيها الشعب لكى يثُبت أن هذا الشعب ينبغى أن يظل فى حالة وصاية دائمة، وأنه بالتالى عاجز عن تدبير أموره بنفسه. 

ومن جهة ثانية، فإن هذه الحاكمية الإلهية تمُثِّل فكرةً مستحيلة التطبيق؛ لأن الشرع الإلهى لا يطُبَّق إلا بواسطة البشر، ولأن توسط الإنسان لا غَناء عنه عند إنزال أى حُكم إلهى من السماء إلى الأرض، ومن ثمَ يمكن بسهولة أن تتحول حاكمية ﷲ إلى حاكمية للبشر. 

ومن جهة ثالثة، فإن هذه الحاكمية الإلهية التى تزعم أنها تنقل رسالة السماء إلى الأرض، أخطر وأشد ضررًا بما لا يقُاس، من أى حُكم بشرى يتقدم إلى مجتمعه بوصفه بشريٍّا، لأن الأخير قابل للتخطئة والتغيير، بينما الأول يضُفى على الإنسان الذى يطُبِّقه عصمةً لا يملكها، ويخلع عليه قداسة المصدر السماوى الذى يزعم أنّه هو الناطق باسمه، فيصبح من المستحيل رده إلى الصواب، ويغدو القمع والاضطهاد هو القاعدة فى تعامله مع كل مَن يحاول تنبيه المجتمع إلى أخطائه.

رابعًا: وأخيرًا، فإن التعامل السياسى بين مختلف المجتمعات البشرية يصبح أمرًا بالغ الصعوبة إذا لم يستند على أسُس علمانية، فحين يصبح أساس التعامل دينيًا، قد ينقسم الولاء داخل المجتمع الواحد ما بين أصحاب العقائد المختلفة، فيتجه ولاء مسلمى الفلبين، مثلًا، إلى إندونيسيا، ويتجه ولاء مسيحيى لبنان، مثلًا، إلى فرنسا، ويستتبع ذلك وقوع الكوارث الطائفية التى لا تزال مجتمعاتنا المعاصرة عاجزةً عن ُّ التحرر منها. 

ومن جهة أخرى، فإن تطور التاريخ والحضارة جعل أصحاب الدين الواحد، المنتشرين فى دول مختلفة، يحملون اتجاهاتٍ شديدة التباين فى أمور السياسة والاجتماع والاقتصاد. ولو حل الولاء الدينى محل الولاء الوطنى أو القومى لدبت الفوضى فى العلاقات بين أمثال هذه المجتمعات، وذلك لسبب بسيط هو أن اشتراك المجتمعات المختلفة فى دين واحد لم يصبغها بصبغة واحدة فى تفكيرها السياسى واتجاهاتها الاقتصادية والاجتماعية، وإنما نجدها فى واقع الأمر مختلفة فى كل شىء ما عدا الدين.

ومن هنا أصبح من الطبيعى أن تحُدد الدول مواقفها مع الدول الأخرى وفقًا لمصالحها، لا وفقًا لدينها، فتميل دول إسلامية كثيرة إلى الانحياز لموقف المسيحيين فى النزاع بينهم وبين المسلمين فى قبرص، أو إلى جانب الهند فى صراعها مع باكستان الإسلامية، وهلمُ جرا. 

وبالطبع فلسنا فى حاجة إلى الإشارة إلى تلك الحقيقة التى نبّه إليها الكثيرون من قبل، وهى أن إقامة تكتُّل من الدول على أساس إسلامى لابد أن يترتب عليه إقامة تكتل آخر على أساس مسيحى، وبتعدد التكتلات الدينية تختل الموازين الدولية، وتقوم صراعات من نوع جديد، يعُيد إلينا صورة الحروب الصليبية وغيرها من حروب الطوائف والأديان.

لو تأملنا الأمر بنظرة واقعية لوجدنا أن جميع الدول التى أعلنت رفضها الصريح لأى مبدأ علمانى، وقررت إقامة سياستها على أسُس دينية، لا تطُبّق هذه الأسُس فعليٍّا فى معاملاتها الدولية، بل إن هذه الدول، حين تخلت عن العلمانية، أصبحَت من أقل دول العالم استقلالًا، وأشدها خضوعًا للنفوذ الأجنبى (الذى تفرضه دول الغرب المسيحى).

ويكفى فى هذا الصدد أن نقارن بين إندونيسيا سوكارنو وإندونيسيا سوهارتو، وبين باكستان بوتو وباكستان ضياء الحق، وبين سودان الأحزاب الديمقراطية وسودان النميرى. وهكذا تبدو العلمانية شرطًا ضروريٍّا من شروط التعامل السليم بين الدول فى المجتمعات الحديثة، على حين أن العودة إلى أسُس أسبق تاريخيٍّا منها، كالأساس الدينى، تؤدى إلى الاختلال الشديد فى العلاقات الدولية.

اقرأ أيضًا: 

تفكيك العقل المتطرف.. فؤاد زكريا يحاكم الإخوان من قبره

تفكيك العقل المتطرف 2.. فؤاد زكريا: هل يحل «متحف الأيدى المقطوعة» مشكلات مصر؟