الجمعة 19 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

تفكيك العقل المتطرف 2.. فؤاد زكريا: هل يحل «متحف الأيدى المقطوعة» مشكلات مصر؟

فؤاد زكريا
فؤاد زكريا

يمثل الدكتور فؤاد زكريا حالة خاصة فى الثقافة المصرية، فهو مثقف بحق، وفيلسوف بحق، وشجاع أيضًا!

قد يكون الرجل مثقفًا، ويمكن أن يكون فيلسوفًا، لكنه لا يقدر على أن يقول ما يدور فى عقله، خوفًا من رد الفعل، خصوصًا فى مجتمع مثل مجتمعاتنا الموصوفة بـ«المحافظة».

أما الدكتور فؤاد فقد كان قادرًا على أن يقول كلمته مهما كانت العواقب.. وليس كما وصفه «هيكل» بأنه واحد من «فرسان الساحات الخاوية»، وكان يقصد هؤلاء الذين هاجموا «عبدالناصر» بعد وفاته وانتهاء تجربته.. وكأن النقد لا يكون إلا فى حياة الحاكم وعلى عينه!

لقد كان فؤاد زكريا مثالًا للشجاعة حين كتب «العلمانية هى الحل» ردًا على «الإسلام هو الحل»، ولم يتوار حول تعبيرات استخدمها مثقفونا وفلاسفتنا، على مدار عقود، بديلًا عن كلمة «العلمانية»، حتى لا تجلب عليهم لعنات رجل الشارع العادى الذى لا يعرف عن «العلمانية» إلا أنها تعنى «أمك تقلع الحجاب»! كما عرفها أحد الشيوخ.

وكما كان شجاعًا.. كان قادرًا على المواجهة، بالعقل والحوار والمنطق، وإسقاط حجج من يقفون أمامه فى معركته الكبرى، التى أفنى فيها حياته، وهى «معركة التفكير العلمى»، التى خاضها فى مواجهة مجتمع لا يحب هذا النوع من التفكير أصلًا، وأمام تيارات ترى فى «العلم ورجاله ومفكريه» أعداء ينبغى التخلص منهم حتى تسقط البلاد فى أيديهم.

الجماعات الإسلامية قصرت الشريعة فى قطع اليد والجَلد والرجم دون النشر لأزمات المجتمع

استخدم فؤاد زكريا كل علمه وخبرته وثقافته فى معركته، أو معركة مصر، إذا شئنا الدقة، مع تيارات الإسلام السياسى، وقد دخل هذه المعركة حين كانت السطوة والشارع والسلاح أيضًا لهذه الجماعات.

لكنه لم يخف، وعلى مدار سنوات خاض مواجهة تلو الأخرى مع أفكارهم ورموزهم.

وعلى مدار شهر رمضان نقرأ معًا بعضًا من هذه المعارك الفكرية التى ضمنها فى كتابين من أبرز أعماله، هما: «الحقيقة والوهم فى الحركة الإسلامية المعاصرة»، الصادر عام 1986، و«الصحوة الإسلامية فى ميزان العقل»، الصادر فى 1987.. ومع الكتاب الأول نعيش فى هذه الحلقة أيضًا.

كان السؤال الأول الذى فنده فؤاد زكريا هو: «لماذا الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية؟»؛ فقد وضع إجابات الجماعات الإسلامية، ثم أسقط المنطق عن تلك الإجابات تمامًا، أما السؤال الثانى فهو: كيف نطبق الشريعة؟

يقول: «يدور جدل كثير هذه الأيام حول طريقة تطبيق الشريعة.. فهل يكفى لكى يقال إن الشريعة أصبحت مطبقة، أن نفرض الحدود، أى أن نطبق حد السرقة فنقطع يد السارق، وحد الخمر فنجلد السكير، وحد الزنا فنرجم مرتكب الخطيئة؟.. إن الكثيرين من العقلاء، فى صميم الحركة الإسلامية ذاتها، يؤكدون أن تطبيق الشريعة أوسع مدى بكثير من موضوع الحدود، فالعقوبات ليست إلا الوجه السلبى للشريعة، إنها هى الجزاء الذى ينبغى أن يناله الآثم والعاصى. 

ولكن هل معنى ذلك أن الناس الأسوياء، الذين لا يسرقون ولا يسكرون ولا يزنون (وأنا أفترض أن هؤلاء هم الأغلبية)، لن تمسهم الشريعة ولن تنظم حياتهم؟.. لا جدال فى أن الشريعة ينبغى أن تنطبق على الجوانب الإيجابية من حياة الناس، لا على الجوانب السلبية أو غير السوية فحسب. ومن هنا فإن تطبيق الشريعة لا بد أن يكون أوسع نطاقًا من فرض الحدود والعقوبات.

ومن جهة أخرى، فهل تنحصر مشكلات أى مجتمع فى هذه الآثام وحدها؟.. لنفرض أننا أقمنا الحد على السارق وشارب الخمر والزانى، ولنفرض أننا استطعنا بذلك أن نستأصل هذه الآفات من المجتمع، فهل يكفى ذلك لكى تنصلح أحوال المجتمع وتنتهى مشاكله؟ 

إن المشكلة الاقتصادية لا تحل بمنع السرقة فحسب، بل بزيادة الإنتاج وعدالة التوزيع وترشيد الاستهلاك. وقُلْ مثل هذا عن المشكلات الاجتماعية والأخلاقية فى علاقتها بالحدود الأخرى كحد الخمر والزنا. وهنا أيضًا يكفينا أن ننظر حولنا إلى مجتمعات أخرى طُبِّقت فيها هذه الحدود بكل همة ونشاط، كالسودان فى عهده السابق، وباكستان؛ لكى ندرك أن تطبيق الحدود لم يكن كافيًا على الإطلاق لحل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية.

ولقد أدرك الكثيرون هذه الحقيقة، فطالبوا بألا تقتصر الجهود على تطبيق الحدود وحدها، وسايرهم فى ذلك كثير من المطالبين بالتطبيق العاجل للشريعة؛ حتى يتخلصوا من الاعتراض الصحيح القائل إن الشريعة أوسع وأكثر إيجابية بكثير من تطبيق الحدود. ومع ذلك فإنى أشك فى أن يكون هذا هو موقفهم الحقيقى، وأعتقد أن جهدهم الفعلى يتركز فى تطبيق الحدود وحدها.

ذلك أولًا أن التطبيق الشامل يحتاج إلى وقت طويل وتدرج شديد، ولا معنى للإلحاح عليه فى لحظة معينة، أو لتنظيم جلسات ومسيرات تدعو إلى تنفيذه على الفور، والشىء الوحيد الذى يمكن تنفيذه بين يوم وليلة، هو أن يصدر قرار بتطبيق الحدود الشرعية.

وأغلب الظن  أن هؤلاء الدعاة يؤمنون بأن الخطوة الأولى والحاسمة فى طريق التطبيق الشامل للشريعة، هى فرض الحدود، وكل شىء يمكن أن يأتي بعدها سهلًا  ميسورًا. ولكن، ليس هناك فى رأيي ما هو أبعد عن الصواب من هذا الرأي؛ لأن أى نظام يستطيع أن يلهى الناس، سنوات وسنوات، بمنظر الأيدى المقطوعة والظهور الملتهبة بالسياط، بل الحجارة التى ترجم الآثمين حتى الموت، دون أن يتجاوز هذا المدى خطوة واحدة فى طريق الإصلاح الشامل.             

وهذا ما حدث بالفعل فى جميع التجارب المعاصرة لتطبيق الشريعة.

والدليل الثانى على أن الدعوة السائدة فى هذه الأيام تتجه فى حقيقتها إلى المطالبة بتحقيق الحدود دون غيرها من جوانب الشريعة، هو أن أقطاب هذه الدعوة صفقوا بكل حماسة للرئيس السودانى السابق عندما أصدر قوانينه المشهورة التى اقتصرت على قطع الأيدى والجلد والرجم وغيرها من الحدود، وانهالت بيانات التأييد والاستحسان لما حدث فى السودان فى كل الصحف التى تُصدرها الجماعات الإسلامية فى مختلف أرجاء العالم العربى، دون أن يكترث أحد من مفكريها بتأمل الأمور على حقيقتها، ودون أن يسأل نفسه: هل ما يحدث فى هذا المجتمع مطابق حقيقة لشرع ﷲ؟ 

بل إن بعض الصحف الإسلامية أصابها حرج شديد عندما سقط نظام الرئيس نميرى بعد أن كانت تكيل له المدح منذ أيام قلائل، فلم تجد مفرًا من أن تهاجم طريقة تطبيقه الشريعة بعد سقوطه، وهى تعلم جيدًا أنها كانت فى أعدادها السابقة تؤكد أنه خطا الخطوة المطلوبة فى كل مجتمع إسلامى!

معاقبة الناس يجب أن يسبقها إقرار حد أدنى من العدل الاجتماعى والاقتصادى والسياسى 

وهكذا أصبحنا الآن نجد، ضمن التيار الإسلامى، مدرستين فكريتين: إحداهما تنادى بالتطبيق الفورى للشريعة، وتعنى بها— واقعيٍّا— الحدود، وتؤكد أن هذه هى الخطوة الأساسية التى ستترتب عليها جميع الخطوات التالية، والأخرى ترى أن تطبيق الحدود هو الخطوة الأخيرة، لا الأولى، وأن من الواجب أن يسبقه إقرار حد أدنى من العدل الاجتماعى والاقتصادى والسياسى بين الناس، حتى يستطيع المجتمع أن يفرض العقوبات الرادعة التى تنص عليها الحدود وهو مطمئن إلى أنه لن يظلم أحدًا.

ومن المؤكد أن موقف المدرسة الأخيرة ينطوى على منطق قوى يصعب الاعتراض عليه؛ ذلك لأن التسرع فى تطبيق الحدود، دون تهيئة الجو الاجتماعى الصالح للبشر، يمكن أن يؤدى إلى نتائج مأساوية. فكيف تقبل ضمائرنا أن نقطع يد إنسان يسرق فى زمن يسوده العسر والفاقة، وينهب فيه الأغنياء قوت الفقراء؟ 

إن اليد التى تقُطع يستحيل أن تعود، أى أن هذه عقوبة يستحيل تعويضها أو إصلاحها، فماذا يكون الأمر لو قطعنا يد إنسان سرق فى أوقات عصيبة ليسد رمقه، ثم ندم فيما بعد وتاب، واﷲ يقبل التوبة من الجميع؟ ستظل الوصمة، التى تتخذ شكل علامة واضحة يراها الجميع، تلاحقه وتلاحق أبناءه وأحفاده من بعده.

وهل تقبل ضمائرنا أن نساوى بين المال الذى سُرق بدافع الحاجة الشديدة، والذى هو فى نهاية الأمر متاع زائل يذهب ويجىء، وبين جزء أساسى فى كيان الإنسان وعنصر جوهرى من عناصر كرامته وآدميته؟ لمثل هذه الأسباب كان أنصار التروى فى تطبيق مثل هذه العقوبة على حق حين يقولون: اضمنوا للناس أولًا حدًا أدنى من العدل، ومن المعيشة الآدمية، وبعد ذلك طبقوا عليهم حد السرقة.

ولنتأمل مثلًا آخر: فجريمة الزنا، كما نعلم جميعًا، أمر يصعب إثباته إلى أبعد حد، وقد نصت الشريعة على أدلة حاسمة شديدة التعقيد من أجل إثباتها؛ وذلك نظرًا إلى قسوة عقوبة الرجم.

ولكن هل يستطيع أحد أن يساوى بين ارتكاب الزنا فى مجتمع تستفحل فيه أزمة الإسكان، ولا تجد فيه الغالبية العظمى من الشباب سبيلًا إلى الزواج الحلال لأنها تعجِز عن الحصول على مسكن مناسب، وبين ارتكاب هذه الجريمة ذاتها فى مجتمع مترفٍ تتوافر لدى أفراده جميع وسائل العيش المرفه؟ صحيح أن الزنا يظل جريمة فى كل الأحوال، ولكن هل يُلام الرجل الذى اضطرته أزمات الغلاء والإسكان إلى أن يظل أعزب عشرات السنين، بنفس القدر الذى يلُام به من يرتكب الزنا عامدًا وهو يمتلك كل شىء؟

من الواضح أن الجرائم والآثام التى يراد تطبيق الحدود الشرعية عليها ليست شرورًا مجردة، معزولة عن سياقها الاجتماعى، وتظل تحمل نفس المدلول مهما اختلفت الظروف، بل إن معناها، ودرجة خطورتها، تتفاوت وفقًا لتغير أوضاع المجتمع وشروط حياة الناس فيه. وهنا أيضًا يكون دعاة التروى على حق، ويكون من الواجب ضمان حد أدنى من العدالة الاجتماعية قبل أن نفكر فى تطبيق هذه الحدود.

هكذا تدل الدلائل كلها على أن التطبيق الفورى للحدود، قبل أن يصل المجتمع إلى حد معقول من الاكتفاء، يمكن أن يلُحِق ظلمًا فادحًا بالبشر. وأظن أن متحف الأيدى المقطوعة فى السودان، الذى لا يزال يعانى من المجاعة، هو خير شاهد على هذا الظلم.

ولكن السؤال، الذى يبدو أن هؤلاء العقلاء من دعاة التمهل وتوفير الحد الأدنى من المستوى الآدمى للمعيشة قبل توقيع العقوبة، لم يطرحوه على أنفسهم، هو: ماذا يعنى توفير مثل هذا الحد الأدنى فى بلد كمصر؟ إنه يعنى حل مشكلة التنمية، ومشكلات البطالة والفقر والجوع والإسكان والتعليم، ومعظم المشكلات التى نكافح منذ عشرات السنين من أجل مواجهتها. وفى ضوء الزيادة السكانية المستمرة، والأزمات العالمية والمحلية المتلاحقة، لا تبدو فى الوقت الراهن شواهد واضحة على أن مثل هذا الحل يمكن أن يأتى فى المستقبل القريب.

وهكذا تتضح معالم المأزق الذى تقع فيه الدعوة المتعجلة إلى تطبيق الشريعة: فلو بادرنا إلى هذا التطبيق فى ظل الأوضاع الراهنة، ودون تهيئة الظروف الاجتماعية الملائمة، لارتكبنا فى حق الناس مظالم فادحة. أما لو انتظرنا إلى أن تتهيأ هذه الظروف، لكان معنى ذلك أن مشاكلنا الرئيسية قد تم حلها من قبل بوسائل أخرى؛ وبذلك تختفى الأسباب التى كانت تستوجب تطبيق الشريعة.

إن هذا التحليل، وغيره مما عرضتهُ، ليست دعوة إلى اليأس، وإنما هو دعوة إلى التفكير. فما أردت أن أثبته هو أن الشعارات التى تتردد على الألسن حول هذا الموضوع ليست بالسهولة التى تبدو عليها للوهلة الأولى، ولا تؤدى إلى حل آلى وفورى لمشكلاتنا المعقدة. 

 الدعوى القائلة إن كل شىء سينصلح فور تطبيق الشريعة «مفرطة فى الوهم»

والرسالة التى أود أن أنقلها إلى عشرات الألوف من الشبان ذى النوايا الطيبة، الذين لا يريدون لأنفسهم ومجتمعهم إلا إصلاحًا، هى: لا تأخذوا كل ما يقال لكم بلا تفكير، فلو أعملتم عقولكم لأدركتكم، كما أدرك الناس بعد تجارب مريرة فى السودان والخليج وباكستان وغيرها، أن الدعوى القائلة إن كل شىء سينصلح فور تطبيق الشريعة هى دعوى مفرطة فى الوهم، لا فى التفاؤل فحسب، وإن الإنسان الذى يتولى تطبيق الشريعة الإلهية سيظل إنسانًا متحيزًا، مغرضًا، ظلومًا جهولًا، شأنه شأن أى إنسان آخر (واسألوا عن ذلك التاريخ كله). وستدركون أن الحل الذى تحلمون به، ونحلم به جميعًا، لن يأتى من خلال مجموعة من القرارات العاجلة، وإنما يأتى بعد كفاح طويل ضد الفقر والجهل والمرض ونقص الإنتاج والتبعية للغير، وقبل هذا كله، كفاح طويل مع النفس، التى ترتاح إلى الحلول السهلة والصيغ المبسطة والشعارات الرنانة.

أما الرسالة التى أود أن أنقلها إلى أصحاب القرار، فهى أن مواجهة التيار الدينى لا يجدى فيها العنف الظالم، ولا التدليل المفرط، إنها أولًا وأخيرًا مواجهة قوامها الحوار الديمقراطى الطويل النفس، وليست مسألة يتُرك حلها لوزارات الداخلية ويمكن أن تحسمها أجهزة الأمن».

اقرأ أيضًا: 

تفكيك العقل المتطرف.. فؤاد زكريا يحاكم الإخوان من قبره
تفكيك العقل المتطرف 3.. فؤاد زكريا: العلمانية ضرورة اجتماعية وسياسية