الأحد 14 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

«أحب الخمر لأنها تسمو بروحه».. كيف رأى أحمد رامي عمر الخيام؟

عمر الخيام
عمر الخيام

عاش الخيام عيشة الشاعر الحكيم أكثر ما نَعَى على الحياة أشد ما علقت نفسه بما نال منها. لذلك نرى فى شِعره نزعة تشاؤم شائعة: ما أسعد الرجل الذى لا يعرفه أحد! ما أهنأ الإنسان الذى لم يهبط الوجود! لِمَ خلقت وكيف لا أستطيع الرحيل متى أردت؟ ليس لنا إرادة فى الحياة، القضاء حرب للنفوس الكبيرة. ما لنا نعيب القضاء والقضاء مسير بإرادة عالية..؟ حتى إذا اشتدت به الشكوى نقم على القدر وعاد فى حيرته يسأل: لماذا ينمحى العالم إن كان كاملًا؟ ولماذا يخلق فاسدًا إن كان فى القدرة خلقه خيرًا من ذلك؟ وكيف نعاقب وقد كتب علينا فى لوح الغيب ما نقترف؟ ثم يعود فيطلب الرحمة للمذنبين طمعًا فى كرم الله ولطفه. وأكثر ما يبكى الشاعر «عمر» على قصر الحياة: الأيام تمُّر مرّ السحاب ثم يلقى بنا فى طباق الأرض فيستوى النازلها غدًا والثاوى فيها من سنين، وما دامت الحياة بهذا القصر فعلامَ الألم ومثوانا التراب ومجلسنا على العشب الذى غذَّته أوصال الغابرين، وأكوابنا من الطين الذى اختلطت فيه رءوس الملوك بأقدام السوقة؟

ثم ينعى على الموت ويؤلمه أن لم يعد أحد ممن ذهب فيخبر عن حال الراحلين، ويعتقد أن الإنسان لن يعود إلى هذه الدنيا فيقول: علامَ إضاعة العمر فى النوم وعدم انتهاز الفرص؟ إذن سر الحياة أن تصحو وأن تشرب، لا تهتم بأمس ولا بغد نادم الكأس فى مجلس الحبيب ليلًا فى ضوء القمر.. وسحرًا عند طلوع الفجر.. ومساء عند غروب الشمس على نغم الناى والرباب فى الربيع على شفا الوادى وعلى ضفاف الغدير، بين الزهر المفتَّر والجوّ المعطَّر.. فإذا ما ذكر حرمانه من الخمر بعد الموت طلب أن يغسّل بها وأن يقدّ نعشه من كَرْمها، حتى إذا بلى جسده ودّ لو تصاغ منه الدنان والأقداح.. فإذا خاف ألسنة السوء قال: لا تهتم بنقد الناقدين.. أرضِ نفسك قبل أن ترضى الناس.. لا تظهر التقى واسخر من المتزهدين، واعلم أن ليس فى العالم إنسان كامل.

وإنما أحب الخيام شرب الخمر لأنها تسمو بروحه حتى تصبح فى نجوة من الجسد.. ولم يقصر حبه على أثرها فى نفسه وإنما أحب طعمها المزُّ ولونها الصافى وأحب كأسها الشّفافة ودنها الملآن.. وكان يجد السعادة فى مجلس الشراب بين الصاحب والنديم.. وكان يوفق إلى هذه المجالس لما اختص به من حلاوة اللسان وسرعة الخاطر وخفة الروح.. وهكذا كان ينسى هموم الحياة أو يتناساها فلا يفكر إلا فى أمر يومه.. على أنه كان يخشى أن يحرمه الموت نعمة هذه المجالس فى حضرة الأوفياء من أصحابه وأخصهم أهل الجمال.. ويمتد به الخوف من الموت، ويطول به الخوف من الموت، ويطول به الحنين إلى الحياة حتى يتصور قبره تحت نثار من يانع الزهر فتصدق نبوءته. على أن الخيام فى هذا المرح الشامل لم يسلم من الشك الدائم فى أمر القضاء.. ولم يمسك عن السعى إلى حل لغزه الخفى.. حتى إذا يئس من كل شىء ارتمى فى أحضان الأنس واندفع إلى شفة الكأس، فلم تُجده الحكمة ولا الاستهتار فتيلًا فى فهم أسرار الوجود. ثم يصحو من نشوته وتهدأ أعصابه فيشعر بالخطيئة وينيب إلى الله يسأله الرحمة.. وهو بين ظلمة الشك ونور اليقين يعتقد بوحدة الروح ويؤمن بعدم فناء المادة ولا يذكر من دورة الفلك إلا مجهولين: الأزل والأبد.

هكذا عاش عمر.. نظر يمنة ويسرة فإذا دول تقوم ودول تفنى.. وإذا النفوس خلت من كريم العواطف والقلوب أقفرت من رقيق الإحساس وإذا المتقرّبون إلى الملوك ينالون الحظوة لديهم وهم جهلاء، وإذا أدعياء الزهد والصلاح يجهرون بالتقوى وهم أخبث الناس طويّة، وانجلى لعينيه بطلان العالم، وبان له غرور الحياة، فقصر وقته على فئة من أصحابه سكن إليهم وارتاحت نفسه إلى مجالسهم، خاليًا بهم أمام داره فى ضوء القمر أو هائمًا معهم فى نواحى نيسابور بين الحدائق الورافة الظلال.. وتخلص من متاع الحياة الزائل وآثر أن يكون مذهوبًا به فى عالم الروح حتى يتصل بالخالق الذى منه وإليه كل شىء. وظل فى أوقات نشوته يرسل رباعياته، يبثها أفكاره ويودعها سخره من عيش الغرور.. تقذف به نفسه تارة إلى اليقين فيجأر إلى الله أن يغفر ذنبه ويستر عيبه، وطورًا إلى الشك فيسأل: لِمَ هبط الدنيا ولماذا الرحيل؟

وكان عمر يرسل هذه الرباعيات فى خلوته، ثم ينشدها لأصحابه فى المجالس فتحفظ وتنتشر. ولم يكن يفكر أن تصبح يومًا من الأيام فى كتاب قائم بذاته. أو لعله جمعها أو جمعها أحد خلصائه ثم ضاعت فيما ضاع من تعرض نيسابور للغزو والإحراق.. ومن البدهى أن عمر لم ينظم رباعياته فى دور واحد من أدوار حياته وإنما نظمها فى الفينة بعد الفينة حسب ما أوحى إليه خاطره وأملى عليه وجدانه.

سمعت صوتًا هاتفًا فى السحر

نادى من الحان: غفاة البشر

هبّوا املأوا كاس الطلى قبل أن

تفعم كأس العمر كفّ القدر

أحسّ فى نفسى دبيب الفناء

ولم أصب فى العيش إلا الشقاء

يا حسرتا إن حان حينى ولم

يتح لفكرى حل لغز القضاء

أفق وهات الكاس أنعم بها

واكشف خفايا النفس من حجبها

وروِ أوصالى بها قبلما

يصاغ دن الخمر من تربها

تروح أيامى ولا تغتدى

كما تهبّ الريح فى الفدفد

وما طويت النفس همّا على

يومين: أمس المنقضى والغد

غد بظهر الغيب واليوم لى

وكم يخيب الظنّ فى المقبل

ولست بالغافل حتى أرى

جمال دنياى ولا أجتلى

سمعت فى حلمى صوتًا أهاب

ما فتَّق النوم كمام الشباب

أفق فإن النوم صنو الردى

واشرب فمثواك فراش التراب

قد مزَّق البدر ستار الظلام

فاغنم صفا الوقت وهات المدام

واطرب فإن البدر من بعدنا

ينزى علينا فى طباق الرغام

سأنتحى الموت حثيث الورود

وينمحى اسمى من سجل الوجود

هات اسقنيها يا منى خاطرى

فغاية الأيام طول الهجود

هات اسقنيها أيهذا النديم

أخضب من الوجه اصفرار الهموم

وإن أمت فاجعل غسولى الطلى

وقدّ نعشى من فروع الكروم

إن تقتلع من أصلها سرحتى

وتصبح الأغصان قد جفت

فصغ وعاء الخمر من طينتى

واملأه تسر الروح فى جثتى

لبست ثوب العيش لم أستشر

وحرت فيه بين شتى الفكر

وسوف أنضو الثوب عنى ولم

أدرك لماذا جئت. أين المقر

نمضى وتبقى العيشة الراضية

وتنمحى آثارنا الماضية

فقبل أن نحيا ومن بعدنا

وهذه الدنيا على ما هيه

طوت يد الأقدار سفر الشباب

وصوَّحت تلك الغصون الرطاب

وقد شدا طير الصبى واختفى

متى أتى. يا لهفا. أين غاب

الدهر لا يعطى الذى نأمل

وفى سبيل اليأس ما نعمل

ونحن فى الدنيا على همها

يسوقنا حادى الردى المعجل

أفق خفيف الظل هذا السحر

وهاتها صرفًا وناغ الوتر

فما أطال النوم عمرًا ولا

قصَّر فى الأعمار طول السهر

اشرب فمثواك التراب المهيل

بلا حبيب مؤنس أو خليل

وانشق عبير العيش فى فجره

فليس يزهو الورد بعد الذبول

كم آلم الدهر فؤادًا طعين

وأسلم الروح ظعين حزين

وليس ممن فاتنا عائد

أسأله عن حالة الراحلين

من كتاب «رباعيات الخيام»، ترجمة أحمد رامي