الثلاثاء 28 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

زيارة.. قصة لسمير فوزي

حرف

تخطت البيوت المهجورة وانحرفت يسارًا، مرت على خمس حارات ضيقة ودخلت السادسة.

عندما أخذها رفاعى لترى المدفن الذى اشتراه قالت له:

- مش عالوجهة ليه؟

ضحك رفاعى ووضع يده على كتفها وهما يسيران باتجاه المدفن وقال:

- الواجهة مش لينا ياصِدّيقة، حرّاقة علينا.

- يعنى اللى هايتدفن فيها أحسن مننا، انت مخبر قد الدنيا والكل بيعمل لك ألف حساب.

أبعدت يده الثقيلة من على كتفها وهو يقول:

- عمومًا اللى بيموت مابيحسش مدفون فين.

فى طريقها لزيارته تمر على تُرب الواجهة فترى السلالم المزايكو والبوابات الحديدية المغلقة بأقفالٍ ضخمة وأشجارٍ كبيرة تظللها وكأنما تحمى من بداخلها من الشمس وبرد الشتاء!

عندما تصل إلى تُربهم تراها بلا أبواب، مجرد أسوار متوازية تفصل بينها ممرات ضيقة تتراص فيها العيون التى تشبه الشبابيك الصاج، فتدرك أن رفاعى كان على حق، هى الآن تعجز عن تدبير قسط المدفن.

كانت «صِدّيقة» تطلع على زوجها فى الشهر الأول لموته كل جمعة ثم منعتها الزيارات الكثيرة لجيرانه الموتى وصخب الأطفال اللحوحين من الاختلاء به والفضفضة معه، فأصبحت تزوره كل أربعاء لتجد نفسها فى أغلب الأحوال بمفردها معه، ترمى حمولها عليه مثلما كانت تفعل قبل موته، تستشيره فى كل الأمور ولا تفعل شيئًا يخصها والبنات الثلاث إلا بموافقته.

فردت «صِدّيقة» الحصيرة الصغيرة التى تأتى بها من البيت كل مرة، لمّت ساقيها تحتها، أسندت رأسها على جدار المدفن بعد أن فكت عقدة الطرحة السوداء.

قالت له إنها لم تنم الليلة، ظلت طوال الليل تتطلع إلى السماء المعتمة انتظارًا لأول ضوء لتأتى إليه.

قالت إن ما جاء بها اليوم الإثنين وليس الأربعاء أمر خطير لا بد أن تستأذنه فيه.

لاحظت حرامى الحلّة وبعض الديدان تحوم حولها، فكنستها بفردة الشبشب وقذفتها بعيدًا بطول يدها، لم تعد الحشرات الغريبة التى تزحف باتجاهه كلما جاءت لزيارته تُفزعها مثلما كانت فى أول موته.

قالت له إن بعض الناس يسخرون منها والبعض يأخذونها على قدر عقلها ويظنونها مجنونة عندما تقول إنه ينتظرها كل زيارة ويجلس بجوارها على الحصيرة يسمع لها ويشور عليها!.

ظلت تلف وتدور تبحث عن شجاعة مصارحته بما جاءت من أجله.

حكت قصة الشيخ عيد إمام الجامع الذى غطس فى الترعة ليتوضأ للفجر فجرفه التيار، وظلوا يومين يبحثون عنه تحت الماء وينتظرون أن تقب جثته حتى وجدوه، الغريب أن الشيخ كانت فيه الروح وعاد ليؤم الناس فى الزاوية ويغطس فى الترعة.

ذكّرته فى زهوٍ أنها كانت تميز صوت الرصاص الخارج من طبنجته الميرى، وكانت تعرف أنها ستسمع الترحيب به وستضرب الفرقة سلامًا خاصًا للحكومة احترامًا لوجوده.

كانت تتباهى بأن مأمور القسم ذات نفسه يُنيبه فى الأفراح والمآتم.

كان الجميع يعرفون أنه ليس له فى قعدات الحشيش والشم، ومزاجه الوحيد فى الأكل، قبل انتهائه من العشاء يكون مناب البنات وأمهن قد سبقه إلى البيت، فخدة لحم أو صينية حمام محشو بعددهن، الآن أصبح الحال ضيقًا، فالمعاش قليل لكنها مستورة والحمد لله.

ضحكت وهى تخبره أنها استدرجت الولد إسماعيل ابن صاحب المطحن الذى يسير وراءها منذ موته إلى السوق، وجرّسته أمام الناس، قالت له بالحرف الواحد:

- هى اللى تنام جنب راجل زى رفاعى تبص لواحد زيك.

ثم استجارت بالناس:

- يا ناس لو رفاعى عايش كان اللمامة دا يتجرأ على مراتهّ!

اختفى الولد ولم تره بعدها أبدًا.

اكتشفت «صدِّيقة» أنها حكت له كل ذلك بالتفصيل فى زيارات سابقة ولا بد أن تقول له ما جاءت من أجله.

تعرف أن روحه عالقة ببناته وكان يحلم بتعليمهن وتزويجهن زيجات محترمة، فكيف تخبره أنها تريد منع البنت الكبرى من المدرسة!

حاضت البنت بالأمس فأصيبت هى بالرعب، البنت فارت فى يوم وليلة، ورثت عنه طوله وامتلاء الوجه والجسد، ولا يصدق أحد أنها لا تزال طفلة لم تكمل الرابعة عشرة، والأيام تغيرت ورفاعى ليس موجودًا ليحميها، والمسافة بين البيت والمدرسة طويلة تركب لها البنت مواصلتين.

ظل الكلام ملتصقًا بلسانها تبحث عن شجاعة قوله:

- سلمى مش هاتروح المدرسة تانى، قلبى واجعنى.

لاحظت سحلية تدخل شرخًا صغيرًا فى جدار المقبرة المواجهة، سمعت صوتًا قادمًا باتجاهها يسألها:

- بتعملى إيه هنا ياصِدّيقة؟

نظرت خلفها وجدت عبدالموجود التربى، قالت:

- بأقرا الفاتحة لرفاعى.

- دى مش تربة رفاعى، دى فاضية لسا ماحدش سكنها، تربتكم فى الحارة اللى جاية.

فزّت واقفة، وضعت قدميها فى الشبشب وهى تعدل طرحتها وهرولت مرتبكة، تاركة الحصيرة مفرودة.

عندما أصبحت أمام حارة رفاعى وقفت قليلًا تنظر باتجاه التُربة ثم أكملت طريقها عائدة إلى البيت.