الجمعة 24 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

«جراح خارج السرب».. مذكرات مجدي يعقوب ترصد الفن والدين والسياسة فى حياته

مجدى يعقوب
مجدى يعقوب

حصلت «حرف»، بشكل خاص، على نسخة من مذكرات «جرَّاح القلوب» الدكتور مجدى يعقوب، التى تصدر قريبًا عن الدار المصرية- اللبنانية، بعد أن حصلت على حقوق نشر الطبعة العربية للمذكرات، التى تصدر تحت عنوان «جرَّاح خارج السرب».

المذكرات حررها اثنان من أبرع صحفيى «التايمز»، هما: سيمون بيرسن، وفيونا جورمان، حيث أجريا حوارات مطولة مع مجدى يعقوب، استغرفت نحو 3 سنوات، حتى ترى «سيرة السير» النور، عبر شهادات حية من عشرات الأشخاص، بينهم د. مجدى نفسه، الذى روى قصته على مدار 25 ساعة فى 17 مقابلة، وكذلك أبناؤه الثلاثة، وفريقه الطبى، وزملاؤه السابقون والحاليون، وبعض مرضاه وعائلاتهم، وشخصيات عامة، ومسئولون.

صدرت المذكرات فى نسختها الإنجليزية عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وبرعاية من مكتبة الإسكندرية، لتقدم الوجوه المتعددة لمجدى يعقوب، الطبيب الماهر، الذى فتح عشرات القلوب، واطلع على آلامها، وأعاد إليها الحياة من جديد، دون أن يطلع أحد على قلبه هو وما يطويه من أسرار. وبداية من هذا العدد، تنشر «حرف» جانبًا مما جاء فى المذكرات.

صباح الخير يا مصر

طالما حازت مدينة أسوان مكانة فريدة فى قلب مجدى يعقوب. فقد عاش فيها سنتين أيام تنقُّله فى طفولته، وقطع لنفسه عهدًا بأن يرجع إليها فى يوم من الأيام. ففيما كان يقيم لنفسه حياة جديدة على بُعد أربعة آلاف كيلو متر، وسط ألوان جنوب إنجلترا الباهتة، كانت ألوان أسوان الطبيعية المفعمة بالحياة- من الأخضر الناصع إلى درجات الأصفر الفاتح- ماثلة فى ذاكرته، ولا مزيد على ذلك. فقد غمر يعقوب نفسه فى الطب البريطانى والأمريكى.

قال: «أعتقد أننى ظللت لسنوات عديدة دون أن أرجع إلى مصر، حتى صعب علىّ فى النهاية أن أتكلم العربية، وبتُّ أكافح كى أتذكَّر المفردات، لكننى لم أنس وطنى».

بحلول نهاية ثمانينيات القرن الماضى، نظر يعقوب إلى العالم الواسع نظرة أوسع.

قال: «بدأت أرى أن الطب العالمى مهم، ثم فهمت ذلك تمام الفهم، سألت نفسى: ماذا أفعل، بكل هذه التطورات الطبية والاكتشافات العلمية، ولصالح مَن؟ ثم اتضح الأمر تمامًا، الإنسانية، هى لصالح الجميع». فى الوقت نفسه، بدأ يعقوب يُكثر من زيارة مصر، وبدأت رؤيته تتشكَّل.

قال: «بدأت أفكر فى كيفية توجيه منافع الطب الحديث إلى أمسّ الناس احتياجًا إليه.وبرزت مصر أكثر فأكثر، وبات التفاعل بين سلسلة الأمل ومصر يشكّل جزءًا كبيرًا من حياتى». كما تحسَّن استخدامه للغة العربية.

قال يعقوب: «بقيت أحلم بالإنجليزية بسبب السنين الكثيرة التى قضيتها فى بريطانيا، لكننى فى القلب بقيت مصريَّا. والعربية هى لغتى الأم، وحبى لمصر عميق، ومكانتها عندى فريدة».

كان يعقوب قد اتخذ الخطوات الأولية على طريق الرجوع إلى أسوان فى السنين السابقة مباشرة لبدئه برنامج الزراعة فى هيرفيلد. فزار مصر مرَّات عدة وطولب بإلقاء محاضرة ضيف الجمعية المصرية لطب القلب فى القاهرة سنة ١٩٧٩. جاءت محاضرته تحت عنوان: «التشريح الجراحى للصمام التاجى»، وأشارت، حتى فى ذلك الوقت، إلى ولعه المتزايد بالبحث العلمى وبالبيولوجيا الجزيئية ضمنًا.

على مدار السنين، تنامى التزامه بتطوير الطب فى مصر، وتسارعت وتيرته فى التسعينيات.

فأخذ متطوّعين من مستشفى هيرفيلد إلى مستشفى قصر العينى الجامعى فى القاهرة، حيث ركَّزوا على معالجة مرض روماتيزم القلب. كما قدَّم شرحًا لعملية روس وتبديل الشرايين. 

وفى أماكن أخرى، قَبل دعوات للتدريس فى مستشفى أبوالريش للأطفال فى القاهرة، كما قاد فرقًا جراحية فى مهام لعلاج المرضى بالمجان بمستشفى دار الفؤاد بمدينة السادس من أكتوبر.

واستمرَّ يعقوب فى إلقاء المحاضرات فى القاهرة والإسكندرية، وأقام علاقات قوية مع مكتبة الإسكندرية، فعمل مع مديريها إسماعيل سراج الدين، وخلفه مصطفى الفقى، وانضم إلى مجلس إدارتها، وقد افُتتحت المكتبة- بتمويل من اليونسكو وجهات دولية أخرى عام ٢٠٠٢- وهى تقع على مقربة من موقع مكتبة الإسكندرية الكبرى التى كانت مركزًا للبحث الطبى والعلمى فى مصر القديمة إلى أن أتى عليها حريق فى عهد كليوباترا. غير أن حدثًا وقع عام ٢٠٠٧ فأفضى إلى تغيير فى الاستراتيجية، إذ دُعى يعقوب إلى الظهور فى برنامج «صباح الخير يا مصر» التليفزيونى الجماهيرى رغبة من البرنامج فى محاورته حول مهمة كان يقوم بها فى القاهرة مع سلسلة الأمل.

حصل مجدى يعقوب عام 2011 على قلادة النيل وهى أرفع وسام مدنى فى مصر عن خدماته التى قدَّمها للعلم والإنسانية

قال يعقوب: «قُلت لهم إننى أعمل مع فريق من بريطانيا، وإننا مستعدون لفحص أى طفل مصرى لديه مرض خلقى فى القلب وإجراء جراحة له بالمجان. فى الصباح التالى، كان آلاف الناس يقفون بأطفالهم المرضى أمام المستشفى الذى كنا نعمل فيه، أوشك الأمر أن يتحول إلى شغب، اقتحم الناس المستشفى فاضطررنا إلى الهرب للسطح فى حراسة الشرطة، وأحزننى ذلك كثيرًا».

وبحلول الوقت الذى خرج فيه من المستشفى مكرهًا، لم يكن يعقوب قد تمكّن إلا من فحص حفنة من المرضى، وصدمه القادمون من أسوان ممَّن قضوا خمس عشرة ساعة فى القطار فى ظلِّ حرارة شديدة. قال إن كثيرًا منهم «كانوا شديدى الفقر، وفى حالة يُرثى لها».

فى الأيام التالية لظهوره فى «صباح الخير يا مصر» قرَّر يعقوب أن الوقت قد حان لمعالجة التفاوتات الإقليمية فى وطنه، وردِّ الجميل إلى شعب أسوان.

«تذكرت ذلك المجتمع الرائع متعدّد الأعراق الذى تعرَّض أهله للإهمال التام فيما يتعلّق برعاية القلب. كانت الحاجة ماسَّة إلى خدمات جديدة، ولذلك وقع الاختيار فى نهاية المطاف على أسوان».

كانت الفكرة فى واقع الأمر تداعب ذهن يعقوب منذ بعض الوقت. فقد سبق أن تكلَّم مع مسئولين حكوميين وسأل عن توافر الأرض، لكن لم يتم إحراز تقدُّم كبير. ثم تغيَّر هذا الآن.

التقى محمد شاكر، السفير المصرى فى لندن، بيعقوب ووافق على دعمه فى إقامة مركز جديد للقلب. وساعده أحمد زويل العالم المصرى الحائز على جائزة نوبل فى الكيمياء سنة ١٩٩٩ فى إنشاء مؤسسة مجدى يعقوب فى القاهرة، لتقوم المؤسسة بجمع الأموال لمشروع أسوان. وثمَّة شخص آخر قدَّم المساعدة ليعقوب هو دكتور وائل عبدالعال، الذى درس طب قلب الأطفال فى جامعة القاهرة وتخصص فى تخطيط صدى القلب. ثم عمل لاحقًا فى هيرفيلد لستة أشهر قبل الرجوع إلى القاهرة.

قال عبدالعال: «البروفيسور يعقوب كان يحلم بهذا لأسوان، وحكى لى عنه حينما كان يأتى إلى مصر فى مهام فى أوائل التسعينيات، وكنَّا بين الحين والآخر نسافر إلى المدينة، وتخيلنا يوم أن يصبح المستشفى واقعًا، ولكننى فى ذلك الوقت كنت أتصوَّر أن ذلك لن يحدث أبدًا. فأسوان مدينة نائية ولم تكن لدينا خطة».

والدة فتاة أنقذها «السير»: كلما طلب منَّا البروفيسور القيام بأى شىء، نترك ما فى أيدينا مهما كان ونذهب إليه

قال دكتور أحمد عفيفى، الذى سيكون من أوائل جرَّاحى القلب انضمامًا إلى مشروع يعقوب الجديد، إن «أسوان كانت حلمًا شديد الجمال، لكن البروفيسور يعقوب كان المؤمن الوحيد بأنه سوف يتحقَّق، وكل المحيطين به كانوا متشككين». 

وذات يوم تلقَّى عبدالعال اتصالًا هاتفيًا من يعقوب بدا فيه ممتلئًا بالتصميم.

حكى دكتور عبدالعال أن مجدى يعقوب «قال: تخيل أين أنا الآن؟ وطلب منى أن ألحق به. تصوَّرت أن الأمر لن يعدو إحدى تلك الزيارات إلى أسوان، لكن تلك كانت مختلفة، كان يضع نصبه عينيه مستشفى تعليميَّا، وسألنى: ما رأيك؟

بدأنا نتكلم فى النقود، وكيفية تمويل المستشفى، وكيفية تشغيله، ثم قال دعك من التفاصيل، ولنبدأ وحسب، وسألنى: أنت معى؟ فقلت: بالطبع معك».

فى حين أن طموح يعقوب بإقامة مركز كبير للقلب فى وطنه قد تكوَّن على مدار سنين كثيرة، فإن تحقيق هذا الطموح جاء شهادته لصلابته ومهاراته التفاوضية التى لم تلقَ حظها المستحق من الشهرة. وافق يعقوب على استئجار ثلاثة طوابق من المستشفى بعقد طويل الأجل، وقام فريقه بتجديد المبنى- فأقاموا جناحين للجراحة وجناحًا للقسطرة- ووظَّفوا اثنى عشر طبيبًا وممرضة.

وفى ربيع عام ٢٠٠٩، أُفتتح مركز أسوان الطبى بهدف أساسى هو علاج الفقراء بالمجان.

وتبنَّى فريق الجراحة الجديد أخلاقيات أستاذهم فى العمل. وبدعم من الدكتور كرين فان دورن، جرَّاح القلب فى مستشفى جريت أورموند ستريت الذى كان يقوم بزيارات شهرية، وعمل عفيفى وزميله الدكتور حاتم حسنى على مدار الساعة.

وكان ممَّن قدَّموا المساعدة ليعقوب أيضًا روبرت كريج، الذى كان مدير العمليات فى هيرفيلد ويحظى بالاحترام لسداد تقديراته المالية. كان كريج قد دعم سلسلة الأمل، وطولب بالذهاب إلى الدوحة للحديث مع فتحى سعود، مدير مؤسسة قطر التى تدعم التنمية العلمية فى المنطقة. دبَّر كريج منحة لإنشاء مركز تصوير جديد فى أسوان يضم أحدث أجهزة فحص القلب.

قال كريج: «ذهبت إلى الدوحة مرتين أو ثلاثًا. ولم أكن سافرت إلى هناك من قبل، فلم تخلُ التجربة من بعض السريالية، ولكن مثل هذه الأمور دائمًا ما تُضفى الإثارة على العمل مع مجدى. فحينما يرنُّ الهاتف وتجد مَن يقول: معك مجدى يعقوب. تعرف أن الحوار سيكون إلى حد ما غير معتاد».

فى البداية، اعتمد مركز القلب اعتمادًا كبيرًا على متطوعى سلسلة الأمل فى لندن ممن ساعدوا فى علاج حالات كثيرة على مدى مهام عديدة كل عام. كما قاموا بتدريب العاملين المحليين، وخاصة ممرضات العناية المركزة. وبعد سنتين، بدأ المستشفى برنامجًا طموحًا للتوسع. فتمَّ توسيع المبنى بمشاريع إنشائية كبيرة فى عامى ٢٠١١ و٢٠١٤، وسرعان ما زاد مركز أسوان عدد جراحات القلب المفتوح وغيرها من العمليات.

قال كريج: «بمرور الوقت ظهرت العلاقات المصرية وبثَّت فى تنمية المركز قوة الحياة».منذ البداية، أقام يعقوب وفريقه ثقافة من شأنها أن تفضى إلى أرفع المعايير وتؤثِّر فى تنمية الخدمات الطبية الأخرى فى مصر وخارجها. وكانت العناصر الأساسية فى هذه الثقافة هى التوظيف وإدارة الأداء، فاستقطبوا الشباب، ذكورًا وإناثًا، من الأطباء والممرضات والعلماء والفنيين والمديرين، ممَّن توسَّموا فيهم السعى إلى التفوق والإمكانيات الكبيرة. بالإضافة إلى ذلك، أسسوا لأخلاقيات عمل صارمة جوهرها الثقة والالتزام والاحترام المتبادل والثقة فى النفس. ومَن لم يستوف هذه الشروط كان يُطلب منه الرحيل.

انضمت زينة توكل- التى درست فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة وكلية إمبريال كوليدج فى لندن - للعمل منسِّقة مبتدئة وهى فى الثانية والعشرين من العمر. راقت لها فكرة إقامة مركز شامل يُقدِّم خدماته بالمجان. قالت توكل: «لقد كنت شديدة الحرص على أن أكون جزءًا من ذلك»، وهى الآن المدير التنفيذى لمؤسسة مجدى يعقوب.

أشار عبدالعال- الذى أصبح المدير الطبى فى مركز القلب عام ٢٠١١- إلى أن «التفوق لا يأتى بالمصادفة، وإنما على المرء أن يكدَّ من أجل تحقيقه. والمركز يعمل بروح الأسرة، والجميع ملتزمون، مؤكَّد أنه ليس بالوظيفة النمطية، وإنما هو فرصة فريدة وخاصة للشباب».

الجميع تقريبًا شباب. قال عفيفى، الذى تدرَّب فى معهد القلب القومى بالجيزة ثم قضى ثلاث سنوات فى لندن: «إننى كنت فى الثالثة والثلاثين فى البداية وكنت أكبر شخص هناك، وأنا الآن فى الخامسة والأربعين وما زلت أكبر شخص هناك. لم يشأ البروفيسور يعقوب أن يوظِّف أحدًا متكلِّس الأساليب».

مضى طبيب التخدير جافين رايت إلى أبعد من ذلك فقال إن «الفكرة التى بدأ بها مركز أسوان تمثَّلت فى توظيف شباب حتى يترك مجدى إرثًا طويلًا. والسبب الآخر لتوظيف الشباب هو أن الجراحة فى مصر كانت قائمة على تراتبية صارمة تحتل المدرسة العتيقة المستويات العليا منها. فأراد مجدى أن يُدرك الشباب قبل أن يتعلَّموا الأساليب القديمة».

وبدأ يفعل ذلك، وقبل سنتين، فاز كبير الجرَّاحين «أحمد عفيفى» بالاقتراع بلقب أفضل جرَّاح فى الشرق الأوسط، وكان فوزه مستحقًا، فهو جيد حقًّا، ومجدى محظوظ به، لكن الحقيقة أنه نموذج لتلاميذه».

كان طبيب القلب الدكتور أحمد الجندى فى السابعة والعشرين عند انضمامه إلى الفريق الطبى الأصلى، وهو الآن جزء من فريق الإدارة. قال إن «موقع المستشفى أسهم أيضًا فى امتيازه حسبما تبيَّن. فقد أدَّى إلى عزل أولئك الأطباء الشبان فى أسوان، بعيدًا عن الممارسات المعهودة فى القاهرة، فأكسبهم ذلك قوة. ورسَّخ لديهم التفانى فى خدمة المستشفى».

حينما وصل محمود عبدالهادى إلى أسوان قادمًا من القاهرة سنة ٢٠١٠، كان ممرّضًا فى العشرين من العمر، وقد تقدَّم للعمل هناك بسبب سمعة يعقوب. فى ذلك الوقت، كانت أقرب كلية تمريض تقع على بعد أربعمائة وخمسين كيلو مترًا. عبدالهادى اليوم رئيس طاقم التمريض. ويدير المستشفى برنامجًا تدريبيًا لأطقم التمريض بالتبادل مع بريطانيا والولايات المتحدة. كما يوظِّف خريجى جامعة أسوان التى أقامت كلية للتمريض عام ٢٠١٢.

فى البداية، واجه يعقوب معارضة من المؤسسات الطبية ومن بعض جرَّاحى القلب. 

يقول عبدالعال: «حدث الكثير من الاحتكاك مع مستشفيات أخرى فى مصر. حيث شعرت بالخطر». حاول مركز القلب الجديد أن يبدِّد ذلك التوتُّر. فدُعيت مستشفيات أخرى لمشاركة مركز أسوان والإسهام فى ورش عمل وتبادلات. واليوم تبعث مراكز طبية أخرى فى مصر ومنها ما هو فى القاهرة والإسكندرية، بأطباء شبان إلى مركز أسوان للحصول على زمالات، اعترافًا منها بسمعة المركز المتنامية وأهميته».

اطرد ارتفاع مكانة يعقوب، فحصل عام ٢٠١١ على قلادة النيل، وهى أرفع وسام مدنى فى مصر، عن خدماته التى قدَّمها للعلم والإنسانية، وقد دعا أصدقاء وزملاء سابقين للاستفادة من خبراتهم، بوصفهم أساتذة، خلال زيارات إلى صعيد مصر. قال عبدالعال: «لقد كانت بيئة لا مثيل لها، فيها مزيج من الأساتذة فى مختلف التخصصات من شتى أرجاء العالم».

كان روبرت بوناو أستاذ أمراض القلب فى شيكاغو حاضرًا فى مركز أسوان عند افتتاحه.

وكان هو ويعقوب قد زارا من قبل عيادة صحية فى بوروندى وفحصا الأطفال المصابين بروماتيزم القلب. وسأل بوناو عن الخيارات المتاحة فى المنطقة لعلاج تلك الحالات، فقال له إن الخيارات محدودة. ولم يمضِ وقت طويل حتى كان يعمل فى سلسلة الأمل.

ولمَّا طولب بالمساعدة فى تدريب أطباء القلب فى إثيوبيا، حيث كانت سلسلة الأمل تدعم مركزًا جديدًا للقلب فى أديس أبابا، وافق بوناو. وبعدها بقليل وجد مكانين لطبيبين من شرق إفريقيا لدراسة طب القلب فى شيكاغو. قال بوناو: «لا أذكر إلا أننى وجدت نفسى على طائرة متجهة إلى إثيوبيا»، ومن أديس أبابا مضى بوناو فى نهاية المطاف إلى أسوان.

قال بوناو: «كنت هناك فى يوم افتتاح مركز القلب بأسوان إذا عقد «يعقوب» مؤتمرًا، وطولب بوناو بأن يُلقى محاضرة: «حضر كثير من أطباء القلب وجرَّاحيه المشهورين، ولم تكُن لهم جميعًا علاقة إلا بمجدى».

خارج العيادة الجديدة، فى المبنى القديم، وقفت العائلات صفوفًا ممتدَّة حول المبنى، تنتظر فى صبر الكشف على أبنائها. أصاب الكثير منهم الذهول، ولا يزال يصيبهم، من مستوى الرعاية وسرعة علاج أبنائهم ذوى الحالات الحرجة. حكت إحدى الأمهات عن أبنائها الثلاثة- هبة وسلمى وزياد- الذين خضعوا لجراحات قلب وتعافوا. قالت إن «جميعهم الآن بخير والحمد لله. الرعاية هنا استثنائية.. هم ملائكة الرحمة، كل واحد فيهم كذلك».

حتى فى اليوم الأول، كان نطاق طموح يعقوب واضحًا. قال بوناو إن «مجدى قال لى وهو واقف وسط أجواء العيادة والتحاليل والاستعداد للجراحة: انظر إلى هناك، فى هذا المكان سوف نقيم برج الأبحاث. كان الدافع لديه هائلًا لتوفير الرعاية وإتاحتها بالمجان لكل من يعبر الباب، لا يهم أهو مسيحى أم مسلم أم نوبى، لكنه أراد أيضًا أن يحوله إلى مركز أبحاث، كان مركز أسوان جوهرته».

افُتتح مبنى الأبحاث فى عام ٢٠١٦، بتركيز على الهندسة الطبية الحيوية وعلوم الحياة والأبحاث السريرية، وثمَّة اثنتان قامتا بدور أساسى فى هذا التطور هما الشقيقتان هبة وياسمين عجيب. شأن الكثيرين ممَّن وظَّفهم يعقوب، كانت هبة قد قابلته فى مؤتمر. ولم يمض وقت طويل حتى كانت تعمل فى مركز أسوان، ثم انضمَّت إليها ياسمين أخيرًا. كل من العالمتين درستا فى القاهرة ثم سافرت إلى ألمانيا، وهنا درستا وتميزتا فى الجامعة التقنية فى ميونخ. درست ياسمين التكنولوجيا الحيوية الجزيئية، ودرست هبة الهندسة الميكانيكية، قبل أن تتخصص فى التكنولوجيا الطبية. وكل منهما تجيد أكثر من لغة، وتعمل مع كبار الباحثين فى العالم.

ثم وسَّع مركز الأبحاث صلاته بصورة أكبر من ألمانيا سنة ٢٠١٩ بتوقيعه صفقة مع شركة سيمنز أتاحت له الحصول على أحدث التكنولوجيات قبل إتاحتها لعملاء آخرين. فزادت الصفقة قدرات علماء مركز القلب زيادة كبيرة.

ينهض مركز أسوان بالفعل بدور أساسى فى مشروع الجينوم المصرى الذى يهدف إلى تحديد وسلسلة جينات السكان جميعًا. وهذا بدوره سوف يتيح للباحثين فهم خصائص الأمراض وإحداث أثر كبير فى مجال الطب الشخصى. وضمن هذا المشروع، بدأ مركز الأبحاث مشروع «دراسة القلب فى بلانة» التى تركزت على قرية صغيرة ذات عدد مستقر من السكان وتقع على مقربة من أسوان. بدأ العلماء جمع البيانات من سكان قرية بلانة سنة ٢٠١٨ بهدف تحديد عوامل الخطر والمكوِّنات الجينية لأمراض القلب فى مجتمع القرية. وسوف يستمر جمع البيانات طوال ثلاثين سنة.

لم يزل يعقوب شغوفًا بالمشروع قال: «إننا ندرس جميع الأشخاص جزيئيًّا باستعمال متطوّعين بشر وتصوير بالرنين المغناطيسى. كان أول مشروع للجينوم قد تمًّ فى أيسلندا، حيث أتمُّوا التسلسل الجينى لكامل السكان وبدأوا يفهمون الخلفية الوراثية. وكانت الكلمة التى راجت هى «الطب الشخصى». ولم تسارع مصر إلى تبنى مفهوم مشروع الجينوم، لكن بات مفهومًا الآن أنه لا سبيل إلى ممارسة الطب الشخصى لمَن لا يعرف ما الطبيعى وما غير الطبيعى فى منطقة معينة، وذلك بسبب وجود متغيرات عرقية. وقد أُجريت مشاريع كثيرة ضخمة للجينوم فى أمريكا وأوروبا، ولم تجر مطلقًا فى إفريقيا، برغم أن الجينات الإفريقية تحوى ثروة من التنوعات الجينية. فكان لا بُد من مشروعنا الخاص للجينوم».

واصل يعقوب فى أسوان ريادته فى العمل السريرى الذى تسبَّب فى شهرته. وبرغم أن عمليات الزراعة غير مرخَّصة فى مصر بسبب عوائق تشريعية وحساسيات دينية وثقافية، فقد استعمل يعقوب بكثافة مضخَّات القلب الصناعى المماثلة التى استُحدثت بهيرفيلد فى إطالة حياة المرضى المصابين بأمراض القلب المتدهورة. وأجرى دراسات فى مصر وإثيوبيا على أمراض القلب الروماتيزمية الناجمة عن الحمى الروماتيزمية التى تدمِّر صمامات القلب. والمرض مستشرٍ وتمكن الوقاية منه أيضًا. وقد بدأ يعقوب مشاريع بحثية فى مكتبة الإسكندرية، حيث عمل على دراسة لتضخُّم عضلة القلب الاعتلالى. وكثيرًا ما ينتشر هذا المرض فى عائلات، وهو يتسم بسمك غير طبيعى فى عضلة القلب يجعل من الصعب على القلب أن يقوم بعملية ضخ الدم.

وقد استطاع يعقوب حديثًا، عام ٢٠١٩- وقد بلغ من العمر ثلاثة وثمانين عامًا- أن يستحدث عملية جديدة للتعامل مع مشكلة خلقية تُعرف باسم الجذع الشريانى. فى هذه الحالات، يخرج وعاء دم كبير واحد من غرفتى الضخِّ فى قلب الطفل بدلًا من وعائين.

ولعلاج هذا، استعمل يعقوب أنسجة الأوعية الدموية الخاصة بالمريض فى الجراحة بدلًا من القنوات الاصطناعية، وبهذه الطريقة، ينمو نسيج الطفل الخاص داخل القلب بنمو المريض، بما يمنع الحاجة إلى جراحة أخرى.

واقع الأمر أن فرق مركز أسوان يتبع فى إجراء هذه الجراحة المبتكرة طريقة مماثلة إلى حدِّ كبير للتى يتبعها فريق يعقوب فى هيرفيلد. بالإضافة إلى علاج الجذع الشريانى، فقد استحدثوا إجراء «موستارد المعدَّل لاسترداد وظائف الأُذينين، وعملية جديدة لإعادة تشكيل جذر الشريان الأورطى والصمام المعيب، وتُعرف هذه العملية باسم «يعقوب٢».

كما أن مركز أسوان يصدر مجلته الخاصة المعتمدة على مراجعة النظراء باسم «طب القلب العالمى علمًا وممارسة»، وتحظى بمتابعة دولية.

فى مدينة أسوان، يُبدى الأهالى تقديرهم للمشروع الجديد الذى أتاح فرص عمل وأنعش الاقتصاد. يقول عبدالعال: «الأهالى شديدو الفخر بمركز القلب. فسائقو سيارات التاكسى يقلُّون المرضى بالمجان ويرفضون الحصول على أجرة من الأطباء حينما يستدعونهم، وثمة تضامن كبير مع المستشفى ودعم له. فلا بُد أننا قمنا بعمل طيب».

ولم يقصر يعقوب جهوده على أسوان، ففى خطوة غير معهودة، أدهشت البعض، وافق عام ٢٠١٣ على الانضمام إلى لجنة من الخبراء لوضع مسوَّدة دستور جديد لمصر بعد الإطاحة بالرئيس الإسلامى محمد مرسى.

أصرَّ يعقوب أنه بقى بعيدًا عن السياسة ولم يفرِّق بين الناس على أساس اللون أو المعتقد أو الدين أو الجنسية، وأن وجوده فى اللجنة كان ببساطة استشاريًّا فى القضايا الإنسانية، وتطوير الرعاية الصحية والعلم فى وطنه. وهو مستمر فى تقديم النصح للحكومة فى مسائل الطب والبحث العلمى ويناصر تحسين ميزانيتهما. ويظل ذا شعبية كبيرة فى مصر. قال عبدالعال: «الناس ببساطة يحبون فيه نجاحه إنسانيَّا وخيريَّا».

لا يزال مركز القلب مستقلَّا عن الحكومة فى القارة، ومموَّلَا من خلال التبرعات الكبيرة والصغيرة، مع مبالغ هائلة تصل إليه فى حملة رمضان السنوية. فالمصريون، أثرياؤهم وفقراؤهم، يمنحون بسخاء المشروع الذى استولى على خيالهم. ومن الداعمين الأساسيين لمشروع يعقوب الإنسانية عائلة المليارديرات ساويرس. يُدير الأشقاء الثلاثة- ناصف وسميح ونجيب- مشاريع كثيرة فى مصر، منها مجموع شركات أوراسكوم العاملة فى مجال المعمار. ولهم أيضًا مؤسسة خيرية كبيرة تدعم التنمية الاجتماعية.

التقى سميح ساويرس يعقوب للمرَّة الأولى سنة ١٩٩٩، وطلب منه أن يزور مستشفى كان يُنشئه على البحر الأحمر فى مدينة الجونة. قال ساويرس المفتون بأعمال يعقوب: «لقد تأثَّرت حقيقة بما رأيت من ردِّ فعل العاملين عند مقابلته. إن الناس يدعمون مركز القلب لأنهم يرون أن كل قرش يذهب إلى الفقراء».

ساعد آل ساويرس عمل يعقوب بأوجه كثيرة، منها تمويل البحث ودعم البناء، وفى فترة وباء كوفيد، أتاح سميح ليعقوب استعمال طائرته الخاصة للتنقل بين لندن وأسوان، وهو مستشار له فى مشاريع عديدة. وشيرين، زوجة سميح، تدير وترعى حفل سلسلة الأمل الذى يُقام فى لندن كل عام.

فضلًا عن ذلك، استمرَّ جمع التبرعات من جميع أرجاء العالم، ومنها بريطانيا والولايات المتحدة والخليج. وفى عام ٢٠٢٠، تمَّ تكريم يعقوب فى حفل جوائز صُنَّاع الأمل العرب فى دبى، وتمَّ تكريم مركز القلب بأسوان فى فئة «قضية العام الإنسانية». وجُمع أكثر من ثمانية عشر مليون استرلينى «ثمانية وثمانون مليون درهم إماراتى» خلال حفل متألق. وعادَل الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبى ذلك الرقم من أجل إنشاء وحدة رعاية القلب فى مصر. 

نما مركز القلب فى أسوان وازدهر. وبحلول عام ٢٠٢٠، كان يوظِّف قرابة تسعمائة شخص، ويتردَّد عليه أكثر من أربعين ألف مريض خارجى سنويًا، ويُجرى أطباؤه أكثر من ألف عملية قلب معقَّدة، بما يجعله أضخم مركز للقلب فى المنطقة.

من أحدث أصحاب التأثير على تطوير مركز أسوان الدكتور مجدى إسحاق، الذى يرأس حاليًا مجلس إدارة مؤسسة مجدى يعقوب. وهو رجل أعمال مصرى كان على وشك التقاعد حينما التقى بيعقوب سنة ٢٠١٠. فى ذلك الوقت، كان إسحاق مقيمًا فى بريطانيا ويُدير عددًا من شركات الرعاية الصحية فى أرجاء أوروبا. وبدلًا من التقاعد، باع مشاريعه وتطوَّع للعمل فى المؤسسة. وبناء على خبرته أوضح إسحاق أن مصدر قوة مركز أسوان يتمثَّل فى يعقوب نفسه، لكنه وقد بلغ الخامسة والسبعين من العمر يمثِّل فى الوقت نفسه أكبر نقاط ضعف المركز، وقد فهم كلا الرجلين أنه من أجل ازدهار المركز فلا بُدَّ له من تمويلات مستدامة وتوظيف فريق عمل محلى.

وفى حين أن مركز أسوان اعتمد على المساعدة الخارجية فى البداية، فبحلول عام ٢٠٢٢ كانت الأغلبية الساحقة من الأطباء والممرضات والتقنيين- أو تسعون فى المئة من كل هؤلاء- موظفين فى مصر. وفى الوقت نفسه، شرع إسحاق فى العثور على النقود الكافية- من خلال الأوقاف أو الاحتياطيات- لإدامة مركز القلب لسنوات عديدة.وفى النهاية، شرعت الإدارة فى تأسيس صندوق احتياطى يغطى نفقات أربع سنوات.

مجدي يعقوب أب لثلاثة أبناء فضلًا عن أنه على قدر عظيم من الطرافة تجعل رفقته متعة

قال إسحاق: «إن السبب الأساسى الذى أدخلنى فى هذا كله هو أننى آمنت بروح يعقوب، روح توفير الرعاية الصحية المتساوية للأشدّ احتياجًا إليها، بالمجان، وفى المتناول، لمس ذلك وترًا لدىّ».

أراد إسحاق الذى تعلَّم فى مصر ودرس الطب فيها أن يستثمر فى المجتمع مثلما استثمر المجتمع فيه من قبل. وقال: «بقدر ما تأخذ من مجتمع، لابُدّ أن تردَّ إليه. كما آمن بأن مركز القلب فى أسوان استفاد من المزيج الثرى المؤلَّف من الخبرة البريطانية والموهبة المصرية. قال: «لو أننا أخذنا المعرفة البريطانية فى الرعاية السريرية، وتمويل الرعاية الصحية، والإدارة، ومزجناه بالشباب المصريين الموهوبين، تأتى النتيجة مبهرة. كل ما يلزمنا هو أن ننشئ جيلًا جديدًا يتسلم الراية». غير أن العمل مع يعقوب ليس باليسير دائمًا.

قال إسحاق إن «هناك دائمًا توترًا بين مَن يسيطرون على النقود ومَن يُنفقون النقود. ولكننا توصلنا فى النهاية إلى احترام متبادل. كان علىّ أن أوضِّح أن شأن الإدارة ليس التحكُّم، وإنما التدبير».

قال عن يعقوب إنه كثير الطلبات، لم يُقابل مَن يفوقه فى ذلك أبدًا، لكنه قال إن أغلب الناس يقبلون هذا منه بسبب «إخلاص النية.. فهو لا يطلب شيئًا لنفسه». يعقوب يطلب للعلم، وللإنسانية، ولإيجاد خدمات صحية أكثر إنصافًا للجميع. قال إسحاق أيضًا: «مركز القلب بأسوان عمل ضخم، لكنه أحدث فارقًا لدى عشرات آلاف البشر وغيَّر حياة الكثيرين. ومن ينظر إلى طفل مريض بالقلب، فإنه لا يُنقذ طفلًا واحدًا، وإنما يُنقذ أسرة، إذ ينزاح عبء هائل الثقل عن أكتاف أسرة كاملة. يفهم الناس هذا المزيج المؤلَّف من الفقر والمرض، وإلى أى مدى هو عسير الحل. وهذا سر قوة مركز القلب بأسوان».

الفتاة ذات القلبين

بعد ثلاثة أشهر من افتتاح مركز القلب بأسوان فى ربيع عام ٢٠٠٩، نشرت مجلة طبية بريطانية رائدة دراسة عن عمليتين لافتتين أجراهما مجدى يعقوب فى لندن، كانت العمليتان اللتان أُجريتا بفارق عشر سنوات قد أنقذتا حياة طفلة رضيعة اسمها هاناه كلارك، ومكَّنتاها أخيرًا من بلوغ الشباب مزدهرة طيبة.

قبيل عيد ميلادها الأول، فحص الأطباء هاناه وتبيَّنوا هبوطًا شديدًا فى وظيفة عضلة القلب ناجمًا عن اعتلال شديد فى الوظيفة الانقباضية لها. وتؤدى هذه الحالة إلى تمدد عضلة البطين الأيسر، وبالتالى تزداد رقة جداره مما يقلَّص قدرة عضلة البطين الأيسر على ضخ الدم. وكانت تعانى أيضًا من ارتفاع ضغط الدم الرئوى، وهو نوع من ضغط الدم المرتفع الذى يؤثر على شرايين الرئة والجانب الأيمن من القلب.

فى عام ١٩٩٥ منح يعقوب لهاناه قلبًا إضافيَّا جديدًا تولَّى فى البداية وظيفة الجانب الأيسر من قلبها. وكان يعقوب يرجو أن يتعافى القلب القديم على المدى البعيد، ولكن ذلك لم يكن مضمونًا بأى حال، عُرفت العملية بعملية «التحميل».

بعد أقل من عشر سنوات، تعرَّضت حياة هاناه للخطر مرة أخرى بسبب أحد أشكال سرطان الغدد الليمفاوية الناجم عن الأدوية المثبطة للمناعة التى كانت تتناولها لمنع جسدها من لفظ القلب المتبرَّع به. غير أن قلب هاناه الأصلى تعافى على نحو غير متوقَّع فتمكَّن يعقوب وفريق فى مستشفى جريت أروموند ستريت من استئصال القلب المتبرَّع به عام ٢٠٠٦، وغادرت هاناه المستشفى بعد ستة أيام، وتوقَّفت عن تعاطى الأدوية المثبّطة للمناعة، واختفى السرطان.

قال يعقوب لاحقًا إن «إمكانية تعافى القلب أقرب إلى السحر، فقلبها الآن يعمل بشكل طبيعى». برزت العملية لسببين. كانت المرَّة الأولى التى يجرى فيها استئصال قلب محمول بأمان.

وكان رائد عملية «التحميل» هو كريستيان برنارد فى جنوب إفريقيا سنة ١٩٧٤، ولم يكن المريض يعتمد كليَّا على القلب المزروع فى وقت لم يكن فيه عقار «سيكلوسبورين آيه» متاحًا بعد. غير أن عملية التحميل ظلت عملية نادرة فلم تُجر إلا أقلَّ من مائة مرَّة. وكان متوسط العمر المتوقَّع فيها نحو عشر سنوات كما كانت عملية ريت أورموند ستريت لحظة مهمة ليعقوب لأنها المرَّة الأولى والوحيدة التى أجرى فيها رسميَّا جراح لحساب هيئة الصحة الوطنية البريطانية بعد تقاعده الجبرى. طالبه بالعودة البروفيسور فكتور تسانج، وهو زميل بحثى سابق وإخصائى أول فى هيرفيلد، وكان هو الذى يقود الفريق الجراحى فى جريت أورموند ستريت. تمَّ تسجيل يعقوب كجرَّاح فى المستشفى لإجراء العملية الجراحية لهاناه وتمَّ تزويده بجميع التراخيص اللازمة للعمل بموجب هيئة الصحة الوطنية.

بعد سنوات، أوضح تسانج أنه اتصل بيعقوب طالبًا عونه فى حالة هاناه كلارك، لأن يعقوب هو الذى أجرى الجراحة الأولى، فكان على دراية بقلبها فسيولوجيًا.

قال تسانج: «قلت لمجدى إننى لا أعرف كيف يمكن أن تتطوّر الأمور. كنَّا واثقين إلى حدٍّ ما، بناءَ على الأشعة التى رأيناها.. لكن لم تكُن العملية قد أُجريت من قبل، ورأيت أنه خير لى حقَّا أن يكون مجدى حاضرًا، وأن نعمل معًا كما فى سابق عهدنا».

تمَّ الإعلان عن تفاصيل العمليتين ونتيجتيهما فى مؤتمر صحفى أُقيم فى ذى لانسيت فى الثالث عشر من يوليو سنة ٢٠٠٩، بعد ثلاثة أعوام من العملية الثانية، حينما بدا أن تعافى هاناه قد تأكد تمامًا.

حضرت هاناه المؤتمر، وكانت فى السادسة عشرة من العمر، وحضر والدها بول وليز كلارك، والجرَّاحان، لقد حوَّل يعقوب وتسانج حياة هاناه واكتشفا أن للقلب التالف القدرة على التعافى إذا لقى الدعم من الأدوية وأُتيح له الارتياح لفترة طويلة.

كان بين الحضور أيضًا البروفيسور بيتر ويسبرج المدير الطبى لمؤسسة القلب البريطانية، الذى أبرز أن أطباء القلب طالما تساءلوا عمَّا لو أن بوسع القلب المصاب باعتلال عضلة القلب أن يتعافى إذا ما تيسَّرت له الراحة، وقال: «يبدو أن هذا ما حدث بالضبط فى هذه الحالة».

لقيت قصة هاناه تغطية من الصحافة والتليفزيون فى العالم كله. ووصف دينيس كامبل مراسل جارديان الطبى العملية بأنها «إحدى أكثر قصص النجاح دراماتيكية فى تاريخ الطب الحديث».

أجابت هاناه عن أسئلة الصحفيين- وهى الفتاة الخجولة التى اجتازت للتو امتحانات الثانوية العامة- لكن الحدث طغى عليها فى نهاية المطاف. قالت للصحفيين: «لدىّ الآن حياة طبيعية مثل بقية أصدقائى.. أنهيت للتو امتحانات الثانوية العام، وحصلت على وظيفة للعمل يوم السبت فى رعاية الحيوانات، ولم يكن بوسعى أن أفعل هذا من قبل، وأنا سعيدة حقًا أننى غير مرغمة على الاعتماد على الأدوية المنقذة للحياة بعد الآن».

بعد أسبوعين فقط، نشرت مجلة ذى لانسيت الدراسة الطبية الحصرية المتعلقة بحالة هاناه. وقد شارك فى كتابتها تسانج ويعقوب وفارسان سابقان فى وحدة القلب بهيرفيلد، هما روزمارى رادلى سميث وأصغر خاقانى، فضلًا عن آخرين. حملت الدراسة عنوان: «جراحة متأخرة لاستئصال قلب مُتبرَّع به بعد زراعته فى الطفولة فى غير مكانه». يتذكر يعقوب تلك المناسبة فيقول: «لقد كنت عازفًا بعض الشىء عن نشر ذلك البحث الطبى لأنه لم يكن يتعلَّق إلا بحالة واحدة، لكننى اتصلت بمحرر ذى لانسيت وقلت له: معذرة، إن لدينا تلك التجربة المتميزة. فهل تود أن أكتب شيئًا بسيطًا عنها؟

قال: يا إلهى! بل اكتب مقالة كاملة، واسرد لنا كل التفاصيل.

سألته كم يجب أن يكون طولها.

قال: كيفما يحلو لك.

وعقدت ذى لانسيت مؤتمرًا صحفيًا ودعت هاناه الصغيرة إليه، فوقفت على المسرح أمام الجميع والعدسات والناس يطرحون عليها الأسئلة: مرحبًا يا هاناه، ما الذى سوف تفعلينه؟ ما شعورك يا هاناه؟ وما إلى ذلك. وحملقت الفتاة فيهم وظلت تنظر إلى السائل تلو السائل ثم انفجرت فى البكاء».

كانت محنة هاناه قد بدأت تقريبًا فور ولادتها عام ١٩٩٣. عاشت مع أبويها وشقيقتها الكبرى إيمى فى قرية خارج كارديف فى جنوب ويلز. وولد بعدها بثلاث سنوات أخوها دانيال. ولم تُشك الأسرة- وفقًا لما روته الأم- فى أن هاناه تشكو من قلبها. قالت ليز: «ظننَّا أنها طفلة تعيسة وحسب. كانت تبكى طيلة اليوم ولا تنام».

وأخيرًا اصطحبا هاناه إلى طبيب الأسرة فلم يُبد أى علامات قلق. وفى الكريسماس تدهورت صحتها. ووصف لها الطبيب مضادات حيوية. وبعد قليل، اصطحبت ليز وبول ابنتهما إلى مستشفى محلى فى ميرثير تيدفيل وفيه وحدة للحوادث والطوارئ. وفيما كان الفريق الطبى يفحص هاناه، أجرت ليز مكالمة هاتفية. قالت: «كنت أتكلم مع أختى سيان التى تركنا إيمى فى رعايتها حينما مرت بى طفلة موضوعة على سرير موصولة بأنابيب وأسلاك كثيرة فى كل مكان. وإذا هى هاناه» فصُعق الزوجان.

تمَّ استدعاء أطباء قلب من كارديف. حكت ليز: «البنت ظلت تتدهور من سىء إلى أسوأ»، وقيل للأم إن ابنتها تعانى من اعتلال عضلة القلب. أُحيلت هاناه إلى هيرفيلد، فقيَّم يعقوب ورادلى سميث حالتها ووضعاها على قائمة انتظار الزراعة. كانت المشكلة الكبرى التى تواجه هاناه هى النقص الحاد فى الأعضاء المتوفرة المتاحة للزراعة للأطفال. كما كان إجراء زراعة لتغيير قلبها يمثل تحديًا بسبب صعوبة العثور على قلب يناسب حجم قلبها. فضلًا عن ارتفاع ضغط الدم فى رئتيها، إذ زاد ذلك الأمور تعقيدًا على تعقيد».

وفى النهاية عُثر على متبرِّع- كان طفلًا عمره خمسة أشهر مات فى حادث- وأجرى يعقوب الجراحة فى صيف عام ١٩٩٥. قرَّر أن جراحة «التحميل» يمكن أن تمنح هاناه أفضل فرصة للنجاة، وقد تُقضى إلى تعافى قلبها الأصلى. قال: «كان قلب المتبرِّع تقريبًا فى مثل حجم قلبها، وقام القلبان بالعمل جيدًا، فأحدهما قام بعمل البطين الأيمن والآخر بعمل البطين الأيسر. ونجحت العملية».

تذكرت ليز أن «كل شىء كان شديد الهدوء فى هيرفيلد. بدا وكأنها سوف تجرى جراحة اللوزتين. قضينا الليلة على باب غرفة العمليات، ولمَّا خرجت هاناه بدت موفورة الصحة متورِّدة الوجنتين».

أضافت ليز: «جاء البروفيسور يعقوب لاحقًا وشرح ما قام بعمله، قال إن لديها الآن قلبين. قلت: لا يمكن أن تفعل ذلك، وجادلته. أوضح السبب الذى جعله يفعل ذلك مؤكدًا أن هذا كان أفضل خيار لهاناه. وقفت هناك أفكر: هذا أمر لم أسمع مثله من قبل.. هذا أمر منافٍ للطبيعة».

ولكن حالة هاناه تحسَّنت. تلاشت علامات قصور القلب خلال الأسبوعين الأولين.

تحمَّل قلب المتبرِّع الجهد خلال السنوات الثلاث الأولى، ثم بدأ قلب هاناه يقدِّم إسهامًا أكبر فى وظائفها القلبية.

أنصت آل كلارك بعناية لما قاله الفريق الطبى بشأن علاج هاناه وواصلا حياتهما. فى بعض الأوقات كان يجاهدان، عاطفيَّا وماليًّا على السواء، لكنهما نجحا فى ذلك، فصار كل منهما يدعم الآخر، كلما مرَّ عليه يوم عصيب. قالت ليز: «كان أحدنا يستند إلى الآخر ويتجلَّد أمام كل شىء».

فى أوقات مختلفة، عانت هاناه من تسمُّم الدم، ومن تنويعة متزايدة من أشكال العدوى، ومن فشل كلوى. مرَّت أيام مقبضة كثيرة. وحينما بلغت هاناه الخامسة تقريبًا عانت من تكتلات كثيرة فى جسمها. نظر طبيب أسنان الأسرة إلى إحداها فى عنق هاناه وطلب من آل كلارك أن يذهبوا بها إلى هيرفيلد حيث أجريت لها تحاليل كثيرة. تبيَّن أن هاناه تُعانى اختلاف تكاثر لمفاوى فى ما بعد الزراعة- أى سرطان الغدد اللمفاوية- وهو مرتبط باستعمال العقاقير المثبِّطة للمناعة. وفى عام ٢٠٠١، خضعت لعلاج كيمائى، وتوقَّف السرطان.

فى ذلك الوقت كانت وحدة الأطفال فى هيرفيلد قد أُغلقت. انتقلت روزمارى رادلى سميث إلى جريت أورموند ستريت. وتقاعد يعقوب. وأصاب القلق آل كلارك بشأن المستقبل. لكن فى حين أصبحت هاناه مريضة فى جريت أورموند ستريت، ظلَّ يعقوب حاضرًا من وراء الستار، فكان مازال رئيس قسم الأبحاث فى هيرفيلد، وله مكتب فى المركز العلمى.

قالت ليز: «اتصل بنا مرَّات قليلة اقترح فيها أن يُلقى نظرة على هاناه فى هيرفيلد، فكنََّا نذهب إلى عيادته ليفحصها. ثم يُدخلها لإجراء مخطط صدى القلب ويُطمئننا. وظلَّت أسرته على اتصال بنا أيضًا للاطمئنان على هاناه».

تدهورت حالتها مرة أخرى عام ٢٠٠٣، ورجع السرطان. وبحلول أواخر عام ٢٠٠٥، وكانت فى الثانية عشرة من العمر، باتت حياة هاناه فى خطر. بدأ- سمها يلفظ القلب المتبرَّع به بعد تقليل الأطباء جرعات مثبِّطات المناعة من أجل مقاومة السرطان.

كانت الأشعة التى أُجريت لها عام ٢٠٠٠ قد أظهرت أن قلب هاناه الأصلى يتعافى. 

وأشارت أشعة إضافية أجريت فى مستشفى جريت أورموند ستريت سنة ٢٠٠٥ إلى أن قلبها الأصلى أحرز المزيد من التقدُّم، بما يؤكد حدث يعقوب بأن القلب المريض لديه قدرة على التعافى. وفى الوقت نفسه، واصل فريق القلب العمل عن كثب مع إخصائيى الأورام فى المستشفى.

حكى فكتور تسانج قائلًا: «بسبب عملية تحميل القلب، تعافى قلبها الأصلى، وكان ذلك استثنائيًا.. لكنها فى الوقت نفسه كانت تعانى من مرض يوشك أن يكون مهددًا للحياة وهو مرتبط بالعقاقير المستعملة فى علاج مرضها اللمفاوى، عقدنا اجتماعًا متعدّد التخصُّصات فى ريت أورموند ستريت، وقال أحد أطباء القلب: عندنا مشكلة يا فكتور، وأنا بحاجة إلى رأيك. وكانت المشكلة تتعلَّق بهاناه كلارك. عندما عُرضت البيانات ورأيت تعافى قلبها الأصلى، اعترتنى الدهشة، حتى كدت أقفز خارجًا من الغرفة».

وكما تبيَّن، طرحت البيانات حلًّا لعلاج هاناه. فالقلب المتبرَّع به، الذى بدأ جسمها يلفظه، كان بحاجة إلى الاستئصال، والإعجازى أن قلبها الأصلى كان قد تعافى على الوجه الأكمل.

قال تسانج: «قُلت إننى لابُدَّ أن أتصل بمجدى، لأن الأمر لم يكُن فقط منافيًا للمعتاد، وإنما بلغ حد التفرُّد. فلا أعتقد أننا سبق أن استأصلنا قلبًا مزروعًا من مريض. اتصلت به فقال هذا مذهل يا فكتور، متى يمكن أن نجرى العملية؟ بدت عليه لهفة الأطفال.

قُلت له إننا سنُجريها فور أن ننهى الترتيبات. سألته فى أى مكان هو من العالم، فقال: لا تشغل نفسك، أعلمنى فقط بالوقت وستجدنى حاضرًا».

ولم يمض وقت طويل على هذه المحادثة حتى كانت جو راى- الطبيبة النفسية التى كانت جزءًا أصيًلا من فريق القلب فى هيرفيلد، والتى صارت تعمل فى جريت أورموند ستريت- تتصل بآل كلارك لإبلاغهم أن يعقوب مشترك مرَّة أخرى فى المسألة: قالت ليز: «شعرت أن بوسعنا مرَّة أخرى أن نتنفس».

فى العشرين من فبراير، تجهز يعقوب وتسانج للجراحة. «وكانت العملية»- مثلما حكى تسانج - «مباشرة تمامًا، مقارنة بتعقيد الجراحات التى نُجريها».

وافقه يعقوب فى ذلك قائلًا إن «كثيرًا من الناس قالوا إن استئصال قلب متبرَّع به يوشك أن يكون من ضروب المحال، أما أنا فلى نظرة مختلفة. كنت أعرف أين وضعت القلب بالضبط وأين أمدُّ يدى لأجده. كنت وفكتور نعرف أحدنا الآخر وبيننا علاقة وثيقة للغاية فعملنا معًا على وجه جيِّد للغاية. فتحنا الصدر معًا، واستغرقنا ما بين أربع وخمس ساعات لشقَّ طريقنا، لكننا فعلناها، ومضى كل شىء على نحو جميل».

أوضح يعقوب الدروس المستفادة فيما يتعلَّق بتضخُّم عضلة القلب الاعتلالى وقدرة القلب المريض على التعافى فى حال دعمه بقلب محمول، أو باستعمال أدوات اصطناعية من قبيل مضخَّات القلب الصناعى وهذا هو الأهم. عند تأمُّل عملية استئصال قلب هاناه المتبرَّع به خلال حوار عام ٢٠٢١، قال تسانج إن «الأمر اللافت هو أن قلب هاناه كلارك، بعد أربع أو خمس سنوات، بات طبيعيَّا تمامًا، وأن السرطان اللمفاوى لديها اختفى، ولم تعُد تتعاطى أى أدوية. كان أمرًا لا يُصدق».

أمَّا عن هاناه، فقد رجعت إلى المدرسة بعد الجراحة وبدأت تعيش حياة طبيعية، تجرى وتتسوق وتخرج لتمشية الكلب. وهى اليوم تعيش على مقربة من أبويها فى جنوب ويز وعندها ولدان. ولم تكن تلك نهاية علاقتها بمجدى يعقوب.

قالت والدتها: «كلما طلب منَّا البروفيسور القيام بأى شىء، نترك ما فى أيدينا مهما كان ونذهب إليه. كلما قال لنا شيئًا، أنصتنا إليه. حينما أنجبت ابنها الأول، أخذناه إليه ليراه، وبدا له ذلك رائعًا، وكان فى غاية السعادة».

فى المقابل، دعا يعقوب الأسرة لتزور مستشفاه الجديد فى أسوان. حكت ليز قائلة: «خرجنا فى رحلة فى النيل، وكان ذلك رائعًا، شأن كل ما فعله هذا الرجل من أجل كثير من الناس».

اعتلاء المسرح

بالنسبة للعلماء الذين يسعون إلى تخليق رئات اصطناعية، كانت المشكلة محيرة، كيف يمكن كساء هيكل اصطناعى بمليارات الخلايا الرئوية البشرية. كان الهيكل مصنوعًا بدقة تُقاس بالميكرونات- والميكرون هو واحد إلى ألف من الملليمتر- من صورة رئة بشرية مصوَّرة ومطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. ثم يجرى تغليفها بمليارات الخلايا الرئوية المستزرعة من خلايا جذعية هى بمثابة الخامة التى تتولَّد منها جميع الخلايا الأخرى ذات الوظائف المتخصصة. كان العلماء العاملون فى شركة يونيتد ثيرابيوتكس الأمريكية المتخصصة فى التكنولوجيا الحيوية يكافحون من أجل تغطية الهيكل كله- فقد كانوا يعملون على قرابة خمسمائة منها سنويًا- ويتساءلون عن أثر ترك فجوات فى الرئة. وجاء حل المشكلة على يد مجدى يعقوب وهو عضو فى الهيئة الاستشارية العلمية للشركة، ويؤثر على ما يجرى فى معاملها.

حكت مارتن روثبلات- مؤسِّسة يونيتد ثيرابيوتكس التى قامت بتوظيف يعقوب- أن «فكرة عبقرية خطرت للسير مجدى بأنه ما من داعٍ لإكمال تغطية العضو بالخلايا لأن خلايا الجسم بالغة الذكاء. وسوف تمضى الخلايا الجذعية الدائرة فى الجسم إلى المكان الذى يحتاج إليها، وسوف تبدأ فى التحوُّل إلى أنواع مختلفة من الخلايا المطلوبة. الجسم عبقرى فى التوصل إلى هذا. ولا أعقتد أن كثيرًا من الناس يُقدِّرون هذا حقَّ تقديره».

كان يعقوب قد رأى هذا يحدث حينما زرع هياكل تركيبية بوصفها صمامات قلب مهندَسة الأنسجة فى أغنام. وفى غضون أيام قليلة، كانت خلايا الأغنام الخاصة قد استعمرت الهياكل.

تساءلت روثبلات: «كيف عرفت الخلايا طريقها إلى الصمامات الاصطناعية؟ هذا ما لا نعرفه، لكن هذا ما فعلته. مجدى كان قد رأى ذلك بعينى رأسه مرَّات لا حصر لها. سأل: لماذا تكونون سببًا فى التأخير؟ ولماذا تكسرون ظهوركم وأنتم تحاولون تغطية كل ملليمتر مربَّع بالخلايا الرئوية؟ الجسم سوف يُنهى الوظيفة نيابة عنكم».

بدأت الشركة اختبار ما اعتبرته فرضية يعقوب. قالت روثبلات: «بدأنا باختبار على أرنب فحدث الأمر بالتأكيد». أنشأ العلماء رئة صغيرة، وغطوا أربعين فى المائة منها بالخلايا، وزرعوها فى أرنب، فأكمل جسم الأرنب بقية الخلايا.

يُمثِّل هذا المشروع جزءًا من مساعى يونيتد ثيرابيوتكس- ومقرها سيلفر سبرينج فى ميريلاند - لتوفير مدد لا حدود له من القلوب والرئات القابلة للزراعة.

قالت روثبلات إن «السير مجدى هو الأكثر خبرة ممَّن سنحت لنا فرصة العمل معهم فى زراعات الأعضاء. ففى حدود ما أعلم لم يُجر أحد من زراعات القلب والرئتين فى العالم بقدره. ونحن نحاول التوصُّل إلى أفضل سبيل لتصنيع الأعضاء، وأنسب المرضى الذين يمكن إعداد هذه الأعضاء لهم فى التجارب السريرية القادمة، والسير مجدى فى هذه الحالة يكون مصدرًا للمعرفة والإرشاد لا تُقدَّر له قيمة».

مضت روثبلات قائلة: «إننى أراه بمثابة مايسترو لأوركسترا، نحن الوتريات وآلات النفخ والإيقاع وآلات النفخ الخشبية، ولى شرف أننى عازفة الكمان الأولى».

يونيتد يثرابيوتكس إحدى الشركات القليلة فى مجال التكنولوجيا الحيوية التى قدَّم لها يعقوب نصحه فى أمريكا وغيرها. وما ذلك غير عنصر من عناصر علاقة مثمرة وكثيرة التشعُّبات أقامها يعقوب منذ أن كان أستاذًا مساعدًا فى جامعة شيكاغو فى أواخر الستينيات. وتجربة تضافر الطب والعلم التى خاضها هناك هى التى حدَّدت مساره المهنى. وبرغم رحيل يعقوب عن الولايات المتحدة ليعمل فى بريطانيا، فقد بقى يُكنُّ إعجابًا للبحث الطبى الأمريكى. وواقع الحال أن ذلك الشعور متبادل وأنه أثمر فى بعض الأوقات دفئًا كبيرًا.

فى عام ٢٠٠٤، أجرى وليم كليفورد روبرتس محرِّر «المجلة الأمريكية لطب القلب» حوارًا مع يعقوب فى عدد خُصصت منه ست عشرة صفحة جميلة الرسوم لهذا الحوار «السيرى» المسهب واسع النطاق. قضى الرجلان ثلاثة أيام معًا فى قارب فى اسكتلندا. 

بعد ذلك كتب روبروتس أن مجدى يعقوب «تلقَّى عن عمله الكثير من التكريمات، ففى عام١٩٩١ نصَّبته ملكة إنجلترا فارسًا لإسهاماته فى جراحة القلب. وفى عام ١٩٩٨، انتخبته الجمعية الملكية فى لندن زميلًا لها. والبروفيسور يعقوب عملاق وسط جرَّاحى القلب والأوعية الدموية. هو أب لثلاثة أبناء، فضلًا عن أنه على قدر عظيم من الطرافة تجعل رفقته متعة، وأى متعة».

كان يعقوب كثير التردُّد على الولايات المتحدة على مدار حياته الراشدة. فكان يُلقى محاضرة سنوية فى اتحاد القلب الأمريكى. وكان أستاذًا زائرًا فى جامعتى هارفارد وييل، وستانفورد وديوك مستشفى كولومبيا المشيخى فى نيويورك. وكان يختلط فى أمريكا بروَّاد جراحة القلب، وكثير منهم كانوا يزورونه فى هيرفيلد، وكانت الصداقة بينهم تسمح لهم بالسخرية من لكنته البريطانية، ففى إشارة محبَّة إلى زراعاته للرئة، كانوا يمزحون بشأن فصَّه العلوى المتصلب «Stiff Upper Lope» لا إلى شفته العليا المتصلبة «Stiff Upper Lip» حسب التعبير الدارج الذى يوصف به مَن يكتم مشاعره عند الغضب أو الاستياء.

وعلى مدار السنين، جعله الأمريكيون زميلًا لكلية طب القلب الأمريكية، ومنحوه- ضمن تكريمات كثيرة- جائزة معهد القلب بتكساس، وجائزة مؤسسة كليفلاند كلينيك لقصور القلب، وجائزة إنجاز العمر من الجمعية الدولية لجراحة القلب والرئة، وجائزة أسطورة طب القلب والأوعية الدموية من الكلى الأمريكية لأمراض القلب.

قال طبيب القلب المرموق روبرت بوناو فى جامعة نورث ويسترن بشيكاغو إن «مجدى درس هنا، ولذلك فهو يألف المشهد، ويعرف الثقافة والمؤسسة، لكنه أيضًا شخص يمكن التواصل معه. فى حين أن كثيرًا من كبار الجرَّاحين، وخاصة فى أوروبا، لا يمكن الوصول إليهم، فى عليائهم، أما مجدى فيتفاعل، ويسهل التواصل معه».

من الذين تردَّدوا فى الاقتراب منه مارتين روثبلات التى رأته أول ما رأته عام ١٩٩٤ فى اجتماع للجمعية الدولية لزراعة القلب والرئة فى لندن، قالت: «أغلب الناس كانوا يتحركون فرادى ومثنى وثُلاثًا، ولكنَّ رجلًا واحدًا كان يسير والناس من حوله، كأنه أحد نجوم الروك. سألت مَن يكون هذا فقالوا: إنه السير مجدى يعقوب، فعرفته، لكننى لم أجد من الجرأة ما يجعلنى أثبت مقدِّمة نفسى له».

فى ذلك الوقت، كانت روثبلات فى الأربعين وتدرس للحصول على درجة الدكتوراه فى الأخلاقيات الطبية بجامعة لندن. كان موضوع أطروحتها هو تضارب المصالح الخاصة والعامة فى زراعة الأعضاء الأجنبية. وهى من أبرز الأشخاص الذين عملوا مع يعقوب. درست القانون وإدارة الأعمال وحصلت فيهما على درجتين من جامعة كاليفورنيا فى لوس أنجلوس. وهى من أنصار استيطان الفضاء ومثَّلت- بوصفها محامية- وكالة ناسا الفضائية. كما قادت جهود رابطة المحامين الدولية لدى الأمم المتحدة لوضع مسوَّدة إعلان عالمى بشأن الجينوم البشرى وحقوق الإنسان. وأسَّست إذاعة سيريوس الفضائية، وعملت رئيسة تنفيذية لشركة جيوستار.وهى طيارة، ورائدة فى المروحيات الكهربائية، ومناصرة للاستدامة، أنشأت أكبر مبنى مكتبى بالعالم صفرى الانبعاثات الكربونية. ولها العديد من الكتب فضلًا عن إنتاجها فيلمين. وهى مناصرة مرموقة لحقوق المتحولين جنسيًا، وروثبلات لها زوج يدعى بينا، وهما متزوجان منذ أكثر من ثلاثين سنة. وعندهما أربعة أطفال.

أسَّست روثبلات شركة يونيتد ثيرابيوتكس سنة ١٩٩٦ بعد تشخيص مرض ابنتها بارتفاع ضغط الدم الرئوى، وكان آنذاك مرضًا ميتًا، فشرعت روثبلات فى العثور على علاج فعَّال.

وفى غضون أربع سنوات، أُجيز أول أدوية الشركة من إدارة الأغذية والعقاقير المعروفة على نطاق واسع بــ«إف دى آيه». ومنذ ذلك الحين، أُجيزت ثلاثة أدوية أخرى، كلُّ منها أكثر فاعلية من سابقه. ونجت ابنة روثبلات وأبلت أحسن البلاء.

فـى الوقت الذى كانت فيه يونيتد ثيرابيوتكس تستحدث هذه الأدوية، تلقت روثبلات اتصالًا من عالمة الأمراض البروفيسورة السيدة جوليا بولاك، وهى زميلة مقرَّبة ليعقوب، فضلًا عن أنه كان قد زرع لها قلبًا بسبب إصابتها بارتفاع ضغط الدم الرئوى. وبعد شفائها، كرَّست بولاك حياتها للعثور على علاجات للمرض الذى ألمَّ بها. كانت رائدة فى مجال البحث فى استعمال الخلايا الجذعية لإنتاج رئات اصطناعية صالحة للزراعة. حينما سألت بولاك إن كانت روثبلات ترحب بعملها معها، جاءت الإجابة قاطعة: «بالتأكيد». 

والتقت الاثنتان بعد قليل فى لندن، حيث قامت بولاك بتقديم روثبلات ليعقوب.

حكت روثبلات أن «السيدة جوليا فكرت فى أنه بالإمكان أخذ الخلايا الجذعية من شخص وإعاد تعيين خصائصها لتصبح خلايا رئوية، وأنه بالإمكان حينئذ إنماء رئة فى معمل واستعمالها فى شخص بحاجة إلى زراعة رئة. فتنتنى تلك الفكرة. فلم أكن قد سمعت بمثلها، لكننا بدأنا تمويل جوليا فى كلية إمبريال كوليدج».

كما وجهّت روثبلات سؤالًا إلى يعقوب عمَّا لو أنه يفكر فى الانضمام إلى الهيئة الاستشارية العلمية فى الشركة التى كان يرأسها عالم الصيدلة البريطانى السير جون فين، الفائز بجائزة نوبل فى الطب أو علم وظائف الأعضاء سنة ١٩٨٢.

قالت روثبلات: «أخبرت السير مجدى أننى أريد أن أوجد مددًا غير محدود من الأعضاء القابلة للزراعة، وهو ما كنت أفعله من خلال تعديل الجينوم الخاص بخنزير.

أسرتنى أيضًا فكرة السيدة جوليا، التى نُطلق الآن عليها الطب التجديدى، والتى تنفرَّد بميزة واحدة. فالعضو النامى سوف يُطابق تمامًا الجهاز المناعى للشخص الذى تجرى زراعته فيه، فلا يكون مضطرًا لتعاطى عقاقير مثبطة للمناعة. أما عيبها فهو أنها فكرة جديدة تمام الجدة.

الخنازير حاضرة حولنا منذ مائة مليون سنة، ومن ثم فالخنزير مفهوم تمامًا. وإجراء تعديل فى دزينة من جينات حيوان نعرفه منذ الأزل أيسر بالمقارنة مع إنماء عضو جديد من خلايا». 

شجَّع يعقوب روثبلات تشجيعًا كبيرًا على متابعة كلتا الفكرتين. فقد قال- حسبما حكت روثبلات - إن «فى هذا المجال مخاطرة كبيرة. قد تظهر مفاجآت كثيرة فى العلم، ويجب أن تتوافر عدَّة خيارات».

أخذت يونيتد ثيرابيوتكس بنصيحة يعقوب، وكلا المشروعين الآن متقدّم كثيرًا. فأعضاء الخنزير متوافرة للزراعة. وعلماء الشركة يحوِّلون بصفة روتينى خلايا جذعية إلى أنواع مختلفة من الخلايا الحية، مصداقًا لما تنبأت به السيدة جوليا. وتعتقد روثبلات أن الرئات النامية معمليًّا سوف تكون متوافرة للاختبار على البشر قبل نهاية عام ٢٠٢٥.

أما عن يعقوب فإنه لا يزال يمارس تأثيره على بحوث الشركة وتطورها. إذ قالت روثبلات: «إنه يزور منشآتنا. ويرى بعينيه ما نقوم به. ويتحدث مع العاملين فى المعامل، وقدَّم علماؤنا له ولغيره من أعضاء الهيئة الاستشارية عروضًا عبر شرائح وفيديوهات لا تنتهى. وهو يرى ذلك كله ويعترض ويوجِّه، فلا يزال السير مجدى هو المايسترو».

ألم وفقد

فى أواخر ربيع عام ٢٠١١، فقد مجدى يعقوب زوجته الحبيبة ماريان، بعد أن بقيا معًا لأكثر من أربعين سنة، ماتت ماريان فى الحادية والسبعين فى مستشفى مارسدن الملكى فى لندن فى السابع عشر من مايو، بعد صراع مع سرطان المبيض استمر لقرابة عقد. عاشت أطول كثيرًا ممَّا اعتقد كثير من الأطباء، وطالت بها الحياة حتى رأت حفيدتين لها من ابنتها صوفى، هما أمايا التى ولدت فى ياير سنة ٢٠٠٩، وجولييتا التى ولدت فى فبراير ٢٠١١.

خلال السنوات العصيبة الأخيرة من حياتها كانت تسوق سيارتها كل يوم تقريبًا إلى حى تشيزويك المشجر فى غرب لندن، الذى كان صوفى تعيش فيه هى وأسرتها على مقربة من نهر التيمز. كانت ماريان تجد مفارقة مريرة فى مرضها، فهى التى راقبت بمنتهى الحرص ما يأكله زوجها، وحاولت أن تضمن لها ولأبنائها نمطًا غذائيًا صحيًا. وكانت توفر لنفسها مثل تلك العناية، وتحافظ على لياقتها بلعب التنس مرتين فى الأسبوع، والعمل فى حديقة منزلها، كما كانت خبيرة تغذية، ويبدو أنها فى هذا الصدد كانت سابقة لزمنها، فقد كانت تعيش على نظام غذائى قوامه السلاطة، سلاطة الخضراوات والفاكهة، ونادرًا ما كانت تأكل اللحم أو منتجات الألبان، وكانت تتعاطى الفيتامينات والعلاجات العشبية، وكانت تدخن بين الحين والحين فى مطلع حياتها، لكنها كانت تكره الكحول.

جاء تشخيصها بعدما اكتشف الأطباء تكيُّسات على مبيضها. ومعظم التكيسات حميد، لكنها فى حالة ماريان كانت خبيثة. خضعت لجراحة استئصال الرحم بالكامل، وفقدت شعرها بعد تلقِّيها علاجًا كيميائيًا متكررًا عام ٢٠٠٦، حصل لها زوجها على كمية من عقار جديد من الولايات المتحدة يبدو أنه أطال حياتها. كان العقار الجديد يستخدم الأجسام المضادة وحيدة النسيلة التى تستهدف الخلايا السرطانية وتدمِّرها.

فى الوقت نفسه تقريبًا، تبيَّنت إصابة يعقوب نفسه بسرطان البروستاتا، وتلقَّى علاجًا بالموجات فوق الصوتية المركزة عالية الكثافة فى لندن، وعلاج السايبرنايف فى ألمانيا. 

وتمَّ إيقاف السرطان. كافح يعقوب مرض زوجته، وأبطأ من إيقاعه لفترة، فصار يقضى مزيدًا من الوقت فى البيت. ولمَّا توفيت تركت فراغًا كبيرَا فى حياته وحياة أبنائه.

كانت ماريان هى حياة الأسرة وروحها، وكم بذلت من أجلهم قصارى جهدها. أو كان يحدث فى بعض الأحيان أن تكون كثيرة الانتقاد، أو أن تخطئ الحكمة، لكنها أيضًا كانت ظريفة وصاخبة فى بعض الأحيان. ففى ثنايا مشاهدة بطولة ويمبلدون عبر التليفزيون، كانت تُقدم التعليق الحماسى، فتُعرب عن إعجابها بالضربات الجيدة، وأسفها من الضربات السيئة.

أقرَّ لها يعقوب بالفضل قائلًا: «إنها التى صاغت حياتى وحياة أبنائنا، ولعلى على قيد الحياة الآن بسببها. هى لم تكن تعتنى بالأولاد وحسب، ولكنها كانت تحمل عنى أثقالًا هائلة، وكانت ترغمنى على الاعتناء بنفسى. لولاها لانتهيت قبل خمسة عشر أو عشرين عامًا».

من المعزِّين الذين حضروا جنازتها، المؤلف الموسيقى السير جون تافينر، وكان من مرضى يعقوب. وتأثرًا منه بالحدث، رجع إلى البيت فكتب موسيقى أغنية من أجل ماريا، وقام بأدائها فى الحفل الذى أقيم بكنيسة سان جون فى ميدان سميث، بحضور الكثير من أصدقائها. عنوان الأغنية: «كلهم مضوا إلى عالم النور»، وهى مأخوذة من قصيدة للشاعر الويلزى هنرى فوجان.

بعد ذلك، بدأ يعقوب يقوم بالمزيد من العمل، وأصبح أعمق انخراطًا فى أعمال مركز القلب بأسوان، ووفقًا لما ترويه ابنته الكبرى ليزا، فقد صعب عليه أن يبقى فى منزل الأسرة فى لندن، فقال بغتة ذات يوم: «أنا بحاجة إلى الابتعاد»، ولم يمض وقت طويل إلا وقد ابتعد.

وإذا بعالم العمل، الذى طالما كان له ملاذًا ومأوى، يمدُّه مرة أخرى بالعزاء والسلوان.