الثلاثاء 28 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

القلوب عند بعضها 5

أيوب وبنت عَمّه ع البلاوى صابرة

حرف

.. وبنت عَمّه ع البلاوى صابرة

«ياما جرى لأيوب

على حكم الزمان

وبنت عَمّه ع البلاوى

صابرة

وبنت عَمّه من الأصول الطيبيين

ولا يوم شكت أبدًا..

ولا الخالى درى»

كلما سرحت مع صوت خضرة وهى «تستهل» حكايتها عن «أيوب».. «أيوب المصرى» أستغرب أن تفعل امرأة ما فعلته «نعسة».. فكيف لامرأة إن لم تكن عاشقة أن تتخلى عن شعرها.. بكل هذه البساطة.. وتذهب به إلى السوق لتبيعه ثم تعود بشوية صبر لعلاج رجل تخلى عنه الجميع؟! طب هوه فيه غرام أجمل ولا أعنف من كده؟!

«ناعسة» المصرية.. اسم مستعار.. اسم مصرى لسيدة ليست مصرية على الإطلاق، لكننا قررنا أن نجعلها مصرية.. كتب التاريخ والسيرة تقول إن اسمها «ليا» أو «رحمة».

قال البعض منهم إنها «ليا.. بنت يعقوب، عليه السلام».. وقيل «رحمة ابنة ميشا بن يوسف، عليه السلام».. أى أنها من «سلالة الأنبياء»، ولذلك فزكريا الحجاوى يراها «من الأصول الطيبيين».

امرأة جميلة.. وأجمل ما فيها «تاجها» فكيف تتخلى عنه من أجل علاج «غير ناجع» لرجل فقد كل شىء. المال والأهل.. والصحة.. هى عاشقة لا ريب.

 

ناعسة فى بورما.. بالدولار 

فى الأول من نوفمبر عام ١٩١٨.. نشرت صحيفة «الشرق الأوسط» تقريرًا غريبًا عن تجارة لبيع شعر النساء تنشط فى العديد من الدول وفى مقدمتها «ميانمار».. مضيفًا أن تجارة الشعر البشرى تعود لمئات السنين وأن الأمم المتحدة تؤكد أن ميانمار هى رابع مصدر لشعر النساء فى العالم، حيث تطلبه النساء الباحثات عن «رأس مستعار».. وذكر التقرير أن ميانمار كسبت عام ٢٠١٧ «٦ ملايين دولار» من تصدير ذلك الشعر.

وحسب تقرير لـ«BBC» فإن الهند تتصدر دول العالم فى هذه التجارة.. هذه التجارة الرائجة فى مناطق فقيرة من العالم وصفها المشاركون فى التقرير بأنها «بديل عن الانتحار».

«الجوع كافر».. خرج زياد الرحبانى منذ سنوات طويلة ليغنى حزينًا.. لكن لا أحد الآن فى لبنان يتذكر ما حذر منه الرحبانى فى أغنيته منذ سنوات حتى وصل الأمر، حسب تقرير نشرته «سكاى نيوز عربية»، فإن مخيمات اللاجئين السوريين فى لبنان وبخاصة فى منطقتى البقاع وشمالى لبنان كانت البداية لانتشار ظاهرة بيع النساء شعورهن لتوفير «حق الطعام لأطفالهن فى المخيمات».. ومن لبنان إلى أوكرانيا يذهب المشترون حيث يوجد «الذهب الأبيض».. وتوجد الحرب.. والجوع أيضًا.

هل كانت «جديلة» ناعسة.. نهاية القصة؟

لا.. لم تكن كذلك.. وإلا لما تكررت فى الهند.

وبورما.. ولبنان.. الصبر هو «مفتاح القصة.. ومفتاح الفرج.. الذى هو نهاية الأحزان.. فمن لهم يا الله.. بصبر أيوب.. وغرام ناعسة؟!

«يا مسعدك ياللى

تصلى على النبى

والله النبى ضمن الغزالة وحلَّها.. الصبر طيب للأمارة يصبروا

اللى صبُر نال الهنا..

بلغ المنى..

واللى معاه صبُره.. يلاقيه فى الآخرة»

من أين جاء زكريا الحجاوى بكل تلك الحكمة؟!.. أعرف أنه جاء بخضرة محمد خضر من أحد موالد مديرية البحيرة.. لكننى لا أعرف من أين جاء بكل تلك الحكمة؟!

الرواية التاريخية تعود بنا إلى ألفى عام ويزيد قبل الميلاد.. وإحدى تلك الروايات تنسبها إلى الحضارة «السومرية» نسبة إلى «سومر»، وقد كانت إحدى الممالك التى تحيط بالخليج العربى وموقعها على الخريطة الآن فى جنوب العراق.. تلك الرواية تتحدث عن «أيوب السومرى».. وتصف الرواية رجلًا وقف ليشكو إلى ربه عذابه باحثًا عن «السر» لكنها لا تحكى عن «ناعسة».

بعض الباحثين يعود بالأصل إلى «الفلاح الفصيح» فى «أهناسيا» القديمة.. عندما راح يرسل إلى «الحاكم» بشكواه.. والحاكم تعجبه طريقته فى السرد فلا يجيبه حتى يستمر فى إرسال شكاواه.. وبعض الباحثين يذهب إلى الهند حيث أسطورة «حارس كندرا».

الباحثة د. ندى يسرى، مدرس الأدب العربى بآداب الإسكندرية، تقول: «إذا كنا بصدد الحديث عن العدل الإلهى فإننا لن نجد مثالًا أفضل من شخصية أيوب.. أو (الصابر المبتلى) التى تم تداولها على مر العصور.. حيث نجدها فى فكر ما قبل الديانات التوحيدية.. كما فى الأساطير البابلية والمصرية القديمة بل الهندية أيضًا.. ثم فى الأديان التوحيدية التى حفظت هذه الشخصية من النسيان وأضفت عليها من روحها».

«فى سفر أيوب.. كان هذا الرجل كاملًا.. ومستقيمًا يتقى الله ويحيد عن الشر» وذكر ابن كثير وأهل التاريخ والسير أن «أيوب، عليه السلام، كان بأرض الروم بمكان يقال له البثينة من أرض حوران» من ذرية إبراهيم. وحكى ابن عساكر أن أمه بنت «لوط، عليه السلام».. كان يعمل بالزراعة.. كثير المال من سائر صنوفه وأنواعه من الأنعام والعبيد والمواشى والأراضى.

فى التراث الإسلامى.. هو نبى من أنبياء الله.. من نسل إسحاق بن إبراهيم.. ولدى الطوائف المسيحية فى الشرق أن أيوب هو «يوباب الملك الثانى لأدوم».. وهو الذى ورد اسمه فى «سفر التكوين»، وهناك من يعيد أيوب إلى ما قبل عصر الكتابة «المسمارية» وإلى ما هو أبعد من الديانات المعروفة.

كل هؤلاء يتحدثون عن أيوب.. فماذا عن ناعسة؟!

فى ترنيمة مسيحية قديمة كنت قد استمعت إليها فى قريتى بالصعيد..

«أيوب البار

كان غنى وابتلى

فى بير وارتمى.. 

فزال عنه البلى..

آه يا ربى.. اغفر لى

قلبى ارتضى..

المسكينة مراته

بكت على حياته

وطلبت مماته

لما نظرت جراحاته»

الترنيمة المسيحية تقول إن «ناعسة» تمنت موت «أيوب» لما اشتد مرضه وطال عذابه.. لكن خضرة محمد خضر تقول بعكس ذلك.. ناعسة صبرت.. سنة واثنتين وعشرًا.. فلماذا ينكرونها؟!

«تقول لهم..

يا لايمين قلّوا الملام

من باع لحمه يا ناس

يصير به معيرة

تقول لهم.. يالايمين

قلّوا الملام..

فاضل سواد الليل

وصابحة مسافرة»

«وكل من له نبى يصلى عليه»

فى تاريخ الطبرى.. رحمة هى ابنة يوسف، عليه السلام.. وليست ابنة ابنه.. وقيل أخوها نبى.. وأيضًا أبوها نبى..

تذكر القصص أنه فقد «جميع أولاده».. ولم يتوقف أحدهم عند الأم التى فقدت «ضناها».. لم تفقد طفلًا واحدًا.. فقدت سبعة من الأبناء.. فقدت حياتها الرغدة.. هاجمهم اللصوص وسرقوا ماشيتهم.. فهل حزنت؟.. نزلت صاعقة من السماء وأحرقت الأرض والمحاصيل فهل «ندبت» أو لطمت على وجهها؟.. هدم الإعصار منزلها.. فهل جنت ومضت تشق الجيوب فى الشوارع؟.. لقد صبر أيوب وهو «نبى» فكيف تحملت ناعسة؟!

الباحث أسامة أنيس يشاركنا نفس السؤال مستغربًا: «والجدير بالذكر أن التوراة لم تذكر شيئًا عن امرأة أيوب إلا القليل جدًا.. والأغرب أن كل ما جاء فى ذكرها لا يصب فى صالحها».

«وابتُلى أيوب بقروح انتشرت فى بدنه كله من قمة الرأس إلى أخمص القدم.. فجلس أيوب وسط الرماد وتناول شقفة يحك بها قروحه فقالت له زوجته: (أما زلت معتصمًا بمالك؟) «جدف على الله ومت. فأجابها: أنت تتكلمن كالجاهلات أتقبل الخير من عند الله والشر لا نقبل؟!».

الباحث أسامة أنيس يفسر كيف استخدم الحجاوى القصص القرآنى والتوراتى وحافظ ملتزمًا بالقيمة الرئيسية فى الرواية «الصبر الطويل والجميل على الشدائد».. رأى الفنان المصرى أن ينسج لخيالنا ويضفر فى قصتنا التراثية صورة أكثر عمقًا.

أيوب المصرى.. راعى غنم يرى ناعسة فيقع فى حبها ويطلبها للزواج.. ولأنه رجل قوى صالح رحب أهلها بالزواج منه.. ويعيشان حياة هادئة حتى يُصاب بمرض جلدى معدٍ أحرق جلده وأسقط لحمه.. أقعده المرض فما عاد يعمل. فينصح أهل ناعسة، ابنتهم، بتركه فلا تفعل.. راحت تبيع أغنامها واحدة تلو الأخرى.. حتى نفد ما لديها فراحت تخدم فى البيوت.. الرجال يطمعون فيها لكنها لا تلتفت.. لا ترى رجلًا سوى زوجها وحبيبها «أيوب المصرى».. حتى ساومتها النساء على شعرها الذى كان يسحرهن فى مقابل الطعام فلم تبخل.. وعندما كان أيوب يتعبد إلى جوار النهر وجد زرعًا وعشبًا، «رعرع أيوب» دعك به جسده.. فبرأ.. حتى إن ناعسة لم تعرفه..

«أيوب المصرى فيه من سيرة النبى أيوب.. وفيه أيضًا من «إيزيس» وإخلاصها..

«ولا يوم شكت أبدًا

ولا الخال درى 

ولا يوم شكت أبدًا ولا يوم هانته

خايفة على العرض الشريف م المعيرة»

وحسب الكاتب والأديب الراحل الكبير فاروق خورشيد «لقد ظل الموروث الشعبى العربى، مثل غيره من الموروثات الشعبية، يتناقل شفاهة وعبر قنوات متعددة وغير مرئية ولا مرصودة فى المراحل الأولى.. و«سيرة ناعسة» حتمًا واحدة من تلك الروايات التى انتقلت شفاهة حتى وصلت إلى المخرج الإذاعى الكبير الراحل يوسف الحطاب مطلع خمسينيات القرن الماضى، ففكر أن يقدمها فى شكل درامى للإذاعة المصرية.. وطلب من الشاعر محمد على ماهر أن يكتبها وقد كان شاعرًا فصيحًا.. فرشح له زكريا الحجاوى ليكتبها بالعامية.. وكان أن جمع موسيقاها أيضًا وأملاها للملحن محمد عمر الذى جاء بالمطربة فاطمة على التى سجلت الأغنيات بالفعل لكن الحجاوى لم يُقتنع بما سمع.. كان يريد ذلك الصوت الذى سمعه يغنى فى المولد.. أحد الموالد الكثيرة التى جمع منها «سيرة أيوب المصرى»، وكانت خضرة محمد التى لم تكن مرتاحة لفكرة الوقوف خلف ميكروفون الإذاعة فخرج صوتها متحشرجًا فى المرة الأولى.. وحتى تستطيع أن تغنى براحتها وقفت فاطمة على أمامها ليأتى صوت خضرة من بعيد.. والغريب أن أحدًا لم يعد يتذكر أن فاطمة على كانت شريكة لها فى غناء موال «ناعسة وأيوب» الذى صار مسجلًا فى ذاكرة الناس باسم «خضرة».

فى المسلسل الإذاعى الذى أخرجه يوسف الحطاب كتبه زكريا الحجاوى.. اختارت ناعسة بإرادتها أيوب ابن عمها زوجًا لها.. ورفضت ابن عمها الآخر «عمار» الذى ظل على حبه لها مقررًا الانتقام من «أيوب» فراح يسرق خمسة آلاف رأس من الغنم التى يملكها أيوب.

وفى تلك اللحظة يشك أيوب فى ناعسة.. أن تكون قد منحت «عمار» ريقًا حلوًا. 

ما أقصده .. أن الرواية المصرية.. اقتربت من غرام ناعسة.. من حبها لأيوب وتفضيلها له عن ابن عمها الآخر «عمار».. وتحملت غيرة أيوب عليها.

«أيوب المصرى»، وحسب الزميل محمد الدسوقى رشدى فى مقاله المنشور فى ٢١ مايو ٢٠١٨ بصحيفة اليوم السابع، ليس شخصية أخرى مختلفة عن شخصية النبى أيوب لكنه نظرة من زاوية أخرى للقصة، إذا كان البطل فى القصة القرآنية هو الرجل النبى أيوب.. فإن البطل فى القصة الفلكورية المصرية هى ناعسة».

«أيوب العربى من المحيط.. إلى الخليج»

«ليت كلماتى الآن تكتب..

يا ليتها رُسمَتْ فى سفر

ونقرت إلى الأبد فى الصخر

بقلم حديد.. ورصاص»

يستدل بعض الباحثين بهذا المقطع على أن سفر أيوب أسبق بكثير من «الوجود العربى».. لكن العرب، على كل حال، يتنازعونه وينسبون إلى قدمه أنها خطت أراضيهم.. بل يزيدون فقد نصبوا له أضرحة فى أماكن متعددة.. لذا لا تستغرب أن تجد قبرًا له فى عمان.. أو فلسطين.. أو سوريا.. أو لبنان.. ولا تندهش عندما تعلم بأن أهل العريش يذهبون إلى بئر.. أو ربما إلى «بحر العريش» ليغتسلوا فى أربعاء أيوب حتى يشفوا من مرضهم.. أو «تحمل المرأة العاقر» بعد أن تغطس فى نفس الماء الذى يعتقدون أن أيوب اغتسل فيه فتم شفاؤه بإذن الله.

«تقولهم يا لايمين قلوا الملام

فاضل سواد الليل وصابحة مسافرة

مشيت نهار.. وتانى نهار..

رابع نهار بالجوع.. وناعسة صابرة»

إذن هو «صبر ناعسة» ولم يكن صبر أيوب وحده.. هكذا رآه «المغنى الشعبى المصرى» فى خمسينيات القرن الماضى.. واستعادته دينا مسعود مع عدد من المغنيين العرب من فلسطين ولبنان فى الألفية الجديدة وبعد عشرين سنة كاملة من بدايتها راح المغنى حمزة نمرة يعيد غناء «موال خضرة وفاطمة على» بتوزيعات جديدة.. فى نفس اللحظة التى كان فيها أهل بيروت يخرجون إلى شاطئ الرملة البيضاء يقضون نهارهم فى لهو ومرح ويغتسلون بماء «أيوب» ثم يأكلون «المفتقة».

يغتسلون بماء البحر بسبع موجات متتالية ويرددون مثلًا شعبيًا «يلى ما يغتسل بأربعة أيوب.. جسمه يفنى ويدوب».. ومن لم يستطع الذهاب إلى الشاطئ ينقع «حشيشة أيوب»، أى عشبة العرعر «المتوارثة من أيام الفراعنة» فى الماء ثم يغتسل به.. وبالقرب منهم.. فى موقع ما من أرض فلسطين تغنى أمل مرقص:

«والصبر يا مبتلى

الصبر يا أيوب

الصبر جبتوا معى

متى ينمحى المكتوب»

فيما تستعيد مجموعة من الشباب فى أحد أحياء القاهرة، حيث مقر جمعية محبى الشيخ إمام، أغنيته التى كتبها أحمد فؤاد نجم:

«عليل وصف علته

قاله الحكيم هوَّه

داء الغرور فى البشر

خلى النفوس هوَّه

طبيب وجاى يسعفه

صابهُ الغرور هوَّه

نسى أصول حرفُته

وإنسان ورا القوة

كاد العليل ينقتل

قام قاله إيه هوه؟

يا مسأسأ الصَبْر.. فوق الجرح من برَّه

الجرح يا عم.. بيجيب دم من جَّوه»

«خلال أيوب بين الفاجومى والسيَّاب»

الباحث السيدحافظ الأسود فى كتابه «الصبر فى التراث الشعبى المصرى» يؤكد أن الصبر كنمط سلوكى بالنسبة للنساء يرتبط بالعطاء والرضا والعفاف والشرف، أما بالنسبة للرجال فإنه يرتبط بالشجاعة والجلد والمسئولية، وهكذا يسهم الصبر فى حماية نظام القيم الاجتماعية لأن نفاد الصبر قد يفضى إلى الإخلال بما يعتبره المجتمع قيمًا أساسية.. ومن ثم اختلال النظام الاجتماعى وتعرض من ينفد صبره للعقاب والجزاء..

ويضيف: وقصة ناعسة وأيوب ذات دلالة فى هذا الصدد، فالشائع أن الصبر هو «صبر أيوب» وليس «صبر ناعسة» مع أن صبرها كان طوعًا.. وصبره كان كرهًا.

تجاهلنا لسنوات طويلة «صبر ناعسة» ولم ينصفها سوى الحجاوى وحسيب غباشى.. نعم حسيب غباشى الذى استحضر قصتها وصبرها وعشقها ومودتها وحنانها فى رواية مسرحية قدمتها فرقة نيللى مظلوم فى عرض استعراضى راقٍ كتب عنه الناقد الكبير محمد مندور وقتها: «وجاء فناننا الشعبى فنسج حول مرض أيوب قصة عاطفية بالغة الإنسانية والجمال، إذ جعل المصرى يحظى بيد الفتاة الجميلة ناعسة ويتزوجها بعد أن فضلته على شابين ثريين متعجرفين، ولكن سعادته لم تطل إذا انتابه مرض عنيف ولكن نبل ناعسة أبى عليها أن تتخلى عنه فى حين تخلى عنه أهله أنفسهم».

محمد مندور يشير إلى أن الأغنيات فى ذلك الأوبريت المسرحى، الذى جرى تقديمه عام ١٩٦١، لحنها محمد عمر وهو نفسه الذى قام بتحفيظ ألحان الحجاوى فى المسلسل الإذاعى.. ويشير إلى أن «فاطمة على» هى من غنت ما كتبه حسيب غباشى.. وللأسف.. لم يكن التليفزيون موجودًا وقتها ولم تصل إلينا نسخة ما كتبه غباشى وقدمته فرقة نيللى مظلوم.. ولسنوات توارت «ناعسة» ليتصدر أيوب المشهد فى أشعار الذين تأثروا بسفر أيوب أو بموال ناعسة على السواء.. فى مصر كتب صلاح جاهين رباعيته الشهيرة:

«أيوب رماه البين بكل العلل

سبع سنين مرضان وعنده شلل

الصبر طيب..

صبر أيوب شفاه..

بسْ الأكاده..

مات بفعل الملل»

وكتب الفاجومى أحمد فؤاد نجم وغنى الشيخ إمام

«أتوب إزاى وأنا أيوب

رمانى الوعد والمكتوب

سنين ماشى ورا الأفكار

على كفّى الألم دوَّار

لا خليت فى الدروب مشوار

ولا فوق الورق مكتوب

وأتوب إزاى..

وأنا أيوب»

وفى العراق كتب شاعرها الكبير بدر شاكر السياب قصيدته الأشهر «سفر أيوب» بعد أن أُصيب بمرض عضال أقعده لسنوات وفشل الأطباء فى علاجه سواء فى بغداد أو خارجها.. وغنى مطرب العراق الأشهر مستعيدًا رحلة أيوب:

«لك الحمد مهما استطال

البلاء

ومهما استبد الألم

لك الحمد إن الرزايا عطاء

وإن المعيبات بعض الكرم

ألم تعطنى أنت هذا الظلام

وأعطيتنى أنت هذا السحر

فهل تشكر الأرض قطر المطر

وتغضب إن لم يجدها الغمام؟!

شهور طوال وهذى الجراح

تمزق جنبى مثل المدى

ولا يهدأ الداء عند الصباح

ولا يمسح الليل أوجاعه بالردى

ولكن أيوب.. إن صاح صاح

لك الحمد.. إن الرزايا ندى»

قصيدة السياب التى فجرها بالغناء سعدون جابر أعاد الكثيرون من مطربى الشام غناءها.. لكننا فى مصر انتبهنا إلى أيوب ورحلته عوضًا عن أيام صعبة عاشتها مصر بعد النكسة.. فراح بعض كتبة الدراما يستعيرونها مجددًا.. فقدمها المخرج فتحى عبدالستار فى سهرة تليفزيونية بطلتها دلال عبدالعزيز.. وأعاد شاب كتابتها فى مسلسل درامى كامل من بطولة فتحى عبدالوهاب باسم «أشجار النار» غنت مقدمته ونهايته حنان ماضى من ألحان خالد جودة.. ومن كلمات ياسين الضوى مؤلف المسلسل نفسه:

«الدنيا ما تغلبش

غير مغلوب..

قالوا زمان ده بلدنا دوابة

مهما طلع فى أرضها ديابة

مهما يطول بيها الزمن يابا

بتقوم تزوم على حقها المسلوب».

تحوَّلت سيرة ناعسة الصابرة إلى حكاية بلد على يد الشاعر المسرحى الصعيدى ياسين الضوى

«يا صَبْر يا للى غنيناك موال

صبرنا بيك سكوة علل وجلال

الحِمْل مال بينا وضاق الحال

تعبت إيدينا على عدلة المقلوب»

فى الوقت نفسه راح شاعر شعبى صعيدى اسمه أحمد إسماعيل يستعيد موال ناعسة القديم.. بكلمات جديدة.. والغريب أنه الوحيد الذى ذكر اسمها الأصلى «رحمة».

«كل الأطباء احتاروا فيا

وف علتى..

خليتى سبع الليالى سكن الجبل وما غار

وبليتى أيوب ورحمة لما سألوا الجبان ومغار

آه م الهوى والحب ضربونا

وصحبنا تايهيين معرفنا دار أبونا

وتبَّعت الاتنين مشفت خير منهم

وصبرى فرغ منهم..

ودقت كاس المرار منهم»

«رحمة» فى موال أحمد إسماعيل الصعيدى.. استعادها «السلفيون» لسنوات لا ليقتربوا من جمال صبرها ونبلها وقدرتها على تجاوز محنة حبيبها أيوب.. ولكن ليفسروا كيف ضربها النبى أيوب بعرجون النخل.. وهل هى مائة «جلدة» أم جلدة واحدة بمائة «عرجون»؟

كل ما عناهم فى الأمر هو حق الرجل فى أن يضرب امرأته اقتداءً بأيوب..

وراحوا يبحثون فى كتب «السيرة» عن ذنب لرحمة.. أو «إيليا» التى جعلها المصريون ناعسة.. حبيبة أيوب التى لم تغادر جسده فيما غادره الجميع..

«تقوله يا أيوب

أنا بعته عليك

خايفة على العرض الشريف

م المعيرة..

أيوب رفع وجهه لمن رفع السما

وقال يا رب أشوف شعورها مضفرة».

استجاب الله لدعاء نبيه أيوب.. وعاد لناعسة شعرها وعزها.. فكل ناعسة تستحق.