الأحد 14 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

فنانون كبار وفقراء أيضًا!

حسين بيكار وجورج
حسين بيكار وجورج بهجوري

ماذا يحدث للفنون التشكيلية عندنا..

إنها أكثر فنوننا تقدمًا.. الرسم يسبق الفن السينمائى فى بلادنا بمئات الأميال.. والمسافة بينه وبين المسرح أطول من أن تقاس.. كذلك الحال بالنسبة للقصة أو للموسيقى!

ومع ذلك فإن الفنانين التشكيليين عندنا يعيشون فى مأساة اسمها «عدم الإحساس» بما يرسمون من لوحات أو ينحتون من تماثيل.

ففى الوقت الذى كان يبيع فيه سلفادور دالى.. وغيره من الفنانين فى الخارج لوحة واحدة يوازى ما يقبضه فيها. ثمن فيلا عندنا.. فإن رسامينا لا يجدون من يحاول مجرد شراء لوحة من إنتاجهم!. وعشرات الاعترافات المثيرة التى سمعتها من أفواه الفنانين عندنا الذين قالوا بصراحة:

- إننا يجب أن نبحث لنا عن مهنة أخرى غير الرسم.. لنعيش منها أولًا.. وبعدها علينا أن ننتج لا لنبيع إنتاجنا.. فهذا شىء لا يمكن أن نتوقع حدوثه.. ولكننا ننتج لنرضى أنفسنا أولًا.. ولنوزع لوحاتنا على أصدقائنا ومعارفنا بلا مقابل.. أو لإقامة معرض.. نعرض فيه لوحاتنا لإرضاء نفوسنا من الداخل.. ثم علينا بعد ذلك أن نتناسى المعرض لنعيش فى أزمة أخرى ونحن نسدد ديون المعرض.

وأتوقف عن سرد بقية القصص والحكايات المثيرة التى سمعتها لأقدمها لك على لسان أبطالها الذين يعيشونها.

قال لى الفنان صلاح طاهر:

- ما يقبضه سلفادور دالى فى لوحة واحدة يعادل ببساطة ثمن فيلا!..

قلت: وأنت؟

قال: أنا وغيرى من الرسامين.. لا بد لنا من البحث عن عمل نعيش منه أولًا.. وبعدها علينا أن ننتج.

قلت: وأين يذهب إنتاجك؟

قال: لا أبيع منها غير واحد على الخمسين.. والباقى أوزعه هدايا على الأصدقاء.. أو الأقارب بمناسبة زواجهم.. وفى النهاية.. الفنان دائمًا يخسر وهو ينفق على الفن.

قلت: وسبب هذه الظاهرة فى رأيك؟

قال: الفن التشكيلى من أكثر الفنون تطورًا.. فهو يسبق السينما. ويبعد عن المسرح كثيرًا.. ولكن مشكلته أن لغته لم يألفها الناس بعد.. بعكس الكلمة.. لغة بقية الفنون الأخرى التى يألفها الناس ويتعاملون معها.. وفى الخارج وجد من يفهم لغة الفنون التشكيلية.. ووجد من يتعامل معها. وفى مصر عدد قليل جدًا هم الذين يفهمون ويتعاملون مع لغة الفنون التشكيلية.

قلت: والمعارض..؟

قال: المعارض وحدها لها مشكلة. يكفى عذاب نقل اللوح إلى صالة العرض. ثم إعادتها إلى المنزل.

وكسباق التتابع.. يلتقط الفنان جورج البهجورى نهاية حديث صلاح طاهر ليبدأ حديثًا جديدًا عن مشكلة الفنانين التشكيليين.. يقول جورج البهجورى وهو يعبث بلحيته:

- حاولت تخطى حاجز الصوت والضوء الموجود بيننا وبين الجماهير فقررت إقامة سلسلة من المعارض أعرض فيها لوحاتى.

وحتى الآن افتتحت سبعة معارض باسمى.. فماذا كانت النتيجة؟

ويتوقف جورج عن الحديث لحظات يقول بعدها:

-وخرجت من المعارض السبعة مدينًا بسبعمائة جنيه. لا يزال النجارون وأصحاب محلات الزجاج والمكتبات يطاردوننى لتسديدها..

قلت: ولوحاتك التى تبيعها؟

قال: أنا لا أبيع لوحاتى.. ولا أذكر أننى بعت لوحة بأكثر من مائة جنيه اشترتها منى وزارة الثقافة. أما بعد ذلك فلوحاتى كلها هدايا.. بالمناسبة.. مش عاوز لوحة هدية.. أنا تحت أمرك!

قلت: والحل السريع؟

قال: حزمت لوحاتى. وأستعد هذا الأسبوع للسفر معها إلى لندن وعرضها فى قاعة «ودستوك».

وطلب جورج الانصراف..

قلت: لماذا يا جورج؟

قال: لأحصل على ترخيص تصدير.. فالفنان يعامل تمامًا كالتاجر الذى يبيع سلعة!

وبمناسبة سفر جورج البهجورى للخارج، ماذا يحدث للفنان التشكيلى المصرى عندما يسافر إلى الخارج؟

قالت لى الفنانة تحية حليم:

- انتهيت من رسم لوحة اسمها «فرحة النوبة» وحددت لها لجنة شراء اللوحات التابعة لوزارة الثقافة مائة وعشرين جنيهًا..

وتصادف أن دعانى سفير السويد وزوجته بالقاهرة لزيارة السويد لأعرض بعض لوحاتى هناك.. وأقمت معرضًا وبعت نفس اللوحة بما يعادل خمسمائة جنيه مصرى.

- إن معظم اللوحات التى أبيعها يشتريها أجانب من السياح الذين يزورون مصر.

قلت: والذين يشترون اللوحات من المصريين أنفسهم؟

قالت: تقريبًا شبه معدومين طوال السبعة والعشرين عامًا التى أرسم خلالها من عمرى!

قلت: لماذا فى رأيك؟

قالت: لأن المسألة أولًا وأخيرًا أننا لم نحاول أن نقرب للناس أهمية أو فائدة شراء لوحة فنية..

ووقفت طويلًا أمام حديث الفنان «بيكار»، قال لى بيكار وهو يتحدث بهدوئه المعهود:

- رسمت لوحات لا عدد لها..

- وعدد اللوحات التى بعتها لا أتذكره ولكن الذى أذكره جيدًا أننى بعت ذات يوم لوحة بعشرة قروش، وعلى وجه التحديد فى ١٩٣٤ كنت أرسم ولم يكن فى جيبى ثمن الخبز الذى أحتاجه وقال لى زميل من باب «التريقة».. تبعها بعشرة صاغ؟ قلت أوافق.. وفعلًا بعت اللوحة وتسلمت العشرة قروش لأشترى ما أحتاج إليه.

ويتنهد بيكار وهو يقول لى:

- المشكلة تبدأ من هنا.. من العزلة الموجودة بين المثقفين عندنا وبين الفنانين التشكيليين..وبين الفنانين عمومًا وبين الفنانين التشكيليين. بيوت المثقفين بعضها خالٍ تمامًا من لوحة لرسام.. وإذا أراد مثقف أن يؤكد إحساسه بالفن.. وبالجمال فإنه يطلب من يعد له ديكور المنزل دون أن يفكر أو يهتم بمتطلبات هذا الديكور من لوحة جميلة لفنان تشكيلى.

إنها فضيحة..

أتحداك أن تدخل بيت كاتب- أو فنان سينمائى فتجد لوحة، فيما عدا قلة لا تذكر.. والنادر لا حكم له.

- لماذا؟.. يحدث هذا فى الوقت الذى أصبحت فيه الفنون التشكيلية لغة عالمية غزت السينما وأصبح المخرجون فى الخارج يعرضون أفلامهم بلغة الفنون التشكيلية.. والس٠ينما عندنا لا تزال بعيدة!

قلت: والآن بعد كل هذا ماذا يحدث؟

قال: إحساسنا بالجمال يتضاءل.. إن الفنون التشكيلية التى يعنيها فى حاجة إلى مؤتمر فنى لدراستها.

.. وأخيرًا..

ماذا يحدث للفنون التشكيلية عندنا؟

ألم أقل لكم إنها فى أزمة.