الجمعة 24 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

من السينما العالمية إلى عالمية السينما.. فصل من كتاب عن سينما يوسف شاهين

روبرت بشارة
روبرت بشارة

أبدأ بنقد مصطلح "السينما العالمية" لأنه التصنيف العام الذي يُطبق على جميع الأفلام المنتجة في دول العالم الثالث، والذي ينطبق في حالة هذا الكتاب على سينما المخرج المصري يوسف شاهين - الشهير بين المقربين منه باسم "جو" - بعبارة أخرى؛ تشير السينما العالمية إلى سينما الآخر، أو الأفلام المنتجة خارج إطار الحداثة الأوروبية.
ويُقصد من مصطلح السينما العالمية تعزيز التكافؤ في الظهور بين السينما والغرب، أو التعامل مع السينما باعتبارها منتج أوروبي، مما يعني عقدة نقص، وحسد سينمائي فيما يتعلق بالسينما غير الأوروبية. وبهذه الطريقة الأخيرة يتم التعامل مع السينما وكأنها شكلين فقط.. إما سينما أوروبية فقط، أو سينما أوروبية إلى حد ما. 
يكتب "قسطنطين بارفوليسكو" (2020) أن السينما العالمية هي في الأساس مفهوم أوروبي المركز والمنشأ، وهو يعارض جدليًا معنى السينما العالمية لأنه يتعارض مع وجود أي نوع آخر من السينما بما فيه "هوليوود" وكل نوع آخر من السينما. (ص 53).

بعبارة أخرى؛ فإن مصطلح "السينما العالمية" هو تعبير أكثر لطفًا عن "سينما العالم الثالث"؛ والذي يُفسر اليوم على أنه مصطلح مهين يوحي بنقص تنموي ليس فقط اقتصاديًا ولكن أيضًا نفسيًا. ومع ذلك؛ لم يكن يُنظر دائمًا إلى مصطلح "العالم الثالث" على أنه مصطلح مهين، حيث كان يُشير سابقًا إلى عدم الانحياز ثلاثي القارات في سياق حركات التحرر من الاستعمار منذ منتصف القرن العشرين، أو حتى فيما يسمى بنهاية الحرب الباردة. 
لذلك، فإن قمع مصطلح "العالم الثالث" في نظرية الفيلم المعاصرة يهدف إلى التالي:
1- الإشارة إلى الصوابية السياسية الليبرالية - أي "لست عنصريًا، لكن هذه ليست سينما؛ هذه سينما عالمية". (أو تخص بشر آخرين).2 وأيضًا دليل على رفض فكرة عدم الانحياز لأي من الأيدولوجيات، وهي الاستراتيجية التي تحاول دول العالم الثالث اتباعها، للتمرد على النظام الرأسمالي العنصري الحديث.

في حين أن اختراع تكنولوجيا السينما هو بلا شك ابتكار أمريكي- أوروبي يمكن تتبع تطوره منذ تقديم جهاز المنظار الحركي الذي اخترعه "توماس إديسون" و"ويليام ديكسون" (1891) في الولايات المتحدة، وجهاز العرض السينمائي الذي اخترعه الأخوين "لوميير" (1895) في فرنسا.

ولكن في كل الأحوال فإن التعبير السينمائي هو مسعى إنساني لا يقيده أي شكل من أشكال الأيدولوجية الثقافية، سواء كانت هذه العقيدة أو الأيدولوجية عرقية أو غير ذلك.

لماذا إذن لا تحظى صناعة السينما المصرية - التي بدأت عام 1896، وكانت قوة سينمائية رائدة في العالم العربي منذ تلك الفترة - بأي تمثيل يُذكر في أوروبا وأمريكا؟ 

بالنسبة لي؛ هذا ليس مجرد سؤال أكاديمي.. إنه أيضًا سؤال شخصي، لأن والدي (خيري بشارة) يعتبر من أكثر صانعي الأفلام تأثيرًا في العالم العربي، ومع ذلك فهو غير معروف بشكل فعلي في أوروبا وأمريكا باستثناء بعض الدوائر المتخصصة. وأنا أسأل نفسي.. ما السبب في ذلك؟

يكتب "جوزيف جوجلر" (2011): "لقد أنشأت مصر واحدة من أهم صناعات السينما في العالم.. وقد أنتجت سينما تضاهي سينما "هوليوود" ولكن على النيل أكثر من ثلاثة آلاف فيلم روائي طويل منذ عام 1924" (ص 5)، ومع ذلك فإن السينما المصرية كانت عادة يُنظر إليها بتعالٍ بدلًا من الإعجاب.. حتى بالنسبة ليوسف شاهين، الذي قال "إن الكثير من الناس في أوروبا يظنون أن كل ما يمكننا فعله هو صنع أفلام كوميدية خفيفة - بمشاهد رقص شرقي بالطبع - على الرغم من أن بعضنا كان يعمل بجد ويصنع أفلامًا أكثر قيمة، وغالبًا بميزانيات ضئيلة ". (كما هو مذكور في مجلة "فارغون"، 1997، ص 47).

يشكك شاهين في العالمية الزائفة للسينما الأمريكية-الأوروبية، والتي تتغاضى عن خصوصيتها ولكنها تعرض الخصوصية على هذا النحو على سينما الآخر، مثل السينما العربية: "يعتقد الناس أنه إذا لم تكن معروفًا في أوروبا، فأنت غير معروف على الإطلاق. أنا لست كذلك.. عالمي؟ يبدو أنه لكي تكون عالمي يجب أن تعرض أفلامك في "ويسكونسن" بأمريكا". ويضيف شاهين أن المشكلة منهجية وليست عرضية، ولها علاقة بالاستشراق، وهي الإيديولوجيا التي تحدد كيفية تمثيل الشرقيين - وبالطبع العرب - في السينما الأوروبية الأمريكية. بالنسبة إلى شاهين:
"بشكل عام، يواجه الأنجلو ساكسونيون صعوبة في قبول أن العرب لديهم حضارة عظيمة جدًا وأن لديهم ماضٍ مثير للاهتمام للغاية" (ص 87).

إن هذا الموقف المتعالي تجاه الثقافة العربية يبرر، بالنسبة للاستشراقي، النفي المهيمن للسينما العربية. النفي هو دفاع ضد التمثيلات الذاتية الجمالية للسينمائيين العرب، والتي غالبًا ما تجسد المقاومة السياسية للإمبريالية الثقافية للسينما الأوروبية الأمريكية. يمكن أن يكون هذا مثيرًا للجدل، على سبيل المثال؛ عندما يتعلق الأمر بقضية فلسطين لأن معظم الأوروبيين والأمريكيين يفشلون في رؤية الواقع المأساوي للصراع الفلسطيني وغالبًا ما يرون "الصراع" من خلال العدسة الأيديولوجية للحكومة الإسرائيلية.
في ملاحظة جانبية، علّم شاهين والدي إخراج الأفلام في المعهد العالي للسينما في مصر في الستينيات، وفي وقت لاحق، في الثمانينيات والتسعينيات، أصبحا متنافسين، خاصةً وأن كلاهما كانا يحاولان دائمًا محو الخط الفاصل بين السينما التجارية والبديلة. الأغنية الرئيسية في فيلم "المصير" والتي تقول "لسه الأغاني ممكنة"، التي يغنيها الشاعر مروان، كانت في الأصل في سيناريو كتبه والدي بعنوان "طعم الدنيا". كان فيلم "طعم الدنيا" سيقوم ببطولته أيضًا محمد منير، الممثل / المغني الذي لعب دور مروان في فيلم "المصير"، لكن هذا الفيلم لم يُصنع. ومع ذلك؛ لم يكن شاهين على علم بهذه الحقيقة، فقدم قدم الأغنية وطرحها محمد منير (المطرب) وكوثر مصطفى (الشاعرة التي كتبت كلمات الأغنية). وقد كتبت كوثر كلمات الأغنية بالتعاون مع والدي والسيناريست "يحيى عزمي".

تنتقد "لوسيا نجیب" (2006) مصطلح "السينما العالمية" أيضًا؛ لكنها تعتقد أنه يستحق النظر إليه بعد إعادة تعريفه من جديد.. وهو ما قالت عنه: "السينما العالمية ببساطة.. هي سينما كل العالم. ليس لها مركز. ليست هي السينما التي تنتجها فئة معينة، بل نحن. ليس لها بداية ولا نهاية، ولا حدود، بل هي عالمية. السينما العالمية مثل العالم نفسه، هي حركة.. السينما العالمية ليست تخصصًا، بل هي منهج، وطريقة لتجاوز تاريخ السينما وفقًا لموجات الأفلام والحركات ذات الصلة، وبالتالي إنشاء جغرافيات وحدود مرنة. كمفهوم إيجابي وشامل وديمقراطي، فإن سينما العالم تسمح للجميع بتقديم أفكارهم على اختلافها." صفحات (31): "يمكن قبول مختلف المناهج النظرية طالما لم تكن مبنية على منظور ثنائي".

يمثل المنظور الثنائي بالطبع الاستشراق، وهو خطاب يقسم العالم بشكل هرمي إلى عالم أول وثان وثالث بناءً على قياسات وهمية للتقدم الحضاري أو التطور النفسي الاقتصادي. أتعاطف مع إعادة تعريف نجيب الإيجابي، لكنني أرغب في توسيع تحليلها الممتاز باقتراح مصطلح تحليلي جديد.. وهو "عالمية السينما".
بناءً على حجج "إدوارد سعيد" (1983) حول "النقد العلماني"، فإن العالمية السينمائية تشير إلى أن الأفلام دائمًا ما تكون واقعة أو "مرتبطة ماديًا بوقتها" (صفحة 25) ؛ فهي أيضًا "جزء من العالم الاجتماعي والحياة البشرية وبالطبع اللحظات التاريخية التي توجد فيها ويتم تفسيرها" (صفحة 4). عالمية السينما هي طريقة أخرى لقول السينما العابرة للحداثة، أي الأفلام الراديكالية التي يتم إنتاجها في أي مكان في العالم.
بمعنى ما.. كل الأفلام التي تتحدث عن الفرد أو المجتمع، ولكن أفضل الأفلام العالمية والشاملة أيضًا. ما يجعل السينما ممتعة - في رأيي - يعتمد على مدى نجاح صانع الأفلام في تحقيق "قفزة مباشرة من الفردي إلى العالمي" أو من الخاص إلى العام، "متجاوزًا المستوى المتوسط للخصوصية" (جيجيك، 2000، ص 239). 

غلاف الكتاب

أعتقد أن الرؤية الإنسانية لصانع الأفلام - وليس فقط تقنيته - هي التي تسهل هذه القفزة الجمالية المباشرة من الخاص إلى العام. السينما المصرية مليئة بالأفلام الممتعة التي يتم تجاهلها للأسف في أوروبا وأمريكا، كوظيفة للاستشراق. محاولتي هنا هي تسليط الضوء على أحد هذه الأفلام غير الأوروبية لرفع الوعي النقدي للقارئ من خلال فهم موسع لعالمية السينما.

هذا الكتاب يدور حول تفرد كينونة شاهين وتعددية تفكيره السينمائي. إنه في نفس الوقت – وفي خط موازي – يبرز تفرد فكر ابن رشد وتعددية فلسفته. بعبارة أخرى؛ هذا الكتاب ليس دفاعًا عن الخصوصيات الثقافية ليوسف شاهين أو ابن رشد كموضوعات غير أوروبية. بطبيعة الحال؛ هويتيهما لها أهمية تاريخية لأعمالهما، لكنهما ليسا محور تحليلي الرئيسي.

في وقت لاحق؛ سوف أعرف المصطلح ما بعد الكولونيالي "التعددية" لمناقشة مفهوم العالمية، والذي لا توجد لدي مشكلة في استخدامه طالما أنه لا يعني التجانس أو الإقصاء.

لا يعني العالمية السينمائية سرًا العالمية الأوروبية الأمريكية بنفس الطريقة التي يُعد بها المصطلح "سينما" اختصارًا للسينما الأوروبية الأمريكية. وبالتالي، فإن العالمية السينمائية هي سينما عابرة للحداثة.
تنبع نزع الاستعمار عن العالمية السينمائية من حقيقة أنه على الرغم من نظريته وممارسته من خارج - وكمسار لانفصال كلية النظام الحديث، إلا أنه في الواقع يؤكد ويخضع إيجابية السينما الأوروبية الأمريكية مع إلغاء سلبيتها الاستشراقية، سواء كان ذلك في شكل (استعماري) لنظرية الفيلم أو غير ذلك.