الجمعة 24 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

يوسف شاهين يعود للحياة بأمريكا.. مؤلف أحدث كتاب عن «سينما جو» يتحدث

يوسف شاهين
يوسف شاهين

 المخرج الكبير رأى نفسه فى شخصية «ابن رشد» وهو يدافع عن سلطة العقل ضد المتطرفين

 روبرت بشارة: «شاهين» جسد حادثة طعن نجيب محفوظ بشخصية «مروان» فى «المصير» 

لا يتوقف يوسف شاهين عن إبهارنا أبدًا ، فرغم مرور سنوات طويلة على رحيله، يظل إبداعه متجددًا ومتدفقًا وحاضرًا لدى الأجيال الجديدة، فى مختلف الشعوب العربية والغربية.

ومنذ أيام، أعلن الكاتب والأكاديمى الأمريكى من أصول مصرية، روبرت بشارة، عن صدور كتابه «السينما العابرة للحداثة ونظرية أفلام ما بعد الكولونيالية.. دراسة فى فيلم المصير للمخرج يوسف شاهين»، والذى يتطرق فيه إلى سينما المخرج العظيم، متناولًا التقارب بين أفكاره وأفكار الفيلسوف المسلم «ابن رشد».

«حرف» تواصلت مع روبرت بشارة، للحديث عن كواليس تأليفه هذا الكتاب، والأفكار التى طرحها خلاله، إلى جانب طريقته فى نقد الجماعات الأصولية وتيارات «الإسلام السياسى» فى أعماله.

■ بداية.. ما رؤيتك بشكل عام لسينما يوسف شاهين؟ وما الذى يجعل الأجيال الجديدة ترغب فى مشاهدتها؟ وكيف يمكن تقديم رؤى جديدة عن فيلم مثل «المصير» رغم مرور أكثر من ٢٥ عامًا على عرضه؟

- هناك عناصر مشتركة فى كل أفلام يوسف شاهين، وأهم ما يميزها هو «شاهين» نفسه، كما أن عمر أفلامه يمتد لـ٥٧ عامًا، وهى مقسمة لمراحل وأنماط وأنواع مختلفة.

وأرى أن سينما «شاهين» مهمة للغاية، من حيث الموضوعات التى اختار التركيز عليها، وكيفية تقديمه هذه الموضوعات بطريقة سينمائية فريدة للغاية، فلقد أثر فى أجيال كثيرة من صانعى الأفلام فى مصر والعالم العربى، وشارك شخصيًا فى تأسيس المعهد العالى للسينما، كما أنه كان أستاذًا به لسنوات عديدة، وأرى أنه ليس من المبالغة أن نقول عليه إنه أهم صانع أفلام مصرى.

وبالنسبة لفيلم «المصير» فهو يظل عملًا وثيق الصلة بالواقع المعاصر، لأنه ليس مجرد فيلم تاريخى يمجّد الماضى، حيث الأندلس خلال تلك الفترة الذهبية من العصر الإسلامى، بل لأنه يتناول ويهتم بالحاضر والمستقبل بشكل أكبر، فهو فى جوهره نقد للواقع الاجتماعى والسياسى الراهن فى مصر والعالم العربى، فى محاولة من «شاهين» لرسم تصور لمستقبل أكثر استنارة وانفتاحًا، ومحاولة للتخلص من الأفكار الظلامية. 

كما أن الفيلم يحمل رسالة واضحة عن خطورة التعصب، سواء كان هذا التعصب دينيًا أو غير ذلك، ويقدم رؤية لمجتمع علمانى، فيه تعدديه وانفتاح. 

ويُعد «المصير» فى نظرى واحدًا من أفلام يوسف شاهين التى فهمها وأحبها الجمهور المصرى، وعلى الرغم من شهرته النسبية فى أوروبا، وتحديدًا فى فرنسا، إلا أنه غير معروف على نطاق واسع فى الولايات المتحدة على سبيل المثال، لذلك فكتابى يعتبر فرصة جيدة للتعريف بسينما «شاهين» لكل عشاق السينما فى أوروبا.

■ غلاف الكتاب لافت حيث يظهر المشهد الأخير من «المصير».. لماذا اخترت هذه اللقطة بالذات؟

- الغلاف الأمامى للكتاب صورة من المشهد الأخير للفيلم، تظهر «ابن رشد» ويلعب دوره نور الشريف، واقفًا أمام نار تلتهم كتبه، هذه اللحظة تسبق مباشرة نفيّه من مدينة قرطبة، إنها صورة قوية، لأنها تقابل مشهد البداية فى الفيلم، حيث نرى ملحدًا يُحرق حتى الموت فى فرنسا، لمجرد ترجمته بعض كتب «ابن رشد» إلى اللاتينية.

إنها نقد لأى شكل من أشكال الرقابة، مثل حظر الكتب، كما أنها تلّمح إلى حرق الكتب من قبل النازيين فى عام ١٩٣٣، الأمر الذى يربط متعصبى ما قبل الحداثة بالظاهرة الأحدث، الفاشية. كما تركز الصورة على موضوع استخدمه «شاهين» طوال الفيلم، وهو أن للفكر أجنحة، بمعنى آخر، فإن حرق الكتب لن يمحو الأفكار حقًا، لأنها تتجاوز تجسيدها المادى فى شكل كتاب وورق.

■ لماذا اخترت هذا العنوان الذى يبدو مركبًا إلى حد ما؟

- اخترت هذا العنوان، لأن الكتاب يتطرق لعدد من العناصر المركبة والمهمة، فى سينما «شاهين» فى وقت واحد، فهو من ناحية يقدم «نظرية أفلام ما بعد الكولونيالية» من خلال تحليل «السينما العابرة للحداثة» عند «شاهين»، ومن ناحية أخرى، يقدم جوانب أساسية من فلسفة «ابن رشد» الإسلامية. 

وكلا الخطان يشتبكان ويشكلان الدراسة، ومع ذلك، آمل أن يشعر القراء، الذين هم أيضًا خبراء أو مهتمون بالسينما أو بدراسات «ما بعد الكولونيالية»، بالحماس لتطبيق الطريقة التى طوّرتها على أفلام أخرى غير أوروبية.

■ قيل إن يوسف شاهين كان يطرح رسائل وأفكارًا شخصية فى «المصير» الذى نفذه كرد فعل على الهجوم العنيف من الجماعات الإسلامية المتطرفة على فيلمه «المهاجر».. ترى ما هذه الرسائل؟

- بالتأكيد كان «المصير» ردًا من «شاهين» على منع فيلمه السابق له «المهاجر» (١٩٩٤)، وهو الفيلم المتأثر بقصة النبى يوسف، لأننى وفى وجه آخر وبطريقة أخرى، أرى أن رباعية السيرة الذاتية التى قدمها «شاهين»: «إسكندرية ليه، وحدوتة مصرية، والإسكندرية كمان وكمان، والإسكندرية نيويورك»، لم تكن وحدها التى حملت سيرته، بل أرى أن كل أفلامه فعلت الأمر نفسه. لذلك أرى أن هناك نقاط تشابه بين «شاهين» و«ابن رشد».

بعبارة أخرى، رأى يوسف شاهين نفسه فى الطريقة التى دافع بها «ابن رشد» عن العقل، هذا العقل الذى ألغاه المتطرفون، أى أنه حاول إعادة الاعتبار لسلطة العقل على أى شكل من أشكال التطرف أو الاستبداد، سواء كان هذا الاستبداد لاهوتيًا أو سياسيًا. 

وهناك حادثتان أخريتان أثرتا على اختيار «شاهين» لصنع فيلم عن «ابن رشد»، الأولى طعن نجيب محفوظ عام ١٩٩٤، الذى يمثله فى الفيلم الشاعر مروان، ويؤدى دوره محمد منير، والثانية ابتعاد محسن محيى الدين عن التمثيل، فى أوائل التسعينيات، وإيمانه ببعض الأفكار التى تبنتها تلك الجماعات، والتى تميل للتشدد، ويمثله فى الفيلم «عبدالله»، الذى يؤدى دوره هانى سلامة. 

كما أن «مجزرة الأقصر» التى وقعت فى نوفمبر عام ١٩٩٧، بعد ٦ أشهر من عرض «المصير» فى شهر مايو، والتى أسفرت عن مقتل ٦٢ شخصًا، تشير إلى مدى أهمية هذا الفيلم، وقوة البصيرة التى يتمتع بها صانعه.

■ بعد كل هذه الأفكار العظيمة.. كيف تنظر لـ«شاهين» ليس فقط كفنان ولكن على المستوى الإنسانى أيضًا؟

- بالرغم من أن «شاهين» كان بلا شك عبقريًا، وعُرف بأنه سريع الغضب فى مواقع تصوير أفلامه، إلا أنه كان أيضًا شخصًا عاطفيًا وحساسًا للغاية، ومتواضعًا فى تعامله مع الناس وفى أسلوب حياته، وقد صنع أفلامًا إنسانية تتناول معاناة الطبقة العاملة والأقليات فى مصر. 

وهذا ما دفع الفيلسوف الفرنسى «جيل دولوز»، إلى اعتبار سينماه «سينما المهمشين»، ليس لأنها أقل أهمية، ولكن لأنها تنطلق بلا خجل لطرح مشاكل ورؤى الأقليات.

والشىء الأكثر قوة فى سينما «شاهين»، هو قدرته على التعامل والبدء، والانطلاق إلى أى أفق من خلال النظر إلى نفسه كفرد. هذا التأمل للنفس، وللسيرة الذاتية هو سبب الوصول إلى المستوى العالمى، أى هذا هو السبب الذى جعله يصل لجمهور أوسع من أى مخرج آخر. 

وبناءً على ذلك، أقرأ أفلامه، ليس فقط من حيث موضوعاتها العلمانية وطرح سلطة العقل فيها، ولكن أيضًا لتناولها فكرة التعددية والديمقراطية.

■ لماذا اخترت «شاهين» بالتحديد لتطبيق «النظرية السينمائية ما بعد الكولونيالية» على أحد أفلامه؟ رغم أن هناك مخرجين مصريين آخرين مميزين؟

- اخترت هذا الفيلم، لأنه يتناول مشكلة «ابن رشد» و«شاهين» معًا. ويمكننا أن نعتبر الأول «فيلسوفًا لما بعد الكولونيالية»، عبر دمج الفلسفة اليونانية القديمة، وخاصة فلسفة أرسطو، مع الفلسفة الإسلامية. 

فى الدراسات «ما بعد الكولونيالية»، يُعتبر ١٤٩٢ هو العام الذى بدأت فيه الحداثة/ الاستعمار كنظام عالمى، مع استعمار الغزاة الإسبان الأمريكتين. كما أنه يصادف العام الذى انتهى فيه الحكم الإسلامى فى شبه الجزيرة الأيبيرية بسقوط غرناطة.

وبناءً على ذلك؛ فمن الأشياء التى تستحق التأمل هو النظر إلى الأندلس من خلال عين «ابن رشد» فى القرن الثانى عشر لتخيل الحياة التى ربما كانت عليها قبل تأسيس الحداثة/ الاستعمار، لإظهار وجود حداثة ما بعد الكولونيالية قبل عام ١٤٩٢.

علاوة على ذلك، أصف سينما «شاهين» بأنها عابرة للحداثة، لأنها تدمج أفضل ما فى الحداثة. إنها سينما غير أوروبية، يمكن وصفها بأنها مصرية أو عربية أو إفريقية. وفى حين أنها تنفى استعمارية الحداثة الأوروبية، فإنها تؤكد الحداثة بمنظور أوسع، سواء كانت أوروبية أو غير أوروبية. 

لا تقتصر سينما «شاهين» على نقد الأيديولوجيا الاستعمارية فحسب، بل تمارس أيضًا النقد الذاتى، والذى يتحدث عن مناهضته لجميع أشكال السلطة، وأيضًا للأفكار الرجعية والأصولية.

■ هل توجد أفلام عربية أخرى يمكن تطبيق «النظرية السينمائية بما بعد الكولونيالية» عليها؟

- بالتأكيد، توجد أمثلة عديدة تتبادر إلى ذهنى؛ ولكن لأكون صريحًا كنت أرغب فى البداية فى كتابة الكتاب عن فيلم «يد إلهية» (٢٠٠٢) للمخرج الفلسطينى إيليا سليمان، لكنى لم أتلق الدعم والموافقة من محررى الأول. لذلك تشاجرنا، وتناقشنا لأكثر من مرة، ثم تم الاستقرار على فيلم «المصير».

وأظن أن المحرر لم يرد منى أن أكتب عن فيلم فلسطينى، بالنظر إلى أن الصراع الإسرائيلى الفلسطينى، من أكثر القضايا السياسية استقطابًا فى الولايات المتحدة.