الثلاثاء 28 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

«العهد: قصة موسى».. حياة النبي موسى في مسلسل يثير انتقادات إسرائيلية

رؤية إبراهيمية لسيرة
رؤية إبراهيمية لسيرة رسول بنى إسرائيل الأعظم

حالة كبيرة من الجدل أثارها ولا يزال المسلسل الدرامى الوثائقى الجديد Testament: The Story Of Moses أو «العهد: قصة موسى»، منذ إطلاقه على منصة «نتفليكس»، فى 27 مارس الماضى، خاصة مع أحداثه التى تتتبع حياة نبى الله موسى من الرحم إلى القبر، وهو ما جعله يتصدر قائمة «الأعلى مشاهدة» على المنصة الشهيرة.

المسلسل الوثائقى الجديد من بطولة الممثل الإسرائيلى آفى أزولاى، الذى جسد شخصية النبى موسى، وهو من إخراج الكاتب والمخرج البريطانى بنيامين روس، الذى شارك أيضًا فى كتابة العمل، إلى جانب كل من ميرون كيرك، وليندساى شبيرو.

ولاقى المسلسل اهتمامًا كبيرًا فى إسرائيل، خاصة أن موعد عرضه يتزامن مع اقترب «عيد الفصح اليهودى»، خلال أبريل الجارى، فبينما يستعد اليهود لإحياء ذكرى خروجهم من مصر، يقدَّم لهم عمل يحكى لهم القصة مرة أخرى، على المنصة الأشهر فى العالم.

يتكون مسلسل «Testament: The Story Of Moses» من ٣ حلقات، تزيد مدة كل منها على ساعة، بداية من الحلقة الأولى «النبى»، التى تتناول ميلاد نبى الله موسى ونفيه وعودته إلى مصر، والثانية «الضربات»، عن تحريره «العبرانيين» من فرعون، والثالثة «أرض الموعد»، والتى تتبع رحلته من قمة الجبل وهو يقود شعبه إلى الخلاص.

وتروى الحلقات الثلاث قصة نبى مهم فى الأديان الإبراهيمية الثلاثة، والذى تختلف نظرة كل دين منها إليه، ولعل ما دفع «نتفليكس» إلى افتتاح الحلقات بتنبيه مهم، أكدت فيه أن آراء المفسرين الواردة فى المسلسل مجرد «اجتهاد»، ولا يؤكد صناعه أنها «الحقيقة» من عدمها، معتبرة أن الهدف من العمل هو «عرض قصة موسى لأتباع الأديان الثلاثة، كما ذكرت فى الكتاب المقدس والعهد الجديد والقرآن».

لذا واجه القائمون على المسلسل مهمة معقدة، تتمثل فى إعادة رواية قصة ملحمية نعرفها جميعًا، وتحمل العديد من الأبعاد العميقة، وسبق أن رويت مرات لا تحصى، فى الكتب المقدسة للأديان الثلاثة، وتفسيرات علمائها، وحتى فى أفلام ملحمية شهيرة، مثل «الوصايا العشر» عام ١٩٥٦، بجانب نظريات التحليل النفسى، لذا إن أراد شخص ما أن يرويها مرة أخرى، الآن فى عام ٢٠٢٤، يجب أن يكون لديه شىء جديد ليقدمه.

قصة النبي موسى

وطرح العمل قصة «موسى» فى حبكة معقدة، استندت إلى الرواية الدرامية، إلى جانب عرض آراء العلماء ورجال الدين اليهود والمسيحيين والمسلمين، الذين طرح كل منهم رؤيته للقصص المعروفة، بهدف تعددية الطرح، ومرونة تفسير النصوص. على سبيل المثال، عندما يطلب «موسى» مساعدة أخيه «هارون» فى نشر رسالة الله، فسر عدد من هؤلاء العلماء الطلب بأن «موسى» كان «يتلعثم فى الكلام»، بينما أرجعه فريق آخر إلى «عدم ثقة موسى فى نفسه».

وحاول المسلسل تقديم نظرة عامة معقدة ومثيرة للاهتمام حول «موسى»، الشخصية التى يقدسها المسلمون والمسيحيون واليهود، وعملية التحول التى مر بها، منذ أن كان شابًا داخل قصر فى مصر، مرورًا بالعلاقة شبه الغامضة التى اكتشفها مع «العبرانيين» المستعبدين، ثم هروبه إلى الصحراء، حيث أصبح راعيًا لغنم فى مدين، وعودته مرة أخرى، بعد أن أدرك أنه مكلف بتحرير شعب بأكمله، وتحويل بنى إسرائيل المستعبدين فى مصر إلى أمة حقيقية.

ومن التفسيرات المثيرة للدهشة فى المسلسل، تلك التى قدمها أستاذ للدراسات الكتابية، وحاول فيها إثبات أن الدراما الحقيقية فى سفر الخروج لا تتعلق بموسى وفرعون على الإطلاق، بل بـ«إله إسرائيل الذين حارب أصنام مصر».

فيما تظهر النبوة فى حياة «موسى»، خلال أحداث المسلسل، عندما يظهر الله له طوال إحدى الحلقات، ويقول له: «أنا ما أنا عليه وما سأكون» (خروج ٣: ١٤). ولاحقًا، يقول: «أنا ما أنا عليه، وما سأكون عليه، وأنت ما أنت عليه، وما سوف تكون عليه». وكثيرًا ما يهمس الله لـ«موسى»: «أظهر لهم الطريق» مرارًا وتكرارًا، قبل أن يتحدث معه أخيرًا.

تتميز الدراما الوثائقية بتوضيح القصة بصريًا، من خلال مشاهد درامية باستخدام ممثلين، وذلك لجذب أكبر عدد ممكن من الجماهير، وجعلهم أكثر اتصالًا بالحبكة، لكن هذا يجعلها أيضًا معرضة للانتقاد.

انتقادات واسعة

وفى إسرائيل، لاقى المسلسل انتقادات واسعة، بَينها تقرير نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، نقل انتقادات عدد من الإسرائيليين للعمل، كان من بينها: «هذا مسلسل مشين!»، و«العمل يحول الله عز وجل إلى إله آخر لمصر!»، و«على الخبراء الذين ظهروا فى المسلسل إدراك أن الله سيسألهم يوم القيامة عما زعموا من كذب».

وعبر مشاهدون إسرائيليون آخرون عن صدمتهم من تضمن مشهد زفاف «موسى» و«صفورا» «ابنة النبى شعيب» قبلة فرنسية تحت المظلة، معتبرين أن صناع المسلسل «مثلوا الدين بطريقة سيئة ومثيرة للاشمئزاز»، فضلًا عن انتقاد «تقديم موسى على أنه مملوء بالذنوب»، وهو أمر ينتقص من شخصيته النبيلة المعروفة.

ولاقت بعض العبارات الواردة فى المسلسل انتقادات حادة، من بينها ما قاله أحد الخبراء: «أين كان الله خلال مئات السنين من استعباد العبرانيين فى مصر؟»، وكذلك قول خبير ثان: «الله ضرب المصريين بالعديد من المآسى، فقط لإظهار قوته، بدلًا من تحرير العبرانيين!».

كما انتقد الإسرائيليون المتدينون رفض «موسى» فى المسلسل معاقبة أولئك الذين قادوا بنى إسرائيل فى خطيئة «العجل الذهبى»، على الرغم من أنه فى القصة التوراتية، يُطلب من «أبناء لاوى» قتل ٣٠٠٠ ممن كانوا جزءًا من هذه الخطيئة.

وتضمنت الانتقادات الإسرائيلية كذلك ما طرحه المسلسل من أن الله ترك «العبرانيين» مُستَعبدين فى مصر بدون سبب، رغم أنه فى اليهودية كُشفت هذه المعاناة ذاتها ونتائجها لإبراهيم منذ وقت طويل: «فاعلم يقينًا أن نسلك سيكون متغربًا فى أرض ليست لهم، ويكونون هناك عبيدًا، فيتضايقون أربع مئة سنة. ولكنى أعاقب الأمة التى يستعبدونها، وبعد ذلك يخرجون بممتلكات جزيلة» «سفر التكوين ١٥: ١٣-١٤».

دار الانتقاد الأشمل للمسلسل فى إسرائيل حول أنه قدم صورة مُعقدة لـ«موسى»، فلم يقدمه كقائد مثالى ضمن الصورة التى اعتدنا أن نستقبلها، بل كلحم ودم، ليعرض جانبه الأكثر إنسانية والأقل نبوة، فيظهر كرجل غاضب يحاول السيطرة على غضبه مثلًا، وهو ما ينطبق أيضًا على علاقته بشعب إسرائيل، بعالمه العاطفى الداخلى، وعلاقته مع الله نفسه، التى لا تخلو من الأزمات.

ويعلق آخر على المسلسل قائلًا: «موسى اسم مصرى، وخروج شخص يحمل اسمًا مصريًا من البرية، ويدعى أنه محرر الشعب العبرى، لن يكون مختلفًا كثيرًا عن رجل يدعى كريم يظهر أمام اليهود المعاصرين ويصر على أنه منقذهم».

وتعترف الديانات الإبراهيمية الثلاث «المسيحية واليهودية والإسلام» بـ«موسى» كنبى، لكن أهميته تختلف من دين إلى آخر، لذا يبدو أن اختيار «نتفيلكس» للمعلقين فى العمل، كان محاولة لتجاهل الاختلافات الكبيرة فى الرأى، وتقديم منظور توفيقى بشكل أكبر.

وقد يتوقع المرء أن تكون وجهات النظر المسيحية واليهودية لـ«موسى» متوافقة إلى حد ما، لكن فى هذا المسلسل تتباين إلى حد كبير، فبينما يعتمد التقليد المسيحى حصريًا على أسفار موسى الخمسة، للحصول على تفاصيل حياته، يقدم «الحاخامات» الموجودون فى المسلسل الأحداث والتفسيرات الموجودة فى «المدراش» خارج «الكتاب المقدس». وبالمثل، يعتمد العلماء المسلمون على القصص التأملية الواردة فى كتبهم الدينية.

ومع ذلك، ربما يكون التعدد الدينى لهذه الدراما الوثائقية هو ميزتها الوحيدة، بالنسبة للمشاهدين الذين نشأوا على قصة محددة للغاية عن «موسى»، ليكون من المثير للاهتمام سماع وجهة نظر الديانات الأخرى حول هذه القصة.