الجمعة 24 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

موسى.. النبى اللغز

مسلسل «الوصية».. ترجمة لتصورات الأديان عن قصة النبى موسى ونبذ للاجتهادات الفكرية

مسلسل الوصية
مسلسل الوصية

لم يأخذ صناع مسلسل « موسى» باجتهادات أمثال ابن قرناس الذى قدم تفسيرًا مختلفًا لقصة النبى موسى فى القرآن

المتخصصون يضعون علامات الاستفهام حول سيرة نبى «بنى إسرائيل».. والسيرة الدرامية تستسلم لرواية القرآن 

تشكيك فى موقعية الجبل الذى كلم الله موسى من فوقه... وأثريون مصريون: القرآن يطابق التوراة... ووادى «طوى» فى سيناء 

استسلم المسلسل الوثائقى لما يشاع عن أن فرعون الخروج هو «رمسيس الثانى» وهو استسلام مشين

فى العام 2010 صدر كتاب «أحسن القصص... تاريخ الإسلام كما ورد من المصدر مع ترتيب السور حسب النزول» لمؤلف أخفى اسمه الحقيقى وأطلق على نفسه «ابن قرناس».

كان ما فعله المؤلف مستفزا دفعنى إلى البحث عنه، لكن عندما بدأت فى قراءة ما جاء فى الكتاب اكتشفت أنه ليس مهمًا مَن كتب، ولكن المهم ما كتبه، لأنه مثل بالنسبة لى انقلابًا هائلًا فى تصوراتنا وما وصلنا عن تاريخ الإسلام. 

من بين ما رأيته فى الكتاب ويدعم أن ما قدمه كان انقلابًا كبيرًا ما رواه عن النبى موسى عليه السلام. 

كتاب أحسن القصص لابن قرناس

يمكننا أن نطمئن لما أنتجه ابن قرناس بعد أن نقرأ ما قدم به كتابه، يقول: ابن قرناس لا يمثل دين الله، وأضعف من أن يتقول على الله، لكنه سمح لعقله بالتفكير، فوجد أن دين الله لا يمكن أن يمثله غير كلام الله، وما عداه من أقوال فهو رأى شخصى لقائلها، ودين الله لا يقوم على الآراء الشخصية، أرجو أن تقرأوا وتفكروا بما يقرأ، فإن كان صوابًا فليس لأنه كلام الكاتب ولكن لأنه اهتدى للصواب، وإن كان خاطئًا فلأنه بشر يخطئ وبحاجة للعودة إلى الصواب. 

ما لفت انتباهى وقتها أن قصة النبى موسى عليه السلام تحظى باهتمام خاص فى القرآن الكريم، فقد ورد اسمه ١٣٦ مرة فى ٣٤ سورة من بين الـ١١٤ سورة، هى عدد إجمالى سور القرآن الكريم، وهو حضور لم يحظ به أحد من الأنبياء جميعًا، وتكاد القصة القرآنية لنبى الله موسى أن تكون محفوظة تمامًا، وحقائقها واضحة ولا تقبل التأويل.

لكن ما فعله ابن قرناس فى كتابه يشير إلى أن هناك رؤية أخرى فيما أورده القرآن الكريم عن النبى موسى، وهى رؤية تشتبك مع حقائق اعتدنا عليها، وأعتقد أن الاقتراب منها صعب جدًا، لكن ابن قرناس لم ير فى الأمر صعوبة من أى نوع، وعبر ٧٣ صفحة من كتابه أعاد كتابة تاريخ النبى موسى من جديد.

يقول ابن قرناس: «لا يتحدث القرآن عن الفترة التى انقضت بين عصر النبى يوسف عليه السلام، حيث كان وزيرًا لمملكة مصر، وبين زمن ولادة موسى، حيث كان بنو إسرائيل الذين هم أحفاد يوسف وإخوته، يتعرضون لأشد أنواع الاضطهاد من الحاكم وممن حوله، لدرجة أن نساءهم تغتصب وأطفالهم تقتل بدم بارد.

وهو ما حدا بأم موسى- بإلهام من الله- أن تضعه فى تابوت وتلقيه فى مياه الوادى الذى تمتد على ضفتيه مساكن أهل مصر ومزارعهم: «وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه فى اليم، ولا تخافى ولا تحزنى إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين».

يشير القرآن إلى أن آل فرعون التقطوا التابوت الذى كان به موسى الصبى: «فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنًا، إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين، وقالت امرأة فرعون قرة عين لى ولك، لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون». 

فى الوقت الذى عثر فيه آل فرعون على تابوت موسى، كانت أمه فى حالة يُرثى لها، قلقًا على ما سيحدث لوليدها، وكادت أن تنهار، وتجرى مسرعة لتستجدى فرعون ألا يقتله، لكنها تجلدت: «وأصبح فؤاد أم موسى فارغا،إن كادت لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها، لتكون من المؤمنين»، وطلبت من أخته أن تذهب لمسكن فرعون بأى ذريعة لتتجسس على أحوال أخيها، وعادت البنت لتقول لأمها إن موسى بخير وإن زوجة فرعون قد أبقته كولد لها.

أخت موسى عليه السلام هى اللغز كله فى القصة، فطبقًا لما نعرفه كانت الأخت دائمة التواجد فى مسكن فرعون تتلقف الأخبار عنه، وهو ما جعلها تعرض على زوجة فرعون أن تدلهم على امرأة ترضعه وتكفله لهم، وبذلك عاد موسى عليه السلام إلى أحضان أمه.

وهنا يرجح ابن قرناس أن أخت موسى عليه السلام كانت تتردد على مسكن فرعون بحجة البحث عن أى عمل تقوم به، لأنها إن لم تفعل ذلك، فإن تواجدها يمكن أن يثير الشكوك فيها، وهو ما يشير إلى مدى الصغار والمذلة التى أصابت بنى إسرائيل فى مصر، لدرجة أنهم أصبحوا عمالًا وخدمًا لدى سكان مصر، خاصة الطبقات المخملية، كما يمكن أن يقال إن بنى إسرائيل لم يكن أحد يهتم بالتعرف على أسمائهم أو أوضاعهم، لذا لم يكن أحد فى مسكن فرعون يعرف صلة موسى بأخته، ولا صلة الأخت بأمها، مع أنها تعيش معها فى مكان واحد.

هل كلم الله موسى؟

يستقر فى الذهنية العامة أن الله كلم موسى عليه السلام من على جبل الطور فى سيناء، هل يمكن أن يقبل أحد فى هذا أى نقاش، من أى نوع؟

بالطبع لا.

ابن قرناس عنده كلام آخر. 

يقول: «بعد أن خرج موسى عليه السلام من أرض مدين، لم يتوجه إلى أرض مصر التى خرج منها، ويوضح الأمر على النحو التالى:

كان شيخ مدين وأفراد عائلته بمن فيهم زوجة موسى عليه السلام مؤمنين بدين الله، وقد وصف القرآن موسى بأنه أوتى علمًا وحكمًا منذ كان شابًا، وقبل هروبه من مصر: «ولما بلغ أشده آتيناه حكمًا وعلمًا وكذلك نجزى المحسنين»، والقرآن عندما يصف أحدًا بأنه أوتى حكمًا وعلمًا، فهو يشير إلى أنه أصبح على علاقة بالسماء، وبذلك يكون موسى عليه السلام عندما تزوج مؤمنًا بالله وكان على دين جده إبراهيم، وكانت زوجته وأهلها يدينون بنفس الدين.

وهو ما يشير إلى أن موسى وأهله غادروا مقر إقامتهم، الواقع فى أعالى جبال السروات، متجهين إلى مكة لزيارة البيت بعد المحن التى مرت به، ومن يريد الذهاب إلى مكة من هناك، فإن أسهل طريق هو طريق قوافل اللبان، القادمة من سبأ باليمن والمتجهة إلى الشام، وهو طريق يعبر السفوح الشرقية لجبال السروات، إلى أن يجتاز سوق عكاظ، ثم قرية السوء (السبيل الكبير) نزولًا إلى الشمال من مكة، ثم شرقًا من مقر إقامة شيخ مدين الصيفى فى أعالى السروات، إلى أن تعترضه جادة القوافل، ليتجه معها إلى اليسار ميممًا وجهه نحو مكة.

انتهى موسى عليه السلام من طقوس زيارة البيت الحرام، وقرر الخروج من مكة والمبيت خارجها، ولكى يعود موسى وأهله من مكة إلى المسجد الأقصى، حيث أهل زوجته، كان عليه أن يسلك نفس طريق قوافل اللبان، الذى قدم منه، ولا بد أن موسى قرر المسير حتى يقترب من طريق القوافل، والمبيت هناك، لكى يتسنى له الإنضمام لقافلة عابرة، لأن السفر وحيدًا مع زوجه ليس بالأمر المحمود ولا المأمون.

ويسأل ابن قرناس: إذا كان موسى ينوى الرجوع مع طريق القوافل، فلماذا خرج من مكة عن طريق عقبة كدى باتجاه الشمال الغربى، والتى توصله للطريق المتجه للمدينة أو جدة، بدلًا أن يخرج من مكة باتجاه الشمال مع نفس الوادى الذى يقع فيه البيت، إلى أن يصل إلى طريق القوافل، وهناك يمكنه المبيت بانتظار سيارة عابرة.

وهنا تجيب آيات القرآن الكريم فى سورة طه: «وهل آتاك حديث موسى، إذ رأى نارًا فقال لأهله امكثوا إنى آنست نارًا، لعلى آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى»، فهو قصد النار لواحد من أمرين: إما أن يأتى منها بقبس يستطيع بواسطته إشعال النار له ولزوجته، ليتسامرا عليها قبل النوم، كعادة أهل البادية إلى اليوم، والأمر الثانى وهو المهم «أو أجد على النار هدى».

فما الذى جعل موسى عليه السلام بحاجة للتأكد منه والسؤال عنه أكثر من أن يستدل على الطريق الصحيح المؤدى لطريق القوافل المتجه إلى الجنوب؟

والإجابة: كان قرار موسى عليه السلام الخروج من مكة فى المساء، والسير إلى أن يقترب من طريق القوافل صائبًا، لكنه خرج من مكة مع الطريق الخطأ، وقد كانت إرادة الله وراء ذلك، وفى وادٍ يسمى طوى يقع إلى الغرب من الحرم، وبالقرب من بئر عند تقاطع طرق يردها المسافرون، وتحمل نفس الاسم إلى الآن.

قرر موسى عليه السلام قضاء الليل، وما إن استقر به المقام، حتى رأى نارًا من بعد، فذهب إليها ليأتى منها بقبس أو جذوة يشعل منها النار له ولزوجه، ليصطليا من برودة الليل، ويتسامرا على ضوئها، وفى نفس الوقت سيسأل من يجد حول النار أن يدلوه على الإتجاه الصحيح المؤدى للطريق.

كانت المفاجأة أن موسى عليه السلام وجد شيئًا لم يتوقعه: «فلما آتاها نودى يا موسى، إنى أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى، وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى»، وطلب منه أن يخلع نعليه لأن البقعة التى يسير فيها أصبحت مقدسة بهذا التكليم.

تقع هذه البقعة المباركة على الشاطئ الأيمن من الوادى، بالقرب من شجرة وحيدة هناك: «فلما آتاها نودى من شاطئ الوادى الأيمن فى البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إنى أنا الله رب العالمين»، والجانب الأيمن من الوادى بالنسبة للقادم من مكة مثل موسى: «واذكر فى الكتاب موسى إنه كان مخلصًا وكان رسولًا نبيًا، وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيًا، ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيًا».

والطور هنا يعنى الجبل المنتصب، وكل من يقف تحته فهو طور بالنسبة له، ولو كان ارتفاعه لا يزيد عن بضع مئات من الأمتار، وموسى نودى من الجانب الأيمن للوادى، الذى يمر تحت سفح الطور «الجبل» الأيمن بالنسبة لإتجاه سيره هو.

النبي موسى والطور الأيمن 

ويذهب ابن قرناس إلى أن تضاريس مكة تغيرت ولم يعد للصورة التى كانت عليها وجود، مع التسابق المحموم وراء إقامة البنايات الشاهقة سعيًا وراء الكسب المادى دون الإلتفات لأى قيم أثرية أو دينية، بعد أن استطاعوا ترويض رجال الدين لمصالحهم، وكل ما بقى من هذه الأماكن المقدسة بئر طوى خلف باب مغلق كتب عليه: «الماء غير صالح للشرب»، وتقع فى حرى جرول، مقابل مستشفى النساء والولادة والأطفال، قرب التقاء شارع عمر بن عبدالعزبز بشاعر حسان بن ثابت.

إذا وقفت أمام هذا الباب المغلق المكتوب عليه بئر طوى- كما يقول ابن قرناس- واتجهت إلى الشمال بانحراف ناحية الشرق، فإنك ستكون فى البقعة المباركة التى تم فيها تكليم موسى، وهى على بعد لا يزيد بضع مئات من الأمتار، ومكانها الآن إحدى العمارات الشاهقة التى قضت على معالم مكة وتضاريسها. 

بعد أن تم تكليف موسى عليه السلام، ذهب إلى فرعون، وقد وصلت المواجهة بينهما إلى درجة أن موسى عليه السلام قرر الخروج ببنى إسرائيل من مصر، فبدأ موسى يدعو بنى إسرائيل خفية للانضمام إليه والاستعداد للخروج من مصر، وقد أجهد كثيرًا فى دعوته لهم برغم أنها السبيل الوحيد لنيل حريتهم واسترداد كرامتهم، ومع ذلك لم يعلن موافقته للخروج مع موسى منهم إلا قلة، وبدأ يجتمع بمن تبعه سرًا فى بيته وبيت أخيه هارون، حيث كانوا يعملون على خطة الهرب.

لكن السؤال الأهم الذى يطرحه ابن قرناس هو أين تقع مصر التى تدور فيها الأحداث؟

يقول ابن قرناس: «علينا مراجعة الآيات والتعرف على ما تحمله من ملامح ومواصفات لمصر، ثم نطبق هذه الملامح والمواصفات على الطبيعة من خلال الخرائط، لنتعرف على مصر وأين تقع وأين غرق فرعون وجنوده، وفيما يلى أهم هذه الملامح:

أولًا: مصر منطقة زراعية محدودة وليست دولة تتكون من عدة مناطق، كما هو مفهوم الدولة حاليًا، والدليل جاء من حديث أخوة يوسف مع أبيهم، عندما عادوا من مصر وأخوهم الصغير ليس معهم: «يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين، واسأل القرية التى كنا فيها والعير التى أقبلنا فيها وإنا لصادقون»، والقرية التى كانوا فيها هى مصر، والقرية فى القرآن تعنى المدينة فى مفهومنا الحالى.

ثانيًا: إن فرعون خرج يلاحق موسى وبنى إسرائيل متجهًا إلى الشرق، وهناك غرق فى البحر، ولم يكن البحر فى جهة الغرب: «فأتبعوهم مشرقين، فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إن لمدركون، قال كلا إن معى ربى سيهدين، فأوحينا إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، وأزلفنا ثم الآخرين، وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين».

وعليه فإن مصر فرعون تقع على ضفتى البحر، وهما قريبتان من بعض لدرجة أن أخت موسى، كانت تسير على ضفة وتراقب تابوت أخيها الذى التقطه العاملون فى مسكن فرعون على الضفة المقابلة، ولم يكن اليم يعنى بحرًا بعرض البحر الأحمر، وإنما هو يم بعرض الوادى.

وبالتالى فقد يكون اليم هو المسطح المائى الجارى، سواء كان مسطحًا كبيرًا كالبحر وأصغر كالنهر والوادى، وتكون مصر تقع على ضفاف وادى، وتتخللها مجارى مائية فرعية، وهذه الصورة قريبة من الوصف الذى وصفت به سورة الدخان مصر بعد الحديث عن غرق فرعون : «كم تركوا من جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين».

وباستعراض ابن قرناس لما لديه من خرائط يصل إلى أن هناك خمسة أودية كبيرة تنحدر من جبال السروات باتجاه الشرق، وتمتد إلى أطراف الربع الخالى، وتبقى المياه فيها عدة أشهر فى السنة، وهى من الشمال للجنوب، «تربة، رنية، بيشة، تثليث، ونجران» وأى منها يمكن أن يكون هو الذى قامت عليه مصر، إلا أن وادى نجران، وإن قامت على ضفتيه مناطق زراعية واسعة منذ القدم، ويقع إلى الشق ما يسمى «منقع نجران» والذى بلا شك كان بحيرة فى الماضى، إلا أنه بعيد عن مناطق رعى يعقوب لماشيته، وتثليث وإن كانت أقرب إلى نجران إلا أنها بعيدة أيضًا.

ويبقى لدينا بذلك ثلاثة أودية عليها تجمعات حضارية قديمة هى: بيشة، رنية، وتربة، والتجمعات التى عليها يمكن اعتبارها قريبة من المناطق التى يرعى فيها يعقوب وبنوه ماشيتهم، وكل هذه الأودية تتوافر فيها المياه والأراضى الزراعية الواسعة، بلغة ذلك العصر، الصالحة لزراعة القمح ونمو أشجار الزيتون، وتربة هى الأقرب للمنطقة التى كانت ماشية يعقوب ترعى فيها، لكن لا يوجد من الشرق فيها أى تجمع مائى، ولم يبق سوى رنية وبيشة، وواديهما يصبان فى بحيرة قديمة واحدة، إلا أن بيشة تقع إلى الجنوب المائل قليلًا للشرق وتبعد عن البحيرة بأكثر من ١٥٠ كم.

ويخلص ابن قرناس من ذلك إلى أن هذه المسافة يستحيل على بنى إسرائيل الهاربين من مصر الوصول إليها فى يوم أو بعض يوم، قبل أن يدركهم فرعون، إضافة إلى أنه لو كانت بيشة هى مصر، فإن هرب بنى إسرائيل سيكون نحو الحجاز وأعالى السروات لقربها منهم، ولأنها بالفعل ملجأ مناسب.

ورنية هى الوحيدة التى تقع إلى الشرق منها منطقة كبيرة لتجمع مياه الأودية المنحدرة من جبال السروات، ويصب فيها مباشرة واديا بيشة ورنية، إضافة إلى أن وادى تربة ينتهى فيها بعد أن يبتعد شرقًا ثم يدور حول كثبان رملية ويعود باتجاه الجنوب الغربى إلى نفس حوض تجمع المياه أو البحيرات القديمة التى تقع إلى شرق رنية، ولا تبعد البحيرة عن رنية سوى ٥٠ كيلو مترًا أو أقل، ورنية بعيدة عن الحجاز ومناطق الاستقرار فى أعالى السروات.

لذلك كله فإن خروج بنى إسرائيل من رنية باتجاه الشرق يظهر أنه لم يكن لديهم فكرة إلى أين سيتجهون، ولكنهم قرروا السير بجوار الوادى لعلهم يصلون لبلدة يلجأون إليها، أو أنهم قرروا أن يتجهوا بهذا الاتجاه لتضليل فرعون الذى سيلحق بهم، حيث سيظن أنهم اتجهوا نحو السروات مع الوادى، مما سيسمح لهم بالإفلات منه.

وبما إن الحقيقة تكون عادة بسيطة- كما يرى ابن قرناس- فإن رنيه وبكل بساطة هى مصر، التى كان لها ملك اسمه فرعون، وحوض تجمع المياه الذى يقع إلى الشرق منها كان عبارة عن بحيرات تصب فيها مياه السروات عبر أودية بيشة ورنيه وتربة وروافدها.

ويؤكد ابن قرناس أن البحيرة التى غرق فيها فرعون قد تكون بحيرة موسمية وليست دائمة، تمتلئ بالمياه أثناء موسم الأمطار على جبال السروات، فتتسبب بجريان أودية بيشة ورنية وتربة وغيرها التى تغذى البحيرة، وتبدأ بالتناقض حتى تجف أو تتناقص بشكل كبير فى بقية أشهر السنة، وهذا ما جعل موسى ومن معه يتجهون إليها ظنًا منهم أنها قد جفت، ولكنهم فوجئوا بأنها ما زالت ممتلئة بالمياه.

ويرى ابن قرناس أنه بعد نسخ الشريعة على الألواح وانتهاء أحداث الوادى المقدس طوى بقى موسى ومن معه من بنى إسرائيل يتنقلون فى مناطق قريبة من مكة، وعندما عاد موسى من ميقات ربه اشتكى له بنو إسرائيل أن الملل أصابهم من أكل الفطر والعسل، طوال الأربعين يومًا الماضية التى غاب فيها موسى، وتتوق أنفسهم لأنواع أخرى من الطعام، فعرض عليهم موسى دخول مكة، حيث وفرة الثمرات التى تجلب لها من كل مكان، وفى نفس الوقت زيارة البيت والتعبد لله لعدة أيام، وعليهم الدخول وهم متواضعون لله ملبين له: «وإذ قيل اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين».

لكن هذا العرض لم يعجبهم، لأن هناك حقدًا دفينًا ضد أبناء عمهم إسماعيل، نتيجة إخراج جدهم إسحاق من مكة، ولأنهم لا يبحثون عن الدين، ولكن عن متع الحياة «فبدل الذين ظلموا منهم قولًا غير الذى قيل لهم، فأرسلنا عليهم رجزًا من السماء بما كانوا يظلمون». 

أما تبريرهم الذى قدموه لموسى لعدم دخول مكة، فقد زعموا أن أهلها قساة، كما تخبرنا هذه الآيات: «يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم، ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين، قالوا يا موسى إن فيها قومًا جبارين، وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون، قال رجلان من الذين أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين، قالوا يا موسى إن لن ندخلها ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون». 

والقوم الجبارون هم سكان مكة، وسكان مكة منذ عهد إبراهيم، هم بنو إسماعيل، ووصفهم بالجبارين يظهر أنهم قساة، حسب وجهة نظر بنى إسرائيل، وليس بالضرورة أن يكونوا كذلك، لأن القرآن هنا لا يقرر حقيقة بنى إسرائيل، ولكنه ينقل ما قالوه.

حقيقة الأرض الموعودة

قرر بنو إسرائيل ألا يدخلوا مكة، اشترطوا على موسى عليه السلام شرطًا حتى يدخلوا، ولو حقق لهم شرطهم الذى اشترطوه، فسيبحثون عن عذر آخر، فكان أن عوقبوا بسبب رفضهم: « قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون فى الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين».

وعليه تكون الأرض الموعودة التى ضحك بها اليهود على العالم مجرد تأويل وتحريف لمعنى كلام موسى لهم، عندما أبلغهم أن الله غضب عليهم لرفضهم دخول القرية التى هى مكة، بغرض العبادة والحج، وأنه حرم عليهم دخولها لمدة أربعين سنة، فجاء دور المفسرين والكتاب اليهود، وأولوا هذا الكلام، وصوروا ما حدث أن بنى إسرائيل ضاعوا فى الصحراء يسيرون على غير هدى. 

لا يمكننا الاعتماد على قراءة ابن قرناس لقصة موسى، هى فقط قراءة من قراءات كثيرة، صحيح أنها تنسف كل الثوابت التى استقرت عليها القصة، كما رأينا، لكنها فى النهاية لا تصمد أمام القراءات الأخرى التى تستند على حقائق تاريخية. 

لقد قلبت فى أوراقى بحثًا عما قدمه ابن قرناس منذ أربعة عشر عامًا، وأنا أشاهد مسلسل «الوصية... قصة النبى موسى» الذى عرضته منصة «نتفليكس» نهايات مارس ٢٠٢٤، وهو المسلسل الذى قدمه صناعه على أنه رؤية استكشافية لقصة موسى بناء على دمج آراء علماء دين ومؤرخين من مختلف الديانات والثقافات، وقد عمدوا إلى الاستعانة بمتخصصين من الأديان الثلاثة « اليهودية - المسيحية- الإسلام» فى محاولة لتقديم رؤية إبراهيمية لقصة النبى موسى. 

لا أستطيع عزل هذه المحاولة بالطبع عن محاولات ترسيخ الديانة الإبراهيمية فى وجدان البشرية، وهى المحاولة التى بدأت منذ سنوات لأهداف أقلها ثقافى وأغلبها دينى. 

الترويج الأكبر للمسلسل عمد إلى أنه رؤية توراتية لقصة موسى، لكنه فى غالبه كان يعتمد على الرؤية القرآنية وترتيبها لقصة النبى موسى، هناك بعض الاختلافات التى لا نستطيع تجاهلها، فمن تبنت موسى فى التوراة هى أخت فرعون، بينما من تبنته فى القرآن هى زوجته آسيا بنت مزاحم، لكن خلاف ذلك يحتل القرآن السورة بشكل كبير، وربما كان هذا للتأكيد على المنابت التوراتية للقرآن... وهى حيلة أعتقد أنها لا يمكن أن تخفى على أحد. 

يمكننا أن نتعامل مع هذه المحاولة بسوء نية، فمن يقول إن القرآن نابت من التوراة يريد أن يجعله تابعًا. 

فى هذه القصة نفسها هناك من يدفع بالتشابه بين التوراة والقرآن. 

ففى التوراة آية تقول: «شال نعليخا معال رجليخا كى همكوم أشير اتا عوميد علاف ادمات قودش هوا»، وترجمتها «انزع نعليك من رجليك لأنك بالأرض المقدسة هوا»، وفى القرآن نقرأ «اخلع نعليك إنك بالوادى المقدس طوى». 

وتفسيرنا على حسن النية يؤكد أن التوراة والقرآن من عند إله واحد... كلامه واحد وروايته للقصة واحدة. 

لم يأخذ صناع مسلسل « موسى» باجتهادات أمثال ابن قرناس الذى قدم تفسيرًا مختلفًا لقصة النبى موسى فى القرآن، ولكن اعتمدوا على التفسيرات الكلاسيكية التى استقر عليها الناس، فجبل الطور فى سيناء والوادى المقدس طوى فى منطقة دير سانت كاترين والأرض الموعودة هى فلسطين وليست مكة، والبحر الذى عبره موسى هو البحر الأحمر. 

لقد حاول ابن قرناس مصادرة قصة النبى موسى كلها، ليخرج مصر منها والاستقرار بها فى مكة، وهو ما يخالفه فيه علماء آثار كثيرون، من بينهم الدكتور عبدالرحيم ريحان، الذى أسهم بدراسات عديدة عن قصة الخروج. 

فى واحدة من دراساته يؤكد ريحان أن كل الدراسات التاريخية استقرت على أن الموقع الذى تجلى الله عليه كان عند شجرة العليقة المقدسة التى تقع حاليًا داخل دير سانت كاترين. 

لم يكن ابن قرناس وحده من حاول مصادرة قصة تجلى الله فى سيناء لصالح مكان آخر، فهناك من أشار إلى أن مكان التجلى كان على جبل « كركوم» الموجود فى صحراء النقب. 

تفسير الدكتور عبدالرحيم ريحان لقصة الخروج

لقد قام الدكتور ريحان بدراسة شاملة لرحلة الخروج، ووصل إلى أنها بدأت بعيون موسى حيث تفجرت الاثنتا عشرة عينا ثم منطقة «سرابيت الخادم» حيث طلب بنو إسرائيل من موسى أن يجعل لهم إلهًا، ثم منطقة الطور المشرفة على خليج السويس موقع طور سيناء حاليًا، وهى المنطقة التى عبدوا فيها العجل الذهبى بمنطقة قريبة من البحر، ثم جبل الشريعة حيث تلقى موسى الألواح، ثم انتقل ببنى إسرائيل عبر وادى حبران من طور سيناء إلى الجبل المقدس بالوادى المقدس طوى، وهى منطقة سانت كاترين حاليًا. 

ويذهب الدكتور ريحان إلى أن الذين ادعوا أن بنى إسرائيل أول من أطلق على سيناء هذا الاسم كاذبون تمامًا. 

فسيناء التى ذكرت فى القرآن باسم « سينين» تعنى أسنة الجبال، ومعناها اللغوى بلاد الأحجار، وسميت بذلك لكثرة جبالها، وكان الفراعنة يسمونها «توشيت» أى أرض الجدب والعراء، وجاء اسمها فى التوراة «حوريب» أى الأرض الخراب وسماها الإغريق» أربيا بيترا» أى بلاد العرب الحجرية، ويشهد معبد «سرابيت الخادم» بجنوب سيناء على تقديس « حتحور» التى أطلق عليها سيدة الفيروز، وكذلك «سوبد» الذى أطلق عليه «نب توشيت» أى رب سيناء. 

لقد استسلم المسلسل الوثائقى لما يشاع عن أن فرعون الخروج هو «رمسيس الثانى» وهو استسلام مشين، فجثة رمسيس الثانى المحنطة والمحفوظة لدينا فى مصر تشير إلى أنه لم يمت غريقًا، ولا يزال فرعون الخروج لغزًا من ألغاز التاريخ المصرى التى لم يصل أحد إلى حلها.