الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

عصام السيد: ليس عندى أسلوب.. وعلى المخرج المسرحى أن يسأل نفسه.. من هو جمهوره؟

المخرج المسرحى عصام
المخرج المسرحى عصام السيد

- قدمت أكثر من ستين عرضًا مسرحيًا تخلو من النصوص الأجنبية

- فى كل أعمالى أخلط بين أساليب ومناهج إخراجية مختلفة

- ولد المخرج المسرحى عصام السيد عام 1952 ودون شك تفتحت عيناه على العالم فى لحظة فارقة من عمر التاريخ المصرى، لحظة شهدت تحولات جذرية فى مسار هذا الوطن، وتفتح وعيه فى ظل هذا التحول الذى حمل معه تغيرات سياسية وثقافية واجتماعية فى المجتمع المصرى، ودون شك آمن هذا الجيل بشعارات يوليو والحقبة الناصرية بكل تجلياتها، وشارك فى الحياة السياسية مطلع السبعينيات التى شهدت تحولات أخرى كان لها تأثير كبير على هذا الجيل بعد أن هوت مطرقة 67 على رءوس الجميع، تغيرت قناعات، وتبددت أحلام، ليقف هذا الجيل من المسرحيين على تخوم النهضة التى صنعها جيل الستينيات، يشاهد ما تبقى من آثارها ويعيش بدايات السقوط والتراجع، وكان لزامًا عليه أن يبحث عن طريق بعد أن انحرف القطار عن مساره، القطار الذى كان يسير بسرعة هائلة، توقف ثم خرج عن مساره! فكان أمام هذا الجيل البحث عن طرق أخرى مختلفة عن مسار جيل الستينيات، كان عليه أن يقرأ التحولات التى شهدها المجتمع المصرى فى سبعينيات القرن العشرين. 

كان التاريخ رحيمًا بهذا الجيل الذى صدمته نكسة ١٩٦٧، فلم تمر سوى ست سنوات حتى تحقق نصر أكتوبر ٧٣ فشعر هؤلاء بشىء من الطمأنينة ولكن كانت حقبة السبعينيات زاخرة بالأحداث القوية ومنها الانفتاح الاقتصادى الذى لم يقتصر على البضائع المستوردة من ملابس وأجهزة كهربائية وسجائر وغيرها، بل كان تأثيره المدوى على القيم والثوابت، فتغير الجمهور، جمهور المسرح الذى آمن بالحراك الثورى بعد يوليو ١٩٥٢ وعاش مبادئ الاشتراكية ونال نصيبه من قوانين الإصلاح الزراعى، كما نال نصيبه أيضًا من سطوة السلطات التى استضافت عددًا كبيرًا من أهل الرأى فى معتقلاتها، ومع هذا شهدت الستينيات نهضة أدبية وفنية لا يمكن إنكارها، وكان على الجيل التالى للستينيات الذى أسميه «جيل النهضة والسقوط» أن يبحث عن طريق فى خضم هذه التحولات الكبرى التى شهدها المجتمع، وكان على هذا الجيل من مخرجى المسرح ومنهم محسن حلمى وعصام السيد وناصر عبدالمنعم ورفاقهم أن يعلنوا عن اختلافهم من خلال أساليب واتجاهات جديدة فى الإخراج المسرحى، وأيضًا البحث عن نصوص مسرحية تقرأ أسئلة اللحظة وتحولات المشهد ما بعد الستينيات. وفى هذا الحوار أطرح على المخرج المسرحى عصام السيد هذه الأفكار حول جيل ما بعد الستينيات وكيف اشتبك مع الواقع فى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضى وصولًا إلى العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين.. حيث قدم عصام السيد ما يزيد على ٦٠ عملًا مسرحيًا احترافيًا منذ عام ١٩٨١ وحتى الآن فى مسرح الدولة والقطاع الخاص، والتليفزيون، والثقافة الجماهيرية، والاحتفالات القومية، انحاز خلالها إلى الظواهر المسرحية الشعبية المصرية مع الأخذ فى الاعتبار الاستفادة من المناهج الإخراجية العالمية. 

■ حين تقدم عرضًا مسرحيًا ماذا تريد، أى ما الهدف من المسرح، ما الغاية التى تسعى إليها من العرض المسرحى، هل هى أهداف ذاتية تتعلق بذات المبدع، أم أهداف عامة تتعلق بالجمهور وقضايا اللحظة الراهنة، أم كلاهما معًا؟ 

- لا بد وأن ننظر إلى فترة التكوين للإجابة على هذا السؤال: أنا ابن الطبقة المتوسطة التى اهتمت بتعليم أولادها كوسيلة للصعود الاجتماعى أو على الأقل الحفاظ على مكانتهم فى نفس الطبقة، ولكنها اهتمت أيضًا بتثقيفهم وصادف هذا اهتمام من الدولة، أذكر أننا صيفًا كانت المتعة المتاحة والمجانية أن نشترك فى مكتبة شبرا العامة ونستعير منها الكتب، كما كانت مكتبة الوالد مليئة بكتب الأدب والشعر، إذن هنا أرضية ثقافية تتكون وتمهد لتكوين ثقافى مختلف، أذكر أننى فى فترة الثانوى كنت أشترى من مصروفى كتاب الهلال، وأيضًا روايات الهلال التى كانت تنشر عيون الأدب، ففيها قرأت أمريكا لكافكا وهملت شكسبير بترجمة جبرا ابراهيم جبرا على سبيل المثال لا الحصر، وفى الجامعة كنت اشترى أعداد مجلة الطليعة بانتظام، وهذا وفر لى خلفية ثقافية إلى حد ما. 

وخلال الأحداث التى مرت على الوطن تأثر كل فرد حسب ثقافته واهتمامه بالشأن العام، وحيث إننا كجيل وضعنا طوال الوقت فى ظروف استثنائية: حرب ٥٦، الوحدة، الانفصال، حرب اليمن، التحول الاشتراكى، النكسة، حرب ٧٣، الانفتاح الاقتصادى، صعود الجماعات الإسلامية، الصلح مع العدو، اغتيال رأس الدولة، انتشار حوادث الإرهاب، التوريث، ثورة ٢٥ يناير، حكم الإخوان، ثورة ٣٠ يونيو، كلها أحداث تنقلك من الساخن إلى البارد والعكس بسرعة رهيبة لا تعطيك الفرصة للتكيف أو حتى استيعاب المتغيرات وكلها أثرت على جيلنا.

■ إذن أنت تعنى أن هذه الأحداث التى ازدحمت بها الطفولة وسنوات التكوين وامتدت لترافقك سنوات طويلة كان لها دور أساسى ليس فقط فى تحديد مسارك المسرحى بل فى انحيازك الفكرى والأيديولوجى؟ 

- هذه حقيقة وأقول لك: إننى حين التحقت بجامعة عين شمس فى ١٩٧٠ كانت تزخر بتيارات سياسية كثيرة ومتناحرة وتحاول استقطاب الطلاب، ما بين تنظيمات يسارية وأخرى ناصرية وتيارات ليبرالية غير منظمة أضيفت لهم تيارات إسلامية من بعد عام ٧٥ وكنا بحكم التجاور نطلع على أفكار كل التيارات. حتى النشاط الفنى فى الجامعة ارتبط بالسياسة أو لنقل كان له ارتباط وثيق بالمجتمع، فاتحاد طلاب جامعة عين شمس الذى ارتبط فى غالبه بالتيار الناصرى كان صيفًا يقوم برحلات فى القرى تسمى «قوافل فنية» لتقديم عروض مسرح وموسيقى وكورال وفنون شعبية فى المناطق المحرومة، وفيما بعد صاحبت القوافل بعض المساعدات الطبية، أذكر على سبيل المثال أن أول عرض من إخراجى لمنتخب الجامعة كان «الفيل يا ملك الزمان» للسورى سعد الله ونوس فى أول تقديم له فى مصر وعرضت فى مصنع كيما بأسوان حيث شاهدها العمال. وشهدت الجامعة فى نفس الفترة حراكًا ثقافيًا، ساعدنا فيه الكبار على أن ننهل من الثقافة العالمية ويكفى مثلًا أن يتعرف طالب على سعد الله ونوس ليقدمه لأول مرة فى مصر ولو ذكرت لك أسماء من أبناء جيلى فى الجامعة ممن استمروا فى الحقل الفنى لوجدت فيهم مثالًا طيبًا للفنان الملتزم بقضايا بلده. وهكذا وبسبب هذا التكوين الثقافى والبيئة الحاضنة سواء على مستوى الأسرة أو مرحلة التعليم الجامعى جعل هناك ارتباطًا بالشأن العام لا أستطيع الفكاك منه، ولذا فاختياراتى كلها تنحاز لمسرح ملتزم، حتى عندما أقدم مسرحًا تجاريًا يسعى للترفيه فقط فهو مسرح لا يسعى للتغييب. وحتى عندما ظهرت تيارات تنفى أن للفن رسالة وتنحى إلى مغامرات فنية ليس لها جذور مجتمعية، كنت أنصح تلاميذى بألا يقدموا مسرحًا يشاهدونه هم وزملاؤهم فقط. 

■ حين تختار نصًا مسرحيًا، هل تدور هذه الأسئلة بذهنك، وأقصد هذه القضايا الفكرية التى بدأت من سنوات التكوين؟

- تعلمت فى بداية حياتى أنه على المخرج أن يسأل نفسه قبل تقديم أى عمل: من هو جمهورك؟ وبالتالى كان هذا السؤال دائمًا وأبدًا ما يحدد اختياراتى، والمسرح لا يصلح بلا جمهور، وأيضًا مسرح النخبة أو المتعالى على الناس لا أبتغيه ولا أفضله. ومن خلال الإجابة على سؤال من هو جمهورك ستحدد ما الغاية من العرض وسيحدد كل هذا ما الهدف من المسرح ولكن لا بد من الإقرار هنا بأنه مهما كانت الرسالة التى يتضمنها العرض، أو ارتباطه بالقضايا الراهنة فلا بد أن يتوفر فيه «المتعة» فلا فن بلا متعة، هكذا تعلمنا من أبو المسرح السياسى الكاتب الألمانى برتولد بريشت.

■ أنت تختار النصوص بمواصفات، لك معايير خاصة، فحين تختار، على سبيل المثال سعد الله ونوس، نعمان عاشور، لينين الرملى الذى قدمت له عددًا كبيرًا من النصوص، وغيرهم، ومن ناحية أخرى قدمت عروضًا عن نصوص متواضعة فى المسرح التجارى.. لماذا؟ 

- المسرح هو المسرح فى جميع الأماكن والجهات سواء الخاص أو العام، وأنا دائمًا أبحث عن النص الجيد، والنصوص التى قدمتها للمسرح التجارى لم تكن متواضعة بدليل أن فيها نصين للينين الرملى، ونصًا لألفريد فرج، ونصًا مأخوذًا عن داريو فو، وقدمت مع سعيد صالح مسرحًا سياسيًا، حتى عندما قدمت مسرحًا للفضائيات العربية كان يتكلم عن الهم السياسى والاجتماعى المصرى، هل هناك من قدم مسرحًا فى قناة تليفزيونية عربية يناقش الحد الأدنى للأجور، وقضايا كالتحرش ونظام التعليم... إلخ.

كما أن معظم النصوص الأخرى التى قدمتها فى القطاع الخاص مأخوذة من نصوص أجنبية. ولذا فنادرًا ما تجد نصوصًا متواضعة كما قلت كل ما فى الأمر أنك لا تستطيع الحكم على النصوص فى القطاع الخاص بعد فترة من العروض وتدخلات وارتجالات السادة الممثلين، بالإضافة إلى أن مقياس النص الجيد لم يعد مدى تطابقه مع القواعد الأرسطية، فهناك مسرح ما بعد الدراما الذى مارسته منذ درب عسكر ولم أكن قد قرأت عنه. 

■ وفى سياق تجربة لينين كيف استفدت من هذه التجرية، وهل تعاملك مع كاتب واحد فيما يزيد على عشرة عروض يضيف لك أم من الأفضل التنقل بين تجارب عديدة، وهل هذا أيضًا مفيد للكاتب؟

- عشرة عروض من ما يزيد على ٦٠ عرضًا نسبة ليست كبيرة، ولكن ارتباطى بلينين جاء لأسباب فنية بحتة، فنحن مختلفان سياسيًا ولكنى خلال رحلتى كانت نصوص لينين الأكثر إحكامًا والأكثر ارتباطًا بواقعنا، بالإضافة إلى نوع من التفاهم ما بيننا لم يحدث بينى وبين أى مؤلف آخر وربما مقالتى عن لينين «ضحك كالبكاء» توضح عناصر هذا التفاهم.

■ قدمت ما يقرب من ستين عرضًا مسرحيًا تخلو تقريبًا من النصوص الأجنبية.. لماذا؟ وهل كان قرارًا أم مجرد صدفة؟ 

- قدمت أكثر من ستين عرضًا مسرحيًا تخلو من النصوص الأجنبية لأننى وجدت نصوصًا مصرية تتكلم فى قضايا أقرب إلينا من النصوص الأجنبية، وفى فترة معينة كنت أعتبر النصوص الأجنبية وسيلة هروب من مواجهة مشاكل المجتمع إلا أننى استفدت من نصوص أجنبية تم تمصيرها أو اقتباسها فى القطاع الخاص. 

■ مارست الإخراج المسرحى فى القطاع الخاص، ومسرح الدولة والثقافة الجماهيرية، ومسرح التليفزيون، ومؤخرًا الفضائيات، كيف استطعت أن تحافظ على شخصيتك، أسلوبك كمخرج بين هذه الاتجاهات التى يصل الخلاف بينها إلى حد التناقض؟

- أكرر هنا أن المسرح بالنسبة لى هو المسرح مهما اختلفت جهة الإنتاج، وحاولت طوال حياتى ألا أقدم ما أخجل منه فيما بعد- أقول حاولت- ولكننى هنا لا بد أن أتوقف لأوضح أمرين: 

الأول: ليس لى أسلوب محدد فى الإخراج، وتلك ميزة لى فلم أكرر نفسى، فالنص هو ما يفرض على طريقة تقديمه وكذلك توقيت تقديمه، فعلى سبيل المثال: تعمدت أن أقدم «فى بيتنا شبح» عام ٢٠١٢ بأبسط طريقة ممكنة وبأسلوب تقليدى «برغم أن النص ممتلئ بالرموز والإسقاطات»، وكان من الممكن تناوله فى فترة أخرى بأسلوب إخراجى مختلف ولكنى كنت أريد الوصول إلى أبسط المتفرجين تفكيرًا، فالعرض يتم تقديمه فى فترة ساخنة سياسيًا وفى مسرح ميامى بوسط البلد وعلى مقربة منك فى ميدان التحرير لا تزال المظاهرات مشتعلة. ومثال آخر: عندما قدمت «وباحلم يا مصر» كانت عينى على جيل الشباب الذين لا يعرفون رفاعة الطهطاوى، ولذا كان العرض يستخدم أساليب حديثة مع اهتمام شديد بالمتعة البصرية ووجود أغانٍ بألحان تتوافق مع جيل الشباب، ولذا وبرغم أن العمل به كثير من المعلومات ويكاد يشبه المسرح التسجيلى لكن جيل الشباب أحبه وأقبل على العرض، ولكن صادف العرض كثيرًا من سوء الحظ فى إغلاقات متكررة لأسباب سياسية وفى النهاية إغلاق تام لأسباب شخصية.

الثانى: أننى فى كل أعمالى أخلط بين أساليب ومناهج إخراجية مختلفة وأتوخى أن تكون النتيجة النهائية ممتعة، فحتى لو لم تصلك رسالة العرض فعلى الأقل ستستمتع ولن تغادر مقعدك قبل نهاية العرض، وهذا مهم جدًا فى أى عرض مسرحى سواء كان فى القطاع العام أو الخاص... «وللحديث بقية».