الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

تهافت السينما المصرية.. من التناول الساذج إلى السقوط الأخلاقي

السينما
السينما

- سينما الألفينيات قدمت لنشء وشباب مصر مجموعة أفكار تصل إلى حد السذاجة والعته العقلى

- تم ترويج أكذوبة كبرى أن هذا هو ما يريده الجمهور أو «الزبون» وفى هذا اعترافٌ ضمنى بالسقوط المهنى والأخلاقى

- بعض أعمال عادل إمام كان يمكنها أن تصبح علامات بارزة فى السينما لو توافر لها بعض القوة لدى عناصر العمل الفنى الأخرى

- النجم نور الشريف كان قريبًا جدًا من الهرب من الأفكار الاشتراكية فى أفلامه لكنه لم يستطع

لدى مكتبتى الإلكترونية الخاصة، والتى أعتبر أن أثمن محتوياتها هو مجمل الأعمال الفنية المصرية فى عقود طويلة بين أفلام سينمائية وأغانٍ متنوعة وبعض حفلات الشيخ ياسين التهامى. شاهدتُ بعض الأفلام عشرات المرات، ولا أملّ من تكرار مشاهدتها، ولدىّ يقين بأن كنوز الدراما المصرية بشقيها السينمائى والمسلسلات التليفزيونية من أنشط وأنجح مفردات قوة مصر الناعمة خاصة فى عقود القرن الماضى. ورغم عشقى لهذه الأعمال المصرية العظيمة، لكننى كنتُ أشاهدها كل عدة سنوات بمنظورٍ مختلف ورؤية جديدة. وهنا فأنا لا أتطرق إطلاقًا إلى فنيات السينما وأدواتها المختلفة التى يجيد الحديث عنها أهل الصنعة من مبدعين ونقاد. لكن حديثى- كمشاهد مصرى عايش فترات تاريخية وأحداثًا ناقشتْها تلك الأعمال- إنما يتطرق فقط لما قدمته هذه الأعمال من قيم سياسية واجتماعية، ومدى تأثيرها على العقل المصرى الجمعى، وأخيرًا مدى نجاحها فى التصدى لبعض ما واجهته البلاد المصرية من مآزق فى فترات تاريخية مختلفة.

- دراويش الفكر الاشتراكى يسيطرون على سينما الثمانينيات والتسعينيات

أبدأ بسينما الثمانينيات والتسعينيات التى اكتظت بكوكبة من المبدعين من ذوى التأثير، وتميزت بثراء الإنتاج وتميزه، حتى إن كثيرًا من تلك الأفلام غدت أيقونات فنية وعلامات فارقة فى تاريخ السينما المصرية. وأول ما توقفتُ عنده هو التوجه السياسى الذى تبنته هذه الأعمال، والتى أرى أنها لم تكن قادرة على استيعاب التحول السياسى الذى كانت مصر على أعتابه بعد نصر أكتوبر وتوقيع اتفاقية السلام. فقد كانت مصر فى حاجة إلى توجه سياسى جديد يدعو إلى أن تلتقط مصر أنفاسها وتشرع فى بناء دولة عصرية حديثة تتبنى توجهات سياسية رأسمالية تستطيع من خلاله استثمار مواردها بشكلٍ يسمح باستيعاب مواطنيها. على النقيض من ذلك فقد تبنت السينما المصرية توجهًا معاديًا لهذا التوجه الجديد، وقامت بشيطنة أى تغيير يتصادم مع إرث الستينيات وأفكار الاشتراكية. فنجد فيضًا من الأعمال الفنية المميزة لنجوم كبار، لكنها اتفقت بشكل عام على تقديم رجال الأعمال وأصحاب الأموال دائمًا فى صورة فاسدة غير وطنية، وتحولت بعض هذه الأعمال إلى بكائيات على حقبة الاشتراكية!

أعتقد أن المشكلة كانت تكمن دائمًا فى أفكار وأيديولوجيات المؤلفين الذين كانوا يسيطرون على الساحة الفنية. لقد دفعت مصر عقليًا ثمن سيطرة «دراويش» الفكر الاشتراكى على الإبداع السينمائى! فلو راجعنا قائمة أهم وأشهر هذه الأفلام سنفاجأ بأننا أمام حالة غريبة متناقضة تمامًا مع ما كانت تحتاجه مصر سياسيًا ومجتمعيًا.. لم تقم السينما بدورها المفترض بأن تصبح قاطرة التغيير أو عقل التفكير!

مجتمعيًا.. خلقت السينما المصرية حالة عقلية جمعية مفادها أن الدولة ظالمة فاسدة تبيع كل شىء. وقدمت شخصية البطل فى صورة منحرف، لكنها تقدم مبررات لانحرافه أو أحيانًا لإجرامِه! حدث هذا فى سنوات حكم مبارك الأولى، والتى نعلم جميعًا أنها كانت سنوات نشطة زخرت بالبناء ومحاولة التغيير الاقتصادى، وكانت معه كوكبة مهمة من أصحاب الأسماء الذين لا يختلف على وطنيتهم وكفاءتهم أحد، فمثلًا «منتصر» بطل فيلم الهروب الشهير كان مزورًا بعد إنهاء فترة تجنيده، ولم يكن موقفه من شريكه «مدحت» إلا انحيازًا لأقاربه وليس صحوة ضمير، ثم ينجرف لارتكاب جملة من الجرائم!

اقرا ايضًا: محمد الباز يكتب: شهادة بقرن غزال.. كيف ذبح محمد الغزالى فرج فودة فى قبره؟

وبطل فيلم «ضد الحكومة» محامٍ فاسد، لكن الفيلم يصر على تقديم مبررات له لكى نتخدنق معه! أفلام عادل إمام فى نفس الفترة كانت تكرر نفس الفكرة، لكن بشكل أكثر فظاظة، فالبطل يكون منحرفًا بشكل صريح، لكن صناع أى فيلم أيضًا يصرون على منحه دفاعًا مجانيًا!

ما قدمته السينما المصرية بشكل عام خلال هذين العقدين من قيم سياسية واجتماعية يتمثل فى أن كل رجال الأعمال لصوص وفاسدون، وأن الساسة فاسدون! وأن أى مواطن كسول لا يتمتع بأية مواهب أو قدرات أو مؤهلات علمية عملية حقيقية تؤهله للترقى المجتمعى، أن هذا المواطن يمكنه أن يكون هو البطل والنموذج، وهو المظلوم مجتمعيًا وسياسيًا، وهو الذى يمكنه أن يجد من يبرر له تحوله فى أى لحظة إلى مجرم حقيقى!

كانت خطورة هذه الأفكار تكمن فى الشعبية الجارفة التى تمتع بها نجوم الصف الأول من الممثلين، وعدم وجود أية منافسة حقيقية يمكنها أن تقدم قيمًا مختلفة.. حيث تم إنتاج هذه الأعمال فى سنوات ما قبل وجود قنوات تليفزيونية فضائية.. لقد تشبع المصريون بهذه الأفكار لدرجة أنها بقيت مصاحبة للأجيال المعاصرة لها حتى الآن!

على الوجه الآخر فقد غابت أو فشلت السينما المصرية فى نفس هذه العقود فى القيام بدورها الحقيقى فى خوض أهم معركتين كانت الدولة المصرية تخوضهما. الأولى هى معركة الانفجار السكانى. يمكن القول بغياب أو انسحاب السينما من هذه المعركة، باستثناء عمل واحد مهم هو «أفواه وأرانب».. رغم أن نهاية الفيلم جاءت متفقة مع الهوى المصرى العام، نهاية سعيدة، لكنها كانت تكريسًا لنفس اتجاه التواكل والكسل والتنطع!

أما المعركة الثانية والأخطر، فهى معركة التطرف الدينى والإرهاب المسلح. وفى هذه المعركة توفرت النوايا الطيبة، وكانت هناك مبادرات قام بها فنانون كبار، ونجد فى القائمة أسماء بعض الأعمال التى تم إنتاجها خصيصًا لخوض هذه المعركة.. لكن للأسف طغت السطحية الشديدة على مضمون هذه الأعمال لدرجة تقرب من الكوميديا الحزينة! ففى الوقت الذى كان معسكر الإرهاب والتطرف يرتع فى مساجد مصر ويحاول السيطرة على العقول المصرية بالدين، فقد قدمت الأفلام - مثل «الإرهاب» لنادية الجندى، و«الإرهابى» لعادل إمام وغيرهما - هذه الجماعات فى صورة ربما خدمت معسكر التطرف أكثر ما خدمت الدولة المصرية! صورة هزلية أكثر منها حقيقية تغوص فى أعماق فكر هذه الجماعات!

كان لدى صناع السينما بعد حرب أكتوبر كنزٌ حقيقى وهو نصر أكتوبر. كان يمكنهم أن ينهلوا من هذا الكنز الملهم ما يجعلهم يصنعون أعمالًا خالدة. لكن هذا لم يحدث، وبقيت الأعمال السينمائية المصرية التى تناولت قصة هذا الإعجاز المصرى بعيدة تمامًا عن بلوغ أو حتى الاقتراب من حقيقة ما حدث. غالبية الأعمال قدمت النصر فى مشاهد مكررة تقليدية مأخوذة كلها أو أغلبها من فيلم «الرصاصة لا تزال فى جيبى». وبعضها الآخر قدم النصر فى ثنايا قصة درامية لا علاقة لها بالنصر. لم تنجح الأعمال السينمائية المصرية فى تقديم جرائم الصهيونية ضد المصريين باستثناء مشهدين، أحدهما فى نفس الفيلم وهو مشهد قتل الأسرى المصريين. والمشهد الآخر مشهد فيلم «أبناء الصمت» للسيد راضى أثناء رحلته كجندى مصرى فى صحراء سيناء. لم يتم تقديم أعمال سينمائية تصور جرائم قتل ودفن الأسرى المصريين فى صحراء سيناء بعد كارثة ٦٧، ولم يتم تقديم أعمال عسكرية بالمعنى المفهوم لمعركة أو معارك موثقة من نصر أكتوبر، رغم توفر المواد الوثائقية لدى المؤسسات الرسمية! انتظرت مصر طويلًا حتى يرى المصريون مثلًا أعمالًا تصور بطولات البحرية المصرية كما حدث فى فيلم «الطريق إلى إيلات»!

أعتقد أن ما حدث كان توجهًا فكريًا لدى كثير من المؤلفين والمبدعين مفاده الانشغال عن معجزة النصر بالهجوم على الدولة المصرية بعد توقيع اتفاقية السلام وبدء مرحلة التحول الاقتصادى! هذا التوجه جعلهم لا يقتربون اقترابًا حقيقيًا معلوماتيًا من تفاصيل النصر!

من همام إلى أبوالعربى.. أفلام «العته» السياسى والاجتماعى

فى نهايات التسعينيات، بدأت سينما جديدة فى مصر أطلق عليها «السينما الشبابية». انطلقت بقوة فى العقد الأول من القرن الجديد، واستفادت تقنيًا من ثورة الإنتاج السينمائى. يمكن أن نطلق على هذه الموجة التى احتلت دور السينما المصرية بأنها كانت أفلامًا كوميدية أو اجتماعية خفيفة. بعض النجوم الجدد تبنوا مصطلحات أخرى مثل السينما النظيفة قاصدين بذلك أنها سينما دون مشاهد ساخنة، أو مشاهد قبلات، بينما استمر آخرون فى تقديم أفلامهم دون التقيد بهذه المضامين، وإن كانت أفلامهم أيضًا قدمت المحتوى الفكرى نفسه!

لكن الغريب أن أفلام «السينما النظيفة»، كما أطلق عليها أصحابها، امتلأت بمشاهد غير نظيفة، وتغلبت عليها إيحاءات فى غاية الفظاظة، مثل: مشاهد أفلام هانى رمزى التى تكررت كثيرًا جدًا، وكان من الواضح افتعالها، وإقحامها على أحداث كل فيلم، وأفلام هنيدى لم تخلُ من ذلك!

من حيث القيم السياسية التى قدمتها هذه الأفلام، يمكن القول إنها لم تقدم شيئًا! كانت سينما خفيفة تتناسب مع نفور غالبية الأجيال الجديدة من فكرة الثقافة العميقة، وتتناسب تمامًا مع وصلت إليه أمور التعليم والثقافة فى مصر بعد مرور سنوات مبارك الأولى فى الحكم، وانزواء كثير من ذوى الأسماء المهمة سياسيًا وثقافيًا جانبًا من المشهد العام!

اقرا ايضًا: محمد الباز يكتب: مجرد فقاعات أدبية يا صديقى

أما على سبيل القيم المجتمعية، فيمكن القول إنها قدمت لمصر أزمة كبرى! فقد قدمت لنشء وشباب مصر مجموعة أفكار تصل إلى حد السذاجة والعته العقلى! غالبية هذه الأفلام قامت على فكرة واحدة تتباين فى تفاصيلها وأسماء أبطالها وشخوصها. فكرة شاب فاشل، لم يتعلم بشكل جيد، لم يقم بتعليم نفسه أى مهارات حرفية يمكنه أن يبرع بها أو حتى يعمل بها، ثم يقابل بنتًا غنية جدًا، متعلمة جدًا، جميلة جدًا وتبدأ قصة خزعبلية تلغى تمامًا كل مفردات العقل والمنطق، ويحاول صانعو الفيلم أن يجعلوا من هذه القصة أسطورة عشق على غير الحقيقة! 

فى ثنايا القصة نجد دائمًا الشاب الآخر، المتعلم الثرى أحيانًا والمنافس لبطلنا الفاشل، فاسدًا طامعًا فى ثروتها، لصًا بغير أخلاق! الشاب، الذى لم يتعلم أى شىء يمكنه أن يجيده بعد أن ينهى مراحل تعليمه يبدأ فى سب الظروف والبلد ويصبح حلمه أن يسافر لأوروبا، وليس دولة عربية للعمل كعامل مثلًا! يعتقد أن مجرد سفره، بغض النظر عن مؤهلاته، سوف يجعل منه النمر الأسود، ويحلم بأن يكون «مُوهَمّد»!

يتناسون أن «موهمد»، أو أحمد زكى فى النمر الأسود، كان يحمل فى يديه سلاحين هامين حين سافر لألمانيا، الأول: هو صنعته كخراط فى زمن توهج الصناعة فى ألمانيا، والثانى: أنه ملاكم! 

لم يذهب ليقوم بتنصيب نفسه «سايس» دراجات سمج فى وسط العاصمة الهولندية، ثم يستطيع، وهو دون أى مؤهلات عمل ولا لغة، فى سنواتٍ قليلة أن يقوم بشراء أكبر مطعم فى هولندا! 

ولا ننسى قطعًا مشهد الفلفل والتوابل، وأغنية الحلم العربى، وصورة مسجد القبة!

هذا الفيلم تحديدًا، همام فى أمستردام، والذى نجح نجاحًا كبيرًا فى وقته، يمكن أن يكون نموذجًا مثاليًا لسينما هذه الفترة.. فمثلًا لم يختلف «بلية» كثيرًا عنه، وهو الذى أقنعنا فى النهاية أن بلية بكل مقوماته الشكلية والمهنية والاجتماعية يصبح هو «الـﭽان» الذى سوف تقع فى غرامه فتاة بجمال وإمكانات غادة عادل فى ذروة شبابها! وفيلم «أبوالعربى» وسذاجته المفرطة فى سفريته، ثم التقاطه وسط البحر ليجدَ نفسه محاطًا بالنساء والأموال! وفيلم «عايز حقى» وغيرها.. كل هذه الأفلام قامت، دون أن نشعر، بخلق حالة عامة بين شباب هذه الفترة بالسخط على أحوالهم، دون أن يسأل أحدهم نفسه: كيف قام بتأهيلها لمجابهة الحياة أو حتى اكتسابه لمهنة تؤهله لسوق العمل! وبعد تفجر السوشيال ميديا فى مصر، وقبيل أحداث يناير كنا نقرأ هذا فيما يكتبه شباب مصر عن «الدول الأوروبية»، وكيف كانوا يصفون أو يتوهمون الحياة بها وأن مصر لو فقط تسمح لهم بالرحيل! أوهام كبرى تجرعتها هذه الأجيال صنعتها بشكل رئيسى السينما الشبابية، ودفعت مصر ثمنها!

أما فيما يتعلق بمواجهة مشاكل مصر الحقيقية، فقد ظلت السينما على سطحيتها الفكرية فى مواجهة الإرهاب، ولم تقترب أو تتصدى لمواجهة الانفجار السكانى، ولم تتجرأ على معارضة رجال الدين فى مسائل مجتمعية خالصة. لقد نجحت دراما التليفزيون بشكلٍ كبير فى بعض هذه الملفات على غير ما قامت به السينما!

أفلام خالد يوسف، وبغض النظر عما يمكن أن يوجه لها من انتقادات، كانت هى الأقوى فى كشف بعض ما ترتب على الانفجار السكانى. فمثلًا الفيلم الفظ «حين ميسرة» قام بعرض للمناطق العشوائية بشكلٍ صدم كثيرًا من المصريين، لكنها كانت حقيقة ما وصلت إليه مصر بالفعل. لكننى أرى أن سينما خالد يوسف استمرت على خط السطحية فى مواجهة الإرهاب.. ربما عرضت بشكلٍ أقوى لجرائمه، لكنها كانت أبعد ما تكون عن تقديم مناقشة موضوعية حقيقية للفكر ذاته!

ظاهرة أخرى اجتاحت السينما المصرية فيما قبيل وبعد أحداث يناير، وهى اجتياح منتجين لا علاقة لهم بالفن أو الفكر، هذه الصناعة.. هؤلاء المنتجون حاولوا تحقيق أرباح كبرى بغض النظر عما يتم تقديمه.. لقد حاول بعضهم تحويل الفن السينمائى إلى ما يقرب إلى أفلام البورنو، وعلب الليل، وانجرف للأسف بعض أصحاب الأسماء اللامعة من النجوم لهذا الفخ بحجة عدم وجود منتجين آخرين. أضافت هذه الفئة من المنتجين سببًا آخر لوسم سينما هذين العقدين الزمنيين بأنها فى غالبيتها كانت، من الناحية الفكرية، سينما هدامة، أو على أقل تقدير خارج التاريخ الفنى المصرى!

نصل إلى نقطة مهمة جدًا.. فكرة تقديم الحلول.. افتقرت السينما المصرية فى هذه العقود الأربعة إلى وجود فكر علمى حقيقى يتم تقديمه فى الأفلام، هذا فيما يخص الأفلام التى اعتقد صناعها أنهم لا يقدمون سينما للتسلية، وإنما يقدمون فنًا يعبر عن مصر. 

تم ترويج أكذوبة كبرى أن هذا هو ما يريده الجمهور أو «الزبون»! وفى هذا اعترافٌ ضمنى بالسقوط المهنى والأخلاقى. فحين كان يتسرب من الاستديوهات الساقطة عملٌ مميز، كان يلتف حوله المصريون فى صفعة كبرى لهؤلاء الذين كانوا يتربعون على مقاعد مهنية ليست لهم! ولو حدث أن كانت شرائح عمرية ومجتمعية معينة تجد متعتها فى فئة أفلام تجار النخاسة، فكان أولى بالقائمين على هذه الصناعة المهمة أن يقوموا بدورهم فى الارتقاء بأذواق وعقول وأرواح المصريين، لا أن يقوموا بدور «ويتر» متعة فى كازينو ليلى!

ما أعرضه لا يمكن اعتباره تعميمًا لكل الأفلام السينمائية فى هذه العقود الأربعة، إنما يعبر عن موجة عامة ذات خصائص معينة فى كل عقد كانت تجتاح سينما هذا العقد، لكن هذا لم يمنع خروج أعمال استثنائية فريدة خرجت عن هذا النسق. ومرة أخرى ما أتحدث عنه لا علاقة له بفنيات وأدوات السينما، وإنما عن جانب واحد من جوانب هذه الصناعة. وهذا الجانب هو القيم السياسية والاجتماعية التى قدمتها السينما ومدى تأثيرها على العقل المصرى الجمعى!

الفرص الضائعة فى سينما الزعماء الخمسة!

«أحمد زكى - نور الشريف - عادل إمام - محمود عبدالعزيز - حسين فهمى».. أعتقد أن هؤلاء هم زعماء السينما المصرية فى أهم فتراتها، وهى الفترة موضوع حديثى. جمعتنى مصادفة مهنية مع أحدهم وهو المثقف جدًا نور الشريف. منذ سنوات كنتُ المرشد السياحى لمجموعة على متن إحدى البواخر السياحية ببحيرة ناصر، وكان نور الشريف أحد أفراد هذه المجموعة. أربعة أيام جمعتنا خلالها حوارات ثقافية وفكرية امتدت لساعات، وكان مسلسله الحاج متولى مذاعًا منذ فترة قريبة، وكان يستعد لعمل درامى آخر أعتقد أنه «العطار والسبع بنات». اكتشفت خلال هذه الحوارات أنه على قدرٍ متميز من الثقافة التاريخية واللغوية. كما عرفت كثيرًا من آرائه الفكرية والسياسية التى لا أعتقد من الكياسة أن أذكرها فى هذا الموضع، كما عرفتُ منه بعض آرائه فى بعض كبار النجوم وقتها، وجمعنا رأى واحد متوافق وإيجابى فى أحمد زكى وعبدالعزيز مخيون. وأخبرته برأيى بصراحة فى كثير من أعماله، خاصة فيلم «ناجى العلى» الذى كان يثير لديه شجنًا خاصًا لما كلفه من خسارة مالية كبرى! لكنه تقبل رأيى برحابة صدر كبيرة!

لا شك أن أعمال هؤلاء الخمسة الكبار كانت الأكثر تأثيرًا بصفة عامة فى وجدان المصريين. ربما لم يجتمع المصريون على شىء فنى كما اجتمعوا على الاحتفاء بأعمال هؤلاء الذين يمثلون كتيبة قوية من كتائب قوة مصر الناعمة. فكل واحدٍ منهم يمثل مدرسة فنية مستقلة. اجتهدوا كثيرا بخلاف ما حباهم الله من قبول لدى قطاعات كبيرة من المصريين والعرب. بلغوا بالاجتهاد والارتقاء بإبداعهم ذروة المجد. لكننى أعتقد أننا لم نُخرج كل ما كان يتمتع به كل منهم، وينطبق عليهم أنه كان فى الإمكان أبدع مما كان! كان ممكنًا أن نحصل على المزيد من موهبة هؤلاء وتميزهم وعبقريتهم لو توافر الفكر والرؤية المؤسسية لصناعة السينما!

اقرا ايضًا: محمد الباز يكتب: صلاح جاهين ينتصر على محمد الغزالى فى معركة أز ياء النساء

يمكننى أن ألقى الضوء على ما قدمه كلٌ منهم، وهذه رؤية خاصة كمشاهد عادى. فبعض أعمال زعيم الكوميديا فى العالم العربى عادل إمام كان يمكنها أن تصبح علامات بارزة فى السينما المصرية من حيث محتواها القيمى لو توافر لها بعض القوة لدى عناصر العمل الفنى الأخرى؛ بخلاف الزعيم نفسه! فلو كان للمخرج مثلًا من القوة والكاريزما القدر الكافى للسيطرة على شطحات الزعيم؛ لخرجت هذه الأعمال فى صورة أخرى أكثر قيمة. فمثلًا فيلم «رسالة إلى الوالى» كان يمكنه أن يصبح عملًا متفردًا لو لم يسقط الفيلم فى فخ التحرشات الجنسية الفظة من أول مشاهد الفيلم حتى آخرها! وفيلم «المنسى» أيضًا لو لم يسقط فى فخ التطرف الاشتراكى الشديد فى تقديم أبشع صورة ممكنة لرجل الأعمال، لربما كُتب للفيلم مصيرٌ آخر أفضل كثيرًا! ثم سقط الزعيم فى شرك آخر هو تقديم سلسلة من الأفلام التجارية التى تقدم وتكرس لفكرة البطل الشعبى فى صورة لص أو مجرم، ويتم التخديم فى الفيلم للوصول بالمشاهد إلى مشاعر متعسفة من التعاطف مع المجرم! 

بل نفاجأ فى الفيلم الفانتزى «الإرهاب والكباب» بفكرة أكثر خطورة.. كان سبب أزمة البطل هو أداء مجموعة من الموظفين والموظفات. فجأة وبعد أن وجد المواطنُ السلاحَ فى يده نفاجأ بأنهم جميعًا يصطفون معًا فى مواجهة السلطة! أى يتحول المذنب فى لحظة إلى ضحية ما دام الجرس سوف يُعلق فى رقبة السلطة!

القدير أحمد زكى قدم مجموعة مهمة من الأفلام اتسمت بالسمت الاشتراكى المحض، مثل أفلام «المخطوفة، والحب فوق هضبة الهرم، ولا أكذب ولكنى أتجمل، وولاد الإيه، وحسن اللول، وغيرها»! أفلام وقفت دون فكرة التصالح الإنسانى مع فكرة اختلاف مصائر وأنصبة البشر فى الحياة، وهى فكرة منطقية الوجود. ثم قدم فكرة أغرب منها فى فيلم «ضد الحكومة».. يمر مرورًا عابرًا على وجوب وجود نظام صارم يعاقب صغار الموظفين، ويعتقد أن عقاب الوزير هو الهدف الأسمى، فى حين أن واقع مصر يقول إن كثيرًا من مصائبها إنما سببها فساد مجتمعى عام يرتع فيه الأفراد العاديون. فلو تمت معاقبة السائق متعاطى المخدرات، أو عامل التحويلة المهمل، عقابًا رادعًا، لانخفض معدل حوادث الطرق والسكك الحديدية! لقد صبت مجمل هذه الأفكار فى تكوين شعور جمعى عام بتحلل الأفراد العاديين من أى إحساس بالمسئولية المجتمعية، واعتقاد الجميع ببراءة المواطنين من كل إثم!

النجم نور الشريف كان قريبًا جدًا من الهرب من الأفكار الاشتراكية فى أفلامه، لكنه لم يستطع وقدم مجموعة من الأعمال المتشابهة، التى كرست نفس فكرة شيطنة رجال الأعمال وتقديمهم وكأنهم مجموعة من مصاصى الدماء الفاسدين! مثل «عفريت النهار، والرقص مع الذئاب، و١٣١ أشغال، وضربة معلم»، وغيرها. لكنه تميز بتقديم عدد من الأفلام الجريئة، مثل أفلامه عن وجوب تحرر العلم من أى أفكار خرافية فى رائعته «قاهر الزمن»!

حسين فهمى كان أحرص من باقى هذه الكوكبة فى الوقوع فى نفس الفخ، وتميزت أعماله بالاعتدال الفكرى وربما تكون لخلفيته الاجتماعية دور أساسى فى ذلك. فكان كثيرٌ من أعماله ذات طابع فلسفى أو رومانسى كما كان الحال مع محمود عبدالعزيز.

الغريب أن هؤلاء قدموا مجموعة من الأفلام فى السبعينيات كانت على النقيض تمامًا مما قدموه فى الثمانينيات والتسعينيات! ففى استجابة سريعة جدًا وربما بعناية وتكليف رسمى، تم تقديم مجموعة أفلام تهاجم بشراسة فترة عبدالناصر، وتكيل لها اتهامات متشنجة جدًا مثل «إحنا بتوع الأتوبيس - التحويلة - البرىء - الكرنك»! رغم قوة هذه الأفلام وتراجيديتها الشديدة، لكنها لم تكن تقدم أفكارًا عادلة أو منطقية للحكم على حقبة عبدالناصر بكل زخمها، كما كانت تختزلها فى ادعاءات التعذيب والاعتقال التى ثبت بعد ذلك كذب كثيرٍ منها ودعائيتها السياسية!

الفنانون هم مؤدون منفذون لما تفيض به عقول المبدعين والمؤلفين. لذلك لا يمكن محاكمة النجوم على قيم ما قدموه، لكن يمكن مساءلتهم أدبيًا على اختياراتهم. فلو كان هناك فقرٌ فكرى فى الأعمال السينمائية، فمن يُسأل عن ذلك هم المفكرون وكتاب الروايات والسيناريوهات السينمائية ويتبعهم فى ذلك المخرجون، الذين يصبحون مسئولين مسؤلية تامة عن العمل السينمائى بأكمله. 

ومن المشاهد السينمائية المهمة والكاشفة لهذا الفكر، ما ورد فى الفيلم المميز «اللعب مع الكبار».. فبطل الفيلم «حسن» شاب عاطل، له سابقة جنائية، أى لن يستطيع الحصول على وظيفة بشكل سهل، لا أحلام له، يقضى وقته على المقاهى... إلخ.. ثم فى نهاية الفيلم يقدم له ضابط أمن الدولة فرصة ثمينة للعمل بشكل رسمى شريف يمكنه من مواصلة الحياة.. لكنه يرفض.. ثم يجيب عن سبب الرفض بجملة أراها هى لب الفكرة.. «أنا عين البلد مش عين الحكومة!»! 

هذه الفكرة هى الاعتقاد السائد بين فئة من المبدعين، أن المبدع يجب أن يكون دائمًا فى خندق معادٍ أو مضاد للسلطة! أعتقد أن كثيرًا من مبدعى مصر قد وقعوا فى هذا الشرك واختاروا الطريق الأسهل! 

نعم هذا هو الطريق الأسهل أن تقنع نفسك كمبدع أنك مناضل ضد السلطة فتجذب كتل الجماهير! لكن الطريق الأصعب لأى مبدع هو أن يستطيع مواجهة الكتل الجماهيرية بعيوبها الحقيقية، ولا يضع نصب عينيه الحصول على صيحات إعجابهم بقدر ما يضع نصب عينيه تقديم إبداع حقيقى. البقاء والخلود للإبداع الحقيقى لا الإبداع المداعب لرغبات الجماهير ومجاراتها!

بداية هذا الطريق شاقة وفارزة ومغربلة للمبدعين الحقيقيين، لكن فى النهاية سوف تقودنا إلى تقديم إبداع وفن حقيقى يُكتب له الخلود!