الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

محمد الباز يكتب: مجرد فقاعات أدبية يا صديقى

الدكتور محمد الباز
الدكتور محمد الباز و علاء الاسوانى وكنزى مدبولى

- كنزى مدبولى وعلاء الأسوانى.. من عشوائيات السياسة إلى عشوائيات السوشيال ميديا 

- علاء الأسوانى لم يضع الأدب فى خدمة السياسة بل الأدق أنه جعل الأدب والسياسة فى خدمة نفسه

- عندما أقارن بين ظاهرة كنزى مدبولى وظاهرة علاء الأسوانى لا أجد فارقًا كبيرًا بينهما فكل منهما نتاج لحالة عشوائية

كنت أستعد لدخول القاعة التى تُعقد فيها ندوة كتابى «إمام التفكير.. زيارة جديدة لنصر حامد أبوزيد»، عندما سمعت ضجة وصراخًا وأقدامًا تتسارع بحركة مريبة، لم ألتفت لما يجرى، كانت لدينا مناقشة تمنيت أن تكون ساخنة، وهو ما جرى، فقد كان المناقش هو الدكتور محمد سالم أبوعاصى، أستاذ التفسير وعميد كلية الدراسات العليا السابق بجامعة الأزهر، ومدير الندوة هو الصديق العزيز الإذاعى اللامع محمد عبدالعزيز. 

انتهت الندوة التى كنت راضيًا عنها تمامًا، فالقاعة احتفت بنصر، الاحتفاء الذى يليق به، والمناقش كان على قدر الكاتب، وعلى قدر نصر، وكم سعدت ببعض من تحدثوا، وقالوا إنهم غيَّروا وجهة نظرهم تمامًا فى أبوزيد بعد قراءة الكتاب، اعتبرت ما قيل شهادة على أن الكتابة لا تزال تؤتى ثمارها. 

قادنى فضولى الصحفى للسؤال عن الضجة التى اعترضت طريقى قبل دخول القاعة، فسمعت اسمًا واحدًا فقط هو «كنزى مدبولى». 

بحثت فوجدت أنها كانت توقع روايتها الأولى «فرصة من ذهب»، وأن قراءها تزاحموا عليها، للدرجة التى دفعت إدارة المعرض لإنهاء حفل التوقيع، وتفريق الجموع المحتشدة التى كانت تطارد الأخت كنزى، حتى تحصل على توقيعها، ثم عرفت بعد ذلك أن طبعات الرواية توالت خلال أيام حتى وصلت إلى ١٧ طبعة «!!!!».. وعلامات التعجب من عندى بالطبع. 

يبالغ البعض فى تصوير ما حدث، سمعت أحد النقاد الكبار يقول فى أسى وأسف: يبدو أننا نعيش زمن كنزى مدبولى. 

لم يصل الأمر إلى هذه الدرجة بالطبع، فكنزى مدبولى ليست إلا فقاعة، ولا يمكن وصفها بأنها فقاعة أدبية، لأن ما تفعله لا علاقة له بالأدب لا من قريب أو بعيد، فالفتاة الصغيرة المولودة فى العام ١٩٩٩، وجدت نفسها فجأة فى دائرة الشهرة، يسعى خلفها آلاف المعجبين والمعجبات، لا لشىء إلا لأنها أصبحت «بلوجر» تقدم محتوى خاصًا عبر السوشيال ميديا. 

حتى العام ٢٠١٧ لم يكن لكنزى أى ذكر، مجرد فتاة بدأت دراستها فى كلية الإعلام بالأكاديمية العربية للنقل والتكنولوجيا الحديثة، بدأت تقدم فيديوهات تخاطب بها بنات جيلها بطريقتهن، ولما ارتبطت بفراس مهيب، بدأت تقدم فيديوهات عن مشاكل المرتبطين بطريقة درامية رأى البعض أنها كوميدية ودمها خفيف ولا أكثر من ذلك. 

لا يعرف أحد لكنزى مدبولى أى اهتمامات أدبية، ولا يعرف أحد عنها حبها للقراءة، وليس بعيدًا أن تكون كتبت روايتها الأولى دون أن تكون قرأت قبلها أى كتاب أو رواية أو معرفة بالأدب المصرى وكتابه، هذا فضلًا عن نقاده بالطبع، اللهم أسماء نبيل فاروق وأحمد خالد توفيق ويمكن أحمد مراد بفعل الشهرة وليس بتأثير الكتابة.. هذا إذا كانت تعرفهم من الأساس. 

السؤال هو: ما الذى يدفع فتاة صغيرة مثل كنزى لأن تكتب رواية؟ أو ما الذى يجعلها تملك الجرأة لتصف ما كتبته بأنه رواية؟ 

دعونا نتفق على أنها ليست رواية، فهى مجرد حكاية كتبتها بنت صغيرة استلهمت فيها حياتها، فهى تحكى عن فتاة شابة أطلقت عليها اسم نور، تملك حلمًا كبيرًا فى أن تصبح كاتبة ناجحة ومشهورة، لكنها تواجه تحديات كثيرة تحُول بينها وبين تحقيق حلمها، فالأهل والأصدقاء والمجتمع يقفون فى وجهها- لم تحدد أسبابًا مقنعة لذلك- هذا غير عدم ثقتها فى نفسها، لكنها تتحدى الجميع، لا تستسلم وتستمر فى سعيها لتحقيق حلمها، وعندما تلتقى بشاب فى نفس سنها اسمه فارس «لاحظ اقتراب اسمه من اسم خطيبها»، يدعمها فى تحقيق حلمها ويقف إلى جوارها لتذليل كل الصعاب حتى تصل إلى ما تريد. 

لقد رأت كنزى- وأمرها هنا لا يهمنى فهى مجرد نموذج لما يجرى على الأرض- أنها حققت جماهيرية كبيرة حصدت من ورائها مكاسب هائلة لمجرد أنها تقدم محتوى سطحيًا ساذجًا لا عمق فيه، فمن أين تأتى بالعمق وهى بلا تجربة ولا قراءات ولا تعليم جيد، فما المانع فى أن تنزل إلى السوق بحكاية لا تقل سذاجة ولا سطحية عن فيديوهاتها، فهى تضمن أن جمهورها سيخطف الرواية، وهو ما حدث بالفعل. 

لا يمكن أن أتعالى على التجربة، فما دامت الحكاية التى كتبتها كنزى وجدت من يشتريها، فهى حتمًا تلبى لديهم احتياجًا ما، ثم إن كنزى سرعان ما ستتلاشى، كما تلاشى قبلها آخرون ساروا على طريقها، فما جرى معها جرى قبل ذلك مع زاب ثروت وعلى غزلان- رغم احترامى لتجربة على- فقد أحدثوا ضجة هائلة فى المعرض عندما كانوا يوقعون كتبهم التى ذابت فى الفراغ كما ذابوا. 

ما يشغلنى حقًا هو صناعة الفقاعات الأدبية التى تترك أثرًا سلبيًا بدرجة كبيرة فى مجالنا العام. 

قبل سنوات وعندما صدرت رواية «عمارة يعقوبيان» لعلاء الأسوانى، جرت عملية تصنيع لكاتب متوسط القيمة، لم تلاقِ أعماله السابقة أى نجاح يذكر. 

لقد دخل علاء الأسوانى إلى عالم الأدب من عيادة الأسنان التى كان يملكها فى جاردن سيتى، كان الأديب الكبير جمال الغيطانى واحدًا من زبائنه، وجلسة فى الثانية قدم علاء لجمال بعض أعماله، ويبدو أن جمال جامله حتى يكون رفيقًا به وهو على كرسى العيادة، فنشر له بعض أعماله، ومن باب المجاملة أيضًا أثنى عليه. 

كانت «عمارة يعقوبيان» مجرد رواية تجارية، لا تزيد على أعمال خليل حنا تادرس، حشد علاء فيها كل التوابل التجارية، ودفع بها إلى السوق، ولم يكن يتوقع أن تحدث الرواية كل هذه الضجة، لكن الهوى السياسى تلقفها وأعاد إنتاجها مرة أخرى. 

صدرت الرواية فى طبعتها الأولى عن دار ميريت، فلم يلتفت لها أحد، لكن عندما صدرت طبعة منها عن دار الشروق بدأت مرحلة جديدة فى حياتها وحياة كاتبها. 

كان الجو السياسى مشحونًا ضد نظام مبارك بدرجة كبيرة، وكان علاء قد جسد فى روايته شخصية تتشابه إلى حد كبير مع شخصية القطب السياسى الراحل كمال الشاذلى، وهو ما نبه له يحيى الجمل فى مقال له بالأهرام، فبدأ الجميع فى الانتباه إليها والكتابة عنها وإجراء الحوارات مع صاحبها، ولم يكن ذلك لعبقرية علاء أو عبقرية الرواية ولكن كيدًا فى مبارك ونظامه، ولما التفت وحيد حامد إلى الرواية وحولها إلى فيلم سينمائى ربح علاء ما لم يربحه أديب غيره. 

بعد عرض الفيلم كنت أحاور علاء فى عيادته، ويومها شكا لى من وحيد حامد، وأنه لم يعطه حقه، فرغم كل المكاسب التى حققها الفيلم فإنه لم يحصل على أكثر من عشرة آلاف جنيه، ولما كلم وحيد رفض أن يمنحه مليمًا زيادة لأنه سبق وحصل على حقوقه، وأن عماد أديب الذى أنتج الفيلم تدخل وعرض تعويض علاء، وهو ما لم يحدث. 

ألمحت إلى ما قاله علاء دون تصريح، ففهم وحيد، حدثنى فالتقيت به فى مقره الدائم على مائدة فندق «جراند حياة» وبالصدفة كلمه علاء وأنا جالس معه، فتح وحيد سماعة التليفون لأسمع علاء وهو ينفى تمامًا أن يكون قال شيئًا، وأننى أريد الإيقاع بينهما، فقطع وحيد عليه الطريق، ووقتها كان الإخوان قد بدأوا فى مطاردة وحيد بسبب الفيلم، فقال له: جرى إيه يا علاء.. جرى إيه؟ هو أنا هواجه الحنش اللى عايز ياكلنى، ولا هابص للفار اللى عايز يلاعبنى؟.. عيب.. عيب كده يا علاء.

توقعت أن يرد علاء الإهانة، فوحيد حامد يصفه بالفأر، لكن المفاجأة أن علاء ابتلع الإهانة وصمت، وختم المكالمة بتذلل شديد، قال لوحيد: أنا بس كنت عايز أوضح موقفى يا أستاذ. 

بعد عمارة يعقوبيان أصدر علاء روايته «شيكاغو» التى حشد فيها كمًا هائلًا من مشاهد الجنس، فهو لا يملك بضاعة أخرى يأتى بجمهوره إليه غيرها، ثم أصدر روايته «نادى السيارات»، فمرت مرورًا عابرًا دون أن يلتفت إليها أو إليه أحد، ولما أعاد أعماله القصيصة الأولى طمعًا فى الانتشار تعامل معها الجمهور تعاملًا عاديًا.

بعد الثورة تحول علاء الأسوانى إلى زعيم سياسى، وكان مشهد خناقته مع أحمد شفيق المرتب بعناية على قناة «أون تى فى» سببًا إضافيًا فى منحه رصيدًا فى شارع سياسى يعانى من العشوائية الشديدة، فلا ثوابت ولا معايير. 

بعد ثورة ٣٠ يونيو وبعد أن وصف الرئيس السيسى بأنه «شارل ديجول» مصر، انقلب على عقبيه، ولما أصدر روايته «جمهورية كأن» سقطت سقوطًا يوازى سقوطه، فما قدمه لم يكن إلا منشورًا سياسيًا من كاتب موتور، اعتقد أنه سيكون فيلسوف الدولة ومُنظرها، فتم تجاهله لأنه لم يملك شيئًا يقدمه. 

كان النقاد الكبار يعرفون قدر علاء جيدًا، لكنهم استسلموا لضجة السوق التى أحاطت به، فشاركوا فى الزفة، ودفعت دار النشر كتابها الكبار ليثنوا على علاء، ففعلوا دون أن يناقشوا، وكنت أتعجب من كاتب كبير مثل جلال أمين، كيف له أن يثنى على هذا الغثاء الذى يقدمه علاء، رغم أنه يخالف كل ما يقدمه ويدعو له. 

الأدباء الكبار سكتوا عن ظاهرة علاء الأسوانى، قرروا أن يستفيدوا منه، فحالة القراءة التى صنعها بروايته الشعبية جعلت الجمهور يتجه إلى الروايات، ولا أنسى ما قاله لى الأديب الكبير إبراهيم عبدالمجيد ونحن نجلس سويًا على مقهى زهرة البستان، قال: شوف علاء الأسوانى بالنسبة لنا عامل زى حصان طروادة اللى دخلنا من خلاله إلى القراء مرة أخرى، سيبك من أنه أديب متواضع القيمة، وبعد سنوات لن يذكره أحد، لكن خلينا فى اللى قدرنا ناخده منه. 

لم يكن علاء الأسوانى أكثر من إفراز لواقع نتن، كان مناسبًا لأن يتصدر الصورة تمامًا، ففى أوقات التردى يطفو على السطح أشباه الكتاب وأشباه الأدباء وأشباه البشر أيضًا.

توقع كثيرون أن تنزوى ظاهرة علاء الأسوانى الأدبية، وأكدوا أنه بمجرد موته لن يتذكره أحد، نجح توقع النقاد إلا قليلًا، فقد تراجعت ظاهرته وهو لا يزال على قيد الحياة، فلا يذكر أحد الآن علاء الأسوانى الأديب، وكل ما يقفون أمامه منه هو بذاءاته وطول لسانه وغرضه ومرضه الذى يمارسه من منفاه الاختيارى، فقد حصل على الجنسية الأمريكية، ويقيم هناك فى انتظار أن يرضى عنه سيده الأمريكى. 

عندما أقارن بين ظاهرة كنزى مدبولى وظاهرة علاء الأسوانى لا أجد فارقًا كبيرًا بينهما، فكل منهما نتاج لحالة عشوائية دخلها المجتمع المصرى، الأولى ترجمة حرفية لعشوائيات السوشيال ميديا، والثانى ابن مخلص لعشوائيات السياسة التى غرقنا فيها مع نهايات عصر مبارك. 

يبقى فقط أن كنزى مدبولى ظاهرة صادقة لأنها تترجم الواقع الذى وصلنا إليه، تترجم عصر التفاهة الذى يسبح فيه الجميع، فتاة بلا قدرات ولا تعليم جيد ولا خيال ولا تجربة تستطيع أن تجر خلفها مئات الآلاف من الفتيات اللائى يملكن حلمًا كبيرًا يردن تحقيقه بلا تعب ولا مجهود ولا مشقة، ولذلك يلتففن حول كنزى، ليس لأنها تعبر عنهن فقط، ولكن لأنهن يرين فيها نموذجًا يمكن إعادة إنتاجه مرة أخرى، وما دامت الفتاة الصغيرة حققت كل ذلك، مالًا وشهرة، فما الذى يمنع الفتيات الصغيرات من الوصول إلى ما وصلت إليه؟ 

أما علاء الأسوانى فكان ترجمة مشوهة لواقع مشوه، وبالمناسبة لم يضع الأدب فى خدمة السياسة، بل الأدق أنه جعل الأدب والسياسة فى خدمة نفسه، فهو من الأشخاص الذين يعتقدون أن الله اختارهم ليغيروا الكون، رغم أنه فعليًا يستطيع بالكاد أن يغير ملابسه الداخلية. 

كنزى مدبولى فى النهاية لا تمثل خطرًا على المجتمع، هى فى النهاية ليست أكثر من جملة اعتراضية سرعان ما تنتهى، لتظهر فى حياتنا جملة اعتراضية أخرى، نتحدث عنها ونحلل أسباب ظهورها ودوافع جمهورها، ثم ينتهى الأمر، لكن الخطر الحقيقى يأتى من ظواهر مثل ظاهرة علاء الأسوانى، الذى يقدم نفسه كأديب يعتقد أنه يطاول الكبار لا لشىء إلا لأن الجمهور التف من حوله فى ظرف سياسى بعينه، دون أن يعرف أنه ابن ظرف طارئ يزول بزواله. 

كنت أحدثكم عن خيانة النقاد، وكيف منحوا مَن لا يستحق من الكتاب والأدباء قيمة ليست لهم، وأعتقد أن ما تم مع علاء الأسوانى يتحمل النقاد جزءًا كبيرًا منه عندما تعاملوا معه على أنه شىء له قيمة، رغم أن ظاهرة مثل كنزى مدبولى أولى بالكتابة عنها من علاء، فهى ليست ظاهرة أدبية، بقدر ما هى ظاهرة اجتماعية تعبر عن خلل كبير ضرب حياتنا، وما أدعو إليه ليس الكلام عنها ولا عن حكايتها الطفولية الساذجة، ولكن الحديث عن السياق الذى أنتجها، وجعلها تنفجر فى وجوهنا بهذا الشكل. 

نحتاج بالفعل إلى تنقية ثوب الأدب المصرى من التفاهات، لا أطالب مستقبلًا بالحجر على أمثال كنزى مدبولى وعلاء الأسوانى، فقط نريد أن نضع الأمور فى نصابها، والأشخاص فى حجمهم، فأخطر ما نواجهه طول الوقت هو أن نجعل الهامش متنًا.. وهو ما حدث مع علاء وكنزى.. فهل نفيق من هذه الغيبوبة أم نستسلم لها فننجرف إلى بوابة الخروج من التاريخ؟.. أتمنى بالطبع أن نفيق.