الثلاثاء 28 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

فى ذكرى ميلاده الـ82 ووفاته الـ14

لعنة الأبنودى.. قصة كتاب الأزمة بين عبدالرحمن وزوجته الأولى عطيات

الأبنودى
الأبنودى

ما زلت أذكر أثر هذا الكتاب على نفسى. 

المخرجة التسجيلية عطيات الأبنودى تصدر كتابها «أيام لم تكن معه.. عبدالرحمن الأبنودى فى السجن» عن دار الفرسان، التى أسسها الكاتب الكبير عادل حمودة بعد خروجه من روزاليوسف، التى كان نائبًا لرئيس تحريرها على الورق، ورئيس تحريرها الفعلى فى النصف الأول من عام 1998. 

الكتاب صدر فى بدايات عام 1999، ولن أخفى عليكم سرًا، ربما يضحك منه بعضكم، فحتى هذا الوقت كنت أعتقد أن المخرجة التسجيلية عطيات الأبنودى شقيقة الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى، ليس لأنها كانت تحمل نفس الاسم، ولكن ربما للتشابه الواضح بينهما. 

عطيات الأبنودى 

عطيات الأبنودى نشرت مذكراتها أولًا فى حلقات بمجلة «نصف الدنيا» لكن النشر توقف بعد الحلقة الرابعة

عرفت من الكتاب أنها كانت الزوجة الأولى للأبنودى، ومن سردها تجربة سجنه التى استمرت ما يقرب من 6 أشهر فقط فى الفترة من أكتوبر 1966 إلى مارس 1967، أدركت أن قصة عظيمة جمعت بين الشاعر والمخرجة التسجيلية، ولم نكن لنغفر لها لو أنها لم تخرج كتابها الذى سجلت فيه يومياتها أثناء سجنه، وتفاصيل التفاصيل فى حياتها معه. 

الكتاب الذى أذكر أننى جئت عليه فى جلسة واحدة، ليس مجرد تأريخ لقصة حب عميقة وملتهبة جمعت بين الأبنودى وعطيات التى كان يحلو له أن يدللها بـ«عطا»، ولكنه تأريخ لمصر فى فترة مشحونة بالأحداث. 

لم تذكر عطيات الأبنودى السبب الذى قاد عبدالرحمن إلى السجن، ربما لأنها لم تخرج أوراقها من درجها الخاص لتكتب تاريخًا بقدر ما أرادت التعبير عن التجربة التى عاشتها من خلال عينيها ومشاعرها؛ بعيدًا عما يقوله السياسيون والمؤرخون. 

كتاب عطيات الابنودى

ليس فى المذكرات كلمة واحدة تشير إلى سبب اعتقال الأبنودى ورفاقه ما اضطر البعض لمحاولة استنتاج السبب

صلاح عيسى يكتب: «عبث لا يليق وصغار لا يجوز»

لكن حتى لا يتوه منا الخيط، اسمحوا لى أن أتوقف عند ما كتبه الكاتب الصحفى الكبير صلاح عيسى بمقاله بجريدة البيان «عبث لا يليق وصغار لا يجوز»، والمنشور فى ١٦ مايو ١٩٩٩، الذى كان يعلق فيه على الجدل الذى ثار على هامش نشر عطيات كتابها. 

يقول صلاح: «ليس فى المذكرات كلمة واحدة تشير إلى سبب اعتقال الأبنودى ورفاقه، ما اضطر الذين كتبوا عن الكتاب إلى محاولة استنتاج السبب، فقال بعضهم إن الأبنودى اعتقل لأنه رفض أن يكتب أغنية عن عبدالناصر ويغنيها عبدالحليم حافظ، وقال آخرون إنه ورفاقه لم يكونوا يفعلون شيئًا أكثر من الثرثرة على المقاهى وانتقاد الأوضاع فى البلاد، وإنهم اعتقلوا بسبب الصراع بين أجهزة الأمن». 

يقلل عيسى من شأن هذه الأسباب، ويسوق لنا السبب الحقيقى، ليس من موقعه كمؤرخ، ولكن لأنه كان رفيق الأبنودى فى هذه الحبسة. 

يقول: «الحقيقة أن حملة اعتقالات أكتوبر ١٩٦٥ كانت أسرع وأخطر من ذلك، فقد شملت ما يزيد على ١٥٠ من العناصر الماركسية والناصرية، وضمت ثلاث مجموعات، تتكون الأولى - التى كان الأبنودى ينتمى إليها - من بقايا تنظيمين ماركسيين صغيرين كان لدى أجهزة الأمن معلومات بأنهما رفضا حل نفسيهما، بعد أن حلت التنظيمات الكبيرة نفسها، وتتكون الثانية من عدد من أساتذة المعهد العالى للدراسات الاشتراكية الذى كان بمثابة مدرسة الكادر للاتحاد الاشتراكى والتنظيم الطليعى، بينما ضمت الثالثة عددًا من أعضاء اللجنة المركزية لمنظمة الشباب الاشتراكى، وكانوا ينتمون من قبل إلى الفرع المصرى من حركة القوميين العرب، فضلًا عن عشرات من قيادات المنظمة». 

صلاح عيسي

كانت الفكرة التى قادت هؤلاء إلى السجن، كما يروى صلاح عيسى، من اختراع على صبرى، الأمين العام للاتحاد الاشتراكى وقتها، فقد رأى أن ثورة يوليو يجب أن تنشئ يسارها الخاص، وتعتبر كل يسارى جاء من منبع غير ناصرى دسيسة يتوجب التعامل معها بحذر، وتنظر إلى كل صاحب موقف يسارى مستقل؛ باعتباره مخربًا يتوجب تطهير الحياة السياسية منه. 

أعتقد أن عطيات الأبنودى لم تكن مشغولة بتقصى ما اعتبره صلاح عيسى خطيئة ثورة يوليو فى حق اليساريين، ولكنها كانت وهى تنشر مذكراتها بعد ما يقرب من ١٢ عامًا من انفصالها عن الأبنودى، وهى تقف على عتبة الستين- عطيات من مواليد ١٩٣٩- تمارس طقسًا من طقوس التطهر وحالة من حالات الغفران والتسامى على كل ما قابلته فى الحياة. 

لا أستنطق عطيات بما لم تقله، هى التى ذكرت ذلك فى تقديمها كتابها. 

عبدالرحمن الأبنودى 

الشاعر الراحل كان رافضًا أن تتناول عطيات ما جرى بينهما خاصة أن خطاباتها إليه كانت تحمل تفاصيل خاصة

تقول: «قررت أن أخوض التجربة النفسية للعودة إلى هذه الأوراق القديمة، ربما لأننى بعد أن بلغت هذا العمر أجدنى قد وصلت إلى مواسم الغفران، التى يصلها الإنسان مع نفسه بعد أن يشرف على سنواته الستين، وهذا ما جعلنى أجد فى نشر هذه المذكرات نوعًا من الكشف عن الذات الذى كنت أحتاج إليه منذ فترة طويلة، أو ربما لأننى وجدت فى هذه الأوراق ما قد يفيد إنسانًا ما فى مكان ما فى وقت ما». 

لم تفكر عطيات الأبنودى للحظة أنها تتجاوز فى حق عبدالرحمن، صحيح أنه بدأ حياة جديدة بعيدًا عنها، أصبحت له زوجة وأنجب بنات، لكن الأوراق التى قررت أن تعيد إليها الروح أوراقها هى، جزء من حياتها، لا يمكن أن تخفيه لأن رفيق أيامها فيها أصبح بعيدًا، ثم إنها لن تأخذ من كتابة مذكراتها ونشر رسائلها إليه وهو فى السجن فرصة للانتقام، فقد عالجت جرحها وتطهرت منه، وعليه فليس فيما تفعله شىء يسىء إلى عبدالرحمن الذى كانت تعرف أنه قيمة كبيرة فى المجال العام، ليس فى مصر فقط، ولكن فى العالم العربى. 

ما جرى أن عبدالرحمن الأبنودى غضب كما لم يغضب من قبل، ولم يكن السبب هو نشر عطيات خطاباتها إليه فى كتاب دار الفرسان، فقد كانت هناك حلقات سابقة على حلقة الكتاب. 

حكاية سناء البيسى مع مذكرات عطيات

حملت عطيات الأبنودى يومياتها وذهبت إلى صديقتها الكاتبة الكبيرة سناء البيسى، التى كانت ملكة متوجة على عرش مجلة «نصف الدنيا»، وطلبت منها نشر مذكراتها على حلقات، طارت سناء بالسبق الصحفى والأدبى الكبير، وبدأت النشر بالفعل حتى وصلت إلى الحلقة الرابعة؛ لتجد أن الدنيا قامت من حولها ولم تقعد. 

لن أذهب بعيدًا فى سرد حكاية سناء البيسى مع مذكرات عطيات، ففى ملف مميز كانت قد نشرته مجلة «عالم الكتاب» عن عطيات الأبنودى فى عام ٢٠١٩ تحدثت سناء للزميلة إيناس عبد لله عما جرى. 

سناء البيسى 

سناء البيسى أوقفت النشر بعد وساطة من «شخص عزيز» خوفًا من هدم البيت الثانى للأبنودى إذا أغضبت زوجته نهال كمال

سألت إيناس سناء عن حقيقة تهديد الأبنودى لها بسبب نشر المذكرات. 

فقالت: «كل ما أثير حول تهديد الشاعر الراحل عبدالرحمن الأبنودى لى لوقف نشر المذكرات كذب وافتراء، فالقصة بدأت حينما جاءت الراحلة عطيات الأبنودى لمكتبى بـ(نصف الدنيا) تلك المجلة التى كانت تسهم وتدعم قضايا المرأة، وعرضت علىّ فكرة نشر اليوميات، وطاوعتها حينها، فأنا من أشد المعجبين بها، وأرى أنها سيدة عظيمة، ومخرجة واعدة، وقمت بالفعل بنشر المذكرات على مدار ٤ حلقات، إلى أن جاءنى شخص قريب يرجونى لأوقف النشر، مشيرًا إلى وجود بيت وأسرة سوف تتضرر مما تحويه هذه اليوميات، وكان هذا الشخص يقصد بيت عبدالرحمن الأبنودى وزوجته وبناته». 

سناء البيسى تؤكد: قرأت الحلقات الأربع ولم أجد فيها أى إساءة لشخص عبدالرحمن

لم تفصح سناء البيسى عن اسم الشخصية التى تدخلت لوقف النشر، ولم تقل لنا هل تدخل بناء على طلب مباشر من الأبنودى، أم أنه فعل ذلك من تلقاء نفسه؟ 

تستكمل سناء الحكاية: «بعد هذا اللقاء وجدتنى فى موقف محرج، خاصة أن هذا الشخص العزيز حينما كان يتحدث معى بكى بشدة، وحينما علمت بنية عطيات الأبنودى فى نشر اليوميات فى كتاب، قررت وقف النشر والاكتفاء بالأربع حلقات، حفاظًا على بيت ربما تحدث به مشاكل لا يعلم أحد مداها». 

وتضيف سناء: «قرأت الحلقات الأربع ولم أجد فيها أى إساءة لشخص عبدالرحمن، بل وجدت إننى أمام تجربة إنسانية لا مثيل لها، فهى تحكى قصة حب جميلة لسيدة قدمت كل الدعم لزوجها المعتقل، وخلت اليوميات من أى تجريح أو مساس بزوجها السابق، لكننا نتحدث ونحن طرف محايد، لسنا الطرف المتضرر، فربما انزعجت الزوجة الثانية للأبنودى مما جاء فى الكتاب، أو أن اليوميات تضمنت أشياء لم يكن يريد الإفصاح عنها، وفى النهاية اتخذت القرار بضمير مرتاح، فلن أكون معولًا لهدم بيت ثان». 

الابنودى

الأبنودى وصف زوجته السابقة بأنها امرأة فارغة وجاهلة وهدد أى جريدة تنشر مذكراتها بالإغلاق التام

أخبرت سناء البيسى عطيات الأبنودى بوجهة نظرها، فتفهمت موقفها، لكنها لم تستسلم، قررت أن تواصل النشر فى جريدة أخرى، وعندما عرف الأبنودى قرر أن يدخل المعركة بكل أسلحته لقطع الطريق على النشر. 

فى زاويته بجريدة الأسبوع، كتب الأبنودى ما يمكننا اعتباره القسوة بعينها على زوجته السابقة، قال عن الجريدة التى كانت تنتوى النشر: «هى جريدة تتصيد أسرار الناس وحياتهم وتمارس تخريب تجارب الشرفاء وتشويه وجوه أحباب هذا الوطن؛ نظير لقمة سم فى بيت امرأة فارغة وجاهلة». 

كان الأبنودى قاسيًا، نزعت من قلبه الرحمة وهو يصف المرأة التى عاشت معه سنوات الجدب والحاجة، وزاد على الأمر بتهديد الصحيفة التى تريد النشر أو أى صحيفة أخرى بالإغلاق التام. 

فيما يبدو أن الأبنودى لم يكن يعرف عطيات جيدًا، رغم أن رسائله إليها- التى نشرت جريدة الخليج بعضًا منها لأول مرة فى مايو ٢٠١٥ أى بعد وفاته بأيام- تكشف كيف كان ينظر إليها. 

عبدالرحمن الأبنودى فى مرحلة الثانوية

رسائل الأبنودى إلى عطيات

الرسائل التى أتحدث عنها كتبها الأبنودى لعطيات فى عام ١٩٧٢ عندما كانت فى مهمة عمل فى لندن، والتى يقول لها فيها: «أنت اليقين وأنا التجربة». 

فى الرسالة الأولى يقول الأبنودى لعطيات: «لم أكن أريد أن أكتب لك هذه الأيام، ولكن خطابك حرك فىّ كل دوافع الكتابة، أنت فى تجربة صعبة وقاسية وقلبى معك، ولكن ما حيلتنا إذا كانت هذه هى الطريقة الوحيدة لكى يشق الإنسان البسيط طريقه نحو نفسه نحو أن يكون، تحملى، الجميع هنا يتوقع منك النجاح، والعالم لن يعطيك شيئًا، لأنه إذا كان الإنسان فاقد القدرة على العطاء فما بالك بالأغراب، ولكننا جميعًا نعلم أنك قادرة على شق أصعب أنواع الصخور، نحن جميعًا خلفك». 

وفى الرسالة الثانية يقول لها: «تعودين مرة أخرى تدعوننى للاهتمام بصحتى ونفسى وصفاء قلبى، من أين أحصل أنا المختلف على هذا الصفاء، وكيف لى أن أعرف طريقه؟ لن نعود إلى الحديث فى هذا الموضوع المكرر مرة أخرى، فأنت اليقين وأنا التجربة». 

وفى الرسالة الثالثة يقول: «أريد أن أحرك قلمى فى اتجاه آخر، قلمى مأزوم، لست بطيئًا، ولم أصل بعد لمشارف كهولة، ولكننى كالذى ينتظر معجزة، الفارق أننى أبحث عنها لأحققها، وهل هى فى السفر؟ هل هى فى أبنود؟ هى موجودة، لكن متى نبدأ البحث الجدى؟ من أنا؟ أنا إنسان يتمنى لك الغنى، وأن تغنى باحتضان عالم ثرى حر متسع ملىء ينطح صخر الشواطئ القاسية الكاذبة، نحن نحتاج إلى جهاز استقبال آخر، نحتاج إلى أرشيف آخر، عمر مضى، هل فات الأوان؟ أعتقد لا، نحن نستطيع أن نصنع تجربة من نوع آخر، إنسانية وغنية وبسيطة وصادقة، نحن لم نعبر عن تواضعنا وإحساسنا ببساطة الغلب الشديد وشرف العجز، كل ما أراه بدونك يمر صورًا، كيف حدث هذا وبسبب إنسانيتى أم عظمتك؟، لا أدرى». 

عطيات الابنودى من أحد افلامها

بعد مطاردة الأبنودى زوجته السابقة فى الصحف قررت عطيات أن تنشر مذكراتها فى كتاب ووقفت معها دار الفرسان لمؤسسها عادل حمودة

امرأة كتب لها الأبنودى ما كتب ما كان له أن يستهين برد فعلها، ولا يقلل من عنادها، فبعد مطاردته لها فى الصحف، قررت أن تنشر ما كتبت فى كتاب، وكان طريق دار الفرسان مفتوحًا أمامها. 

كانت دار الفرسان دار نشر جديدة أسسها الكاتب الصحفى الكبير عادل حمودة بعد أن تم الغدر به وإبعاده عن منصبه فى مجلة روزاليوسف، قرر الكاتب الكبير ألا يستسلم، فهو من الرجال الذين إذا أغلقوا فى وجوههم بابًا فتحوا لأنفسهم أبوابًا جديدة. 

عطيات 

كتاب عطيات ليس موجودًا الآن فقد صدر فى طبعة واحدة ولم تطرحه دار النشر بعده

قرر عادل حمودة مع شريكه فى الدار الجديدة الدكتور نصيف قزمان إعادة طباعة كتبه القديمة، ونشر الجديد الذى يكتبه، وكان من بين ما نشره كتابه المهم عن «هيكل.. الحياة الحرب الحب»، كما نشر لنبيل عمر وسعيد الشحات ويسرى الفخرانى. 

الكتاب ليس موجودًا الآن، لا تستطيع أن تجده بسهولة، وإذا جربت وحاولت البحث عنه فى المواقع الكثيرة التى تتيح الكتب بصيغة الـ«pdf» لن تجده، فقد صدر فى طبعة واحدة، ولم تطرحه دار النشر مرة أخرى، وهو ما جعل كثيرين يعتقدون أن الكتاب تم منعه وحصاره بفعل فاعل، الذى هو عبدالرحمن الأبنودى نفسه. 

فى ٩ أكتوبر ٢٠١٨ كتب الكاتب الصحفى والناقد سيد محمود فى وداع عطيات الأبنودى بجريدة الشروق، كان عنوان المقال «أيام كانت مع عطيات الأبنودى» وختمه بقوله عن كتابها «أيام لم تكن معه»: وللأسف تعرض هذا الكتاب الفريد عند صدوره لحملة حصار، لدرجة أنه لم يطبع مرة أخرى على الرغم من نفاد طبعته الأولى، حيث روج البعض لتهمة باطلة لاحقته، حيث أرادوا أن يجعلوا منه بيانًا للتشهير بالشاعر الراحل، وتلك التهمة الباطلة جاء الوقت لأن يتخلص الكتاب منها إلى الأبد. 

على حد علمى لم يقل أحد إن الكتاب كان بيانًا للتشهير بالأبنودى، كل ما جرى أن الشاعر الراحل كان رافضًا أن تتناول عطيات ما جرى بينهما، خاصة أن خطاباتها إليه كانت تحمل من التفاصيل الخاصة التى لم تكن تعجب الأبنودى. 

وهو ما يكشفه لنا صلاح عيسى فى مقاله «عبث لا يليق وصغار لا يجوز». 

يقول صلاح: «وضعت يدى على قلبى حين سمعت بأنباء الأزمة التى نشبت بين الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى وزوجته السابقة مخرجة السينما التسجيلية المرموقة عطيات الأبنودى، بسبب كتاب (أيام لم تكن معه)، وهو يضم يوميات كانت عطيات قد كتبتها خلال الفترة التى اعتقل فيها عبدالرحمن، ولم تفكر فى نشرها طوال الأعوام العشرين التى كانت خلالها زوجة له، ولم تفعل ذلك إلا هذه الأيام، وبعد مرور اثنى عشر عامًا على انفصالهما، وهو ما أثار اعتراض عبدالرحمن الذى تدخل لوقف نشر مقتطفات من الكتاب فى الصحف».

يكشف صلاح عيسى جانبًا مما جرى، فقد اتصلت به عطيات هاتفيًا أثناء تصحيحها تجربة الطبع الأخيرة، لتتثبت من تواريخ بعض الوقائع، إذ كان أحد الذين شملهم الاعتقال فى تلك الحملة، وسمع منها بعض أنباء الأزمة، وكان من رأيه أن عبدالرحمن على حق فى اعتراضه حتى لو كان قد تجاوز فى غضبه، فالحق فى الخصوصية هو أحد الحقوق الأساسية التى تحميها الدساتير والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان. 

يقول صلاح: «وإذا جاز للإنسان أن يتنازل عن هذا الحق بالنسبة لنفسه، فلا يجوز له أن ينتهك حق الذين كانوا طرفًا فى علاقة خاصة معه، فى صيانة حرمة حياتهم الخاصة، والمسألة تحتمل وجهات نظر أخرى، إذ يستحيل، كما يقول البعض، أن يكتب الإنسان مذكراته دون أن يتطرق إلى آخرين ممن كانوا يحيطون به ويتعاملون معه، من الآباء إلى الأبناء ومن الأزواج إلى الأصدقاء، والتسليم بحق هؤلاء فى الاعتراض على النشر لا نتيجة له إلا مصادرة الحق فى تناول الجانب الخاص من حياة الشخصيات العامة، سواء كانوا سياسيين أو أدباء أو فنانين، ما يحرمنا من شهادات مهمة لا غنى عنها إذا أردنا أن نفهم أدوارهم وإبداعاتهم فهمًا متكاملًا». 

ويضيف صلاح: «ولأن المناقشة بينى وبين عطيات الأبنودى كانت تدور بعد فوات الأوان؛ إذ كان الكتاب بالفعل فى طريقه إلى المطبعة فقد ختمتها بأن تمنيت عليها ألا يكون فيما سوف تنشره ما يسىء إلى عبدالرحمن الأبنودى ونبهتها بحكم مودة قديمة تربطنى بها إلى أنهما شخصيتان مهمتان يتوجب عليهما أن يصونا مودتهما القديمة، وأن يحصناها ضد رغبات الثأر وشهوات الانتقام، وضد نوازع التشفى التى قد تدفع البعض لاستغلال ما تكتبه لتصفية حسابات شخصية، أو منافسات أدبية وفنية مع أحدهما أو كليهما، فطمأنتنى بأن الكتاب لا يتضمن شيئًا من ذلك، ودافعت عن حقها فى النشر، قائلة إن الكتاب عنها وليس عن غيرها، وإنها احترامًا لرغبة عبدالرحمن لن تنشر الخطابات التى كان يهربها إليها وهو فى السجن، ليقتصر النص على ما كتبته هى عن نفسها، وليظل فى حدود حقها المشروع فى أن تذيع عن حياتها الخاصة ما تشاء». 

No photo description available.
المخرجة عطيات الابنوجى

 صلاح عيسى يقدم شهادته: لم أجد فى الكتاب غير عطيات التى أعرفها.. واليوميات مكتوبة ببساطة وعفوية

تحقق ما قالته عطيات لصلاح عيسى الذى يشهد على ذلك بقوله: «لم أجد فى الكتاب أحدًا غير عطيات، فهى يوميات كتبتها ببساطة وعفوية وبكثير من السذاجة، زوجة شابة لمعتقل سياسى، تعكس جانبًا من رد فعل أنماط من الناس فى الستينيات على ظاهرة الاعتقال السياسى التى كانت شائعة آنذاك، وقبل ذاك وبعد ذاك، إذ كانت عطيات تتحرك بنشاط ضمن فريق من زوجات وأقارب المعتقلين معه، بين مكاتب المسئولين ودور الصحف وأصدقاء زوجها ومعارفه، وكل من يستطيع أن يمد لهن ولهم يد المعونة، مطالبات بالإفراج عنه، فيتجهم لهن البعض نفورًا أو خوفًا، ويكتفى آخرون بإبداء مشاعر التعاطف العاجز عن فعل شىء، ويحسن بعض قليل استقبالهن، ويعدون بالتدخل وهم فى شك من أنه سوف يسفر عن شىء، وقد تركت انطباعاتها عن الناس، كما كتبتها دون أن تنتبه إلى أنها بحكم قسوة التجربة كانت فى حالة انفعالية ربما تسىء فهم مواقفهم دون أن تستدرك ما تكشف لها بعد ذلك فى هوامش تضيفها إلى النص أو تعديل تدخله عليه». 

يبقى أمامنا ما تعرض له الكتاب من حصار يعتقده البعض، وهنا أجدنى ذاهبًا إلى الكاتب الكبير عادل حمودة، الذى يتحدث للمرة الأولى عن كواليس ما جرى، كاشفًا لنا حقائق ربما تعيد ترتيب الصورة من جديد. 

الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى

تقديم عادل حمودة للكتاب

عندما نشرت «الفرسان» الكتاب قدمت له بكلمة رقيقة عذبة، كتبها عادل حمودة ووضعها على الغلاف الخلفى للكتاب، قال فيها: «هذا الكتاب تجربة إنسانية تحبس الأنفاس لزوجة الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى، كيف كانت الحياة بدونه خارج القضبان، حيث أصبحت الحياة سجنًا أكبر؟ كيف تصرف الأصدقاء والعملاء والبسطاء»؟ 

«إن عزف عطيات الأبنودى على مفاتيح البيانو البيضاء والسوداء ينتهى بسيمفونية حزينة، ولكنها ساحرة، تطهر القلب وتغفر الذنب وتفتح أبواب الرحمة على مصراعيها، فالأقوياء وأصحاب التجارب النادرة هم فقط الذين يملكون القدرة على ذلك».

«إنه كتاب يسجل فترة من التاريخ عشناها، لكنه مكتوب هذه المرة بحبر القلب وعلى أوراقه عندما كانت خضراء». 

سألت الكاتب الكبير: هل كانت عطيات الأبنودى هى من سعت إليك لنشر الكتاب أم كنت أنت من طلبتها لتنفرد بنشره بعد الضجة التى أثارتها اليوميات بعد نشرها فى مجلة «نصف الدنيا»؟ 

فأجاب: «كنت أتابع الضجة التى ثارت حول الحلقات التى نشرتها عطيات الأبنودى وضمنتها خطاباتها إلى الأبنودى فى السجن، واعتبرتها قطعة أدبية بديعة، كما أننى أؤمن بأن من حق القارئ أن يعرف كل شىء، وفى الحقيقة استنكرت غضب الشاعر من النشر، فهى تنشر حياتها، ولم أجد إساءة له فيما نشرته، وفوجئت بأنها تتصل بى لتعرض نشر الكتاب فى الدار التى أسستها، فاستقبلت ذلك استقبال من يعرف قيمة الكتاب وأهميته، بصرف النظر عما يمكن أن يحققه من مبيعات». 

قلت له: «عرفت أنك تواصلت مع عبدالرحمن الأبنودى قبل النشر، فما الذى دار بينكما، وهل كنت تسعى إلى الحصول منه على موافقة قبل النشر؟». 

قال: «لم يخطر على بالى الحصول منه على موافقة بالنشر، فالكتاب يخص عطيات الأبنودى، وهى صاحبة قرار النشر وليس هو، لكننى سعيت إليه لمعرفة الجانب الآخر من الحكاية، فهى حكاية طرفاها شاعر كبير ومخرجة مرموقة، وكنت أتوقع أنه سيتجاوب معى فيما أسعى إليه، لكننى وجدته غاضبًا للغاية». 

عادل حمودة

عادل حمودة: الأبنودى قال لى إننى سأدفع ثمنًا غاليًا إذا نشرت الكتاب

سألته: هل هددك الأبنودى إذا نشرت الكتاب؟ 

أجاب: «الحقيقة تحدث الأبنودى بعصبية شديدة، وصلت إلى أن قال لى إننى سأدفع ثمنًا غاليًا إذا نشرت الكتاب، بل وصل به الأمر إلى أن قال: سأخرب بيتك إذا نشرت هذا الكتاب». 

عاجلته بالسؤال: وماذا فعلت؟ 

ضحك وهو يقول: «أنت تعرف غريزة العند التى تحركنى فيما يتعلق بنشر ما أؤمن بأنه يستحق النشر، أخذت قرارًا بتعجيل النشر، وبدلًا من مدة الشهر التى كنت قد قررت أن ينشر الكتاب بعدها قررت أن يصدر خلال أربعة أيام فقط». 

قلت له: وماذا كان رد فعل الأبنودى بعد نشر الكتاب؟ 

قال: «زاد غضبه وعرفت أنه قرر أن يهاجمنى فى الصحف التى يكتب فيها، وإن كان تراجع عن ذلك ربما لمعرفته أن المعركة معى خاسرة، لكن وصلنى أنه لم يكن يترك جلسة خاصة أو عامة يتحدث فيها إلا جاء على سيرتى وكال لى الشتائم المقبولة منها وغير المقبولة». 

سألته: «لكن الكتاب صدرت منه طبعة واحدة، ويشاع أنك قررت عدم طباعته مرة أخرى بسبب غضب الأبنودى.. فهل هذا صحيح؟». 

قال: «ليس صحيحًا بالطبع ما تقوله وما يشاع عن الكتاب، والحقيقة التى أقولها للتاريخ إن الكتاب رغم اللغط الكبير الذى ثار من حوله لم يحقق المبيعات التى كنا نتوقعها، فلم تنفد طبعته الأولى إلا بصعوبة، وهو ما جعلنا فى الدار لا نفكر فى إعادة طباعته من جديد، فقد كانت عطيات معروفة كمخرجة أكثر منها كاتبة، ثم إن الكتاب لم يكن فيه الأسرار الخاصة التى كان يتوقعها القراء أن يجدوها فيه، وربما لهذا لم يجد الكتاب الإقبال الذى كان يتوقعه الجميع». 

الشاعر عبدالرحمن الابنودى

عادل حمودة يكشف: الكتاب رغم اللغط الكبير الذى ثار من حوله لم يحقق المبيعات التى كنا نتوقعها

ما قاله الكاتب الكبير عادل حمودة يظل الوجه الحقيقى للكتاب، لكن هذا لا يمنع أن الأبنودى أسهم إلى درجة كبيرة فى شيطنته والدفع بأنه محاولة لاغتياله معنويًا رغم أنه لم يكن كذلك على الإطلاق. 

وقد يلتمس البعض العذر للأبنودى فى غضبته، فعندما تزوج من المذيعة الشهيرة نهال كمال قرر أن حياته بدأت من اللحظة التى دخلت فيها بيته، كان موقفه واضحًا، وهو ما بدا فى أغنيته الشهيرة «قبل النهاردة» التى لحنها عمار الشريعى وشدت بها المطربة الكبيرة وردة، واعتبرتها نهال جزءًا من مهرها، وهو ما أكده لها الأبنودى. 

يقول عبدالرحمن فى أغنيته «قبل النهاردة»: «أنا ياما قلت خلاص وقلت فات الوقت/ أتارى عمرى يا ناس بيبتدى دى الوقت/ وكأنى أول مرة بتبسم/ وكأن عمر القلب ما أتألم/ بتعلم الدنيا من الأول/ وأغنى من قلبى وأتكلم/ وكلمة قلتها قبل النهارده/ ما هيش صوتى وأنا مقلتهاش/ وضحكة ضحكتها قبل النهاردة/ ما هيش منى وأنا مضحكتهاش/ وأيام عشتها قبل النهارده / ماهيش عمرى وأنا ماعشتهاش». 

الابنودى

عندما انفصل الأبنودى عن عطيات أراد أن يمحو كل شىء حتى إنه كان يضيق بحملها اسمه «الأبنودى»

كان الاهتمام الأكبر بوقع الأغنية على نهال كمال، لكن لم يسأل أحد عن وقعها على عطيات الأبنودى، وأعتقد أنه كان كبيرًا ومدمرًا، فقد شطب الأبنودى عشرين عامًا من حياتها معه بأغنية، وأعتقد أنها لم تكن تنتظر منه ذلك. 

عندما انفصل الأبنودى عن عطيات أراد أن يمحو كل شىء، حتى إنه كان يضيق بحملها اسمه «الأبنودى»، بدل من اسم عائلتها، فقد كان اسمها «عطيات عوض محمود خليل»، وكانت قد تخلت عن اسمها ونسبت نفسها للأبنودى تقديرًا له، هى التى تعرفت عليها وكان شاعرًا مغمورًا لا يعرفه كثيرون، وحددت علاقاتها مع المحيطين بها تأسيسًا على موقفهم من سجنه. 

لم يكن ضيق عبدالرحمن من تمسك عطيات بالأبنودى فى اسمها أمرًا معلنًا للكثيرين، لكنه كان يتحدث عن ضيقه مع المقربين، ومؤكد أنه أرسل إليها فى تغيير اسمها لكنها لم تستجب له. 

بعد وفاة الأبنودى تحدث الكاتب الصحفى الراحل مفيد فوزى، الذى كان يتعامل مع نفسه على أنه رجل الأسرار الأول فى الوسط الصحفى والثقافى، عبر مداخلات تليفزيونية قال مفيد إنه سأل الشاعر الكبير: لماذا تحتفظ عطيات باسم الأبنودى وتقدم نفسها به فى كل مكان رغم الطلاق؟، فاكتشفت أنه متألم داخليًا جدًا، وكان يرى أنه شىء جيد أن تحفظ السيدة عطيات قيمته، ولكن النسب بالاسم قد يجرح بطريقة ما آخرين لا يريد لهم ذلك. 

كانت عطيات تعرف ما يقوله عبدالرحمن، وهو ما جعلها تقول لمن سألوها عن احتفاظها باسم الأبنودى ولم تتخل عنه، إنها كانت تتمسك به عندما كان زوجها، وبعد الطلاق ظلت محتفظة به امتنانًا لقريته «أبنود» التى اعتبرتها قريتها، فقد أحبتها ربما أكثر من قريتها التى تنتمى إلى الدلتا، ولم تتحدث عنها كما تحدثت عن قرية عبدالرحمن. 

لا يعنينى هنا هل ظلم الأبنودى عطيات، أم أنه تصرف بالشكل الطبيعى الذى كان يمكن أن يتصرف به أى رجل فى مكانه؟ 

فريدة النقاش

مقال غاضب لفريدة النقاش

هناك من يرى أن الأبنودى جاء على عطيات، وهو ما انحازت له الكاتبة الكبيرة فريدة النقاش التى كتبت بعد أيام من رحيل الأبنودى مقالًا غاضبًا ونشرته فى جريدة الأهالى فى ٥ مايو ٢٠١٥، قالت فيه: «بقدر ما تألمت للرحيل المفاجئ للشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى، تألمت أيضًا للتجاهل الكامل لرحلة حياته ومشواره الطويل فى أول الطريق مع رفيقة دربه وزوجته الأولى المخرجة السينمائية عطيات الأبنودى، وكأنها لم توجد أبدًا فى حياته، وانصب كل الاهتمام على الإعلامية نهال كمال، التى أنجبت البنتين وعاشت معه فى الفصل الأخير من الرحلة بعد أن ضحكت له الدنيا وتراجعت المتاعب وطبقت شهرته الآفاق. 

لم تطلب فريدة النقاش شيئًا لعطيات، فقد فات كل شىء، لكنها تقول بوضوح: «حين أسجل اعتراضى على تجاهلها فى هذه المناسبة الحزينة ونسيان دورها المهم فى حياة الشاعر الراحل وإنتاجه، إنما أتطلع إلى الإنصاف». 

وتكشف فريدة ما أعتقد أن الأبنودى كان حريصًا على إخفائه. 

تقول: «أعرف جيدا لأننى اقتربت كثيرًا من عطيات وعبدالرحمن فى نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات من القرن الماضى أن مشروع البقاء فى مدينة الإسماعيلية كان مشروعًا مشتركًا لهما قبل أن تنسد علاقاتهما ويتبادلا الكلمات القاسية». 

الخال عبدالرحمن الابنودى

وتختم فريدة مقالها بما أعتبره قضية ثقافية مهمة. 

تقول: «سوف ينقضى الزمن ويحرر التاريخ الأحداث الكبرى والعلاقات المؤثرة فى حياة الناس من كل الصغائر، وسوف يعطى كل ذى حق حقه، فما من شك أيضًا أن عطيات الأبنودى سينمائية موهوبة ومبدعة توجتها دوائر السينما العالمية بجوائز تستحقها، ومثلما فعل الأبنودى مع اختلاف الدرجات بسبب أدوات تعبير كل منهما، حفرت عطيات لنفسها اسمًا كبيرًا فى تاريخ السينما التسجيلية المظلومة والمهمشة، وهى بالقطع لا تستحق الظلم الذى يقع عليها بشكل متواصل منذ رحيل الأبنودى، وأعتقد أننى نكأت جرحًا غائرًا فى حياتنا الثقافية وعلاقاتنا التى سممتها السياسات وسنوات الفساد والاستبداد، ورحم الله الأبنودى وأطال فى عمر عطيات ومتعها بالصحة والعافية». 

بعد ثلاث سنوات رحلت عطيات الأبنودى دون أن تحصل على الإنصاف الذى تحدثت عنه فريدة النقاش، وأعتقد أنها لن تحصل عليه أبدًا، فلعنة الأبنودى التى طاردتها منذ انفصالهما ستظل تطارد اسمها إلى الأبد.