الثلاثاء 16 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

أحمد شمس الدين الحجاجى فى حواره الأخير: نعم.. الأبنودى سرق السيرة الهلالية

أحمد شمس الدين الحجاجى
أحمد شمس الدين الحجاجى

قبل أيام توفى الدكتور أحمد شمس الدين الحجاجى، الأستاذ بكلية الآداب جامعة القاهرة، لتنطفئ شمعة واحد من أهم جامعي التراث الشعبى وحاملى لوائه والمدافعين عنه، ولتخسر مصر قامة أدبية وروائية وأكاديمية كبيرة، تتلمذ على يديها وجايلها الكثير من الباحثين والشعراء والكُتّاب والروائيين.

«الدستور» كانت أجرت حوارًا مع «الحجاجى» قبل وفاته، تحدث فيه عن أسرار معركته الشهيرة مع عبدالرحمن الأبنودى، التى اتهم خلالها الشاعر الكبير بـ«سرقة» السيرة الهلالية من جابر أبوحسين ونسبها لنفسه، وكيف رد عليه الأخير متهمًا أسرته بأنها «حرامية أكفان». وتحدث أستاذ التراث الشعبى، فى الحوار الذى لم يُنشر من قبل وتنشره «الدستور» فى إصدارها الثقافى «حرف»، عن ذكرياته مع الروائى يحيى الطاهر عبدالله، وكيف أنه نصحه فى بداية حياته بترك الكتابة والبحث عن عمل، واصفًا إحدى قصصه بأنها «زى الزفت». كما تحدث عن الأديب السودانى الطيب صالح، والقاص والروائى يوسف إدريس، الذى اعتبره لا يقل بأى حال عن أديب نوبل نجيب محفوظ، بل ويستحق الفوز بالجائزة العريقة.

■ كنت أول من استقبل يحيى الطاهر عبدالله فى القاهرة.. ما الذى تتذكره عن ذلك؟

- أعرف يحيى الطاهر عبدالله معرفة جيدة جدًا، كنا فى مدرسة واحدة، وبيننا علاقات أسرية ورابطة دم، لم يكن متفوقًا فى الدراسة أو لامعًا فى القرية، لكنه كان يكتب، وكانت له لغته الخاصة.

أذكر أننى قابلته عام ١٩٦٢، وكنت حينها أؤدى فترة التجنيد، قابلته مع صديق شاعر اسمه أحمد عبدالقادر العشاوى، كانا يريدان المجىء إلى القاهرة، فلم يكن لديهما أى أمل فى الحصول على أى شىء من الأقصر، وكان الأبنودى وأمل دنقل، ثم عبدالرحيم منصور، قد سبقوهما فى ذلك.

فى ذلك الوقت لم تكن هناك وظائف، «يحيى» و«عبدالرحيم» لم يكن لديهما أى عمل، بينما «عبدالرحمن» كان يعمل فى إحدى محاكم قنا، و«أمل» لا يزال طالبًا، وكنت ضد أن يكون الإنسان فنانًا من دون أن تكون لديه «لقمة عيش»، وأن يتحول من مقهى إلى مقهى ومن بيت إلى بيت، لذا رفضت سفر يحيى الطاهر إلى القاهرة من هذا المنطلق.

قرأ «يحيى» علىّ إحدى القصص التى كتبها فى بداياته، فقلت له: «زى الزفت»، ونصحته بأن يبحث له عن عمل، وألا يفكر فى الكتابة، وقلت لصديقنا الثالث أحمد عبدالقادر العشاوى: «أنت معاك أولاد.. ربيهم ولا تأت إلى القاهرة»، فسمع كلامى بالفعل.

بعد انتهاء فترة التجنيد، وتحديدًا فى عام ١٩٦٦، جاء إلى ابن أخى ومعه «يحيى»، كان هاربًا من البوليس، وقالا لى إن «الأبنودى» تم الإمساك به، وبعدها ظللنا نتقابل حتى عام ١٩٧١، ودبرت لـ«يحيى» سكنًا فى «بنسيون» تديره سيدة أرمينية، ووقتها عرفت أنه فى خصام مع «الأبنودى»، الذى كان يسكن فى الزمالك، فأمسكته من يده وذهبت إلى «الأبنودى» فى بيته كى أصالحهما وأزيل ما بينهما من خلاف.

عرفت بعدها بفترة أن «يحيى» ترك «بنسيون» السيدة الأرمينية، وانتقل إلى «لوكاندة» فى منطقة الحسين، وأتذكر أنه كتب روايته «الطوق والإسورة» حين كان يسكن معى، لكنى لم أقرأها فى ذلك الوقت، ولم أكن أؤمن بأنه كاتب من الأساس.

■ ما الذى حدث بعد ذلك؟

- سافرت إلى الولايات المتحدة للتدريس، وهناك سألت نفسى سؤالًا: «لماذا حكمت على يحيى من دون أن أقرأ له؟!»، لذا أحضرت كل كتبه وقرأتها، فاكتشفت أننى أمام كاتب غير عادى، لغته غير عادية، حتى أننى أيقظت زوجتى فجرًا وقلت لها: «قرأت ليحيى الطاهر عبدالله، وسأقوم بتدريس ما يكتبه فى الجامعة».

فى نفس اليوم رأيت فى منامى جنازة كبيرة تخرج من الأقصر، شاهدتها رأى العين، كانت تمر بجوار مدرسة الأقباط فى الأقصر، لم ألق بالًا للأمر، وذهبت إلى الكلية، لأفاجأ بخطاب من نصر حامد أبوزيد، يخبرنى فيه بوفاة يحيى الطاهر عبدالله، فنزل الخبر علىّ كالصاعقة، لم أبكِ على ميت سواه، ولأول مرة فى حياتى اعتذرت عن عدم التدريس فى هذا اليوم، حزنًا على وفاته.

بعدها بدأت فى كتابة كتاب عنه، يحمل عنوان «الرواية التى لم يكتبها يحيى الطاهر عبدالله»، حاولت فيه الإجابة عن سؤال: لماذا كتب الطاهر عبدالله قصصه؟ من أين حمل كل هذا الكبرياء؟ الكبرياء الذى يمكنك معه أن «تعزمه» على الطعام، فيجعلك تشعر بأن ذلك فضل منه! حاولت كتابة قصة حياته، جزء من عالمه الذى لم يكتبه، لكن لم أنشر الكتاب، وأنوى أن أفعل ذلك بعد إعادة كتابته.

■ كيف ترى القصة القصيرة وأساطيرها: يوسف إدريس ويحيى الطاهر عبدالله ومحمد حافظ رجب؟

- محمد حافظ رجب دخل إلى عمق القصة القصيرة وتوقف، كتب الكثير فى هذه المنطقة، لكنه لم يُكمل، لذا لم يلعب الدور الذى لعبه يحيى الطاهر عبدالله، ولم يلعب أحدهم الدور الذى لعبه يوسف إدريس، والذى عبّر عن الحركة الواقعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

الكل يتحدث عمن يستحق جائزة نوبل من المصريين، وفى رأيى أن نجيب محفوظ يستحقها بالطبع، ويأتى بعده مباشرة يوسف إدريس، والذى فى كتابته للقصة القصيرة لا يقل عن نجيب محفوظ، هو قامة لا تقارن بأحد، فيحيى الطاهر عبدالله مثلًا كتب قصصًا مرتبطة بيحيى الطاهر عبدالله، لكن يوسف إدريس كتب ما هو مرتبط بالمجتمع ككل، مثلما فعل فى «أرخص ليالى» وغيرها من أعماله.

حينما كتب يحيى الطاهر عبدالله «الطوق والإسورة» كرواية، وضع فيها شخصيات حقيقية، كما رآها فى الكرنك، حيث كان مولده، وحين تجسدت الرواية فى عمل فنى، عانت هذه الشخصيات كثيرًا بسبب «التشويه» الذى جرى لها، لذا كان خطأ كبيرًا من يحيى الطاهر عبدالله أن يضمن أعماله شخصيات حقيقية عايشها فى بلده.

وإلى جانب القصة القصيرة، يعتبر يوسف إدريس من أهم مَن كتبوا للمسرح، فقد قدم لـ«أبو الفنون» مسرحيات عظيمة، من بينها «الفرافير»، وكان مرتبطًا بـ«الفرجة مع الناس»، أو ما عرف بـ«الحركة الواقعية»، والتى ضُربت فى مقتل بعد نكسة يونيو ١٩٦٧، وفى هذه الفترة لم يكتب يوسف إدريس سوى «نيويورك ٨٠».

أذكر أننى قدمت يوسف إدريس فى البحرين، ومن ضمن الأسئلة التى سألتها له: لماذا تركت القصة واتجهت إلى كتابة المقالات؟ فقال لى: «أنا أقول كل شىء فى المقالة، على عكس القصة القصيرة». لكن فى الحقيقة كل المقالات التى كتبها يوسف إدريس لم تعش مثل قصصه، وإن كان من أهم ما كتب مقالاته عن محاكمات ضباط «النكسة»، والتى سخر منها بطريقته الخاصة.

أحمد شمس الدين الحجاجى مع المحرر 

■ هل لك أن تخبرنا عن تفاصيل معركتك الكبيرة مع عبدالرحمن الأبنودى التى دارت رحاها فى أكثر من منبر حول «السيرة الهلالية»؟

- من سوء حظ «الأبنودى» أننى درست له، فحين رجعت من الولايات المتحدة إلى مصر، كان لا يزال طالبًا فى الصف الثالث بكلية الآداب جامعة القاهرة، حتى أننى سألته: «لماذا تدخل الجامعة وأنت اسم كبير؟»، المهم أننى درست له، وأذكر أنه لم يتغيب عن أى محاضرة لى.

كنت أجمع «السيرة الهلالية» فى هذا الوقت، وكان يعمل فيها مع جابر أبوحسين، وكموقف أخلاقى منى، لم أعمل مع «جابر» واخترت العمل مع رواة غيره، وبعد أن سافرت إلى السعودية تواصل معى الدكتور طه وادى، وقال لى إن «الأبنودى» أصدر «السيرة الهلالية» فى كتاب، فطلبت من أهلى نسخة، وعندما قرأته صعقت من مقدمته.

قرأت المقدمة فوجدت «الأبنودى» يقول: «إن هذه الرواية هى روايتى للسيرة»، لم يقل «رواية جابر أبوحسين»، قبل أن يضيف: «جمعتها من أكثر من راوٍ، لكل منهم موهبته التى يتألق فى جزء منها، فأنا بذلك جامع النص الأمثل والأكمل، أنا بذلك هوميروس العصر الحديث»، وذكر أسماء رواة للسيرة، وهم ليسوا من نجومها، كما انتقد جابر أبوحسين، واعتبر أن نصه «لم يستوِ حتى يغنيه الناس».

أول جملة بعد المقدمة قال فيها:

خضرة الشريفة جابت تلب قالت للبلا خليه

طلع الولد أسمر اللون لا أب ولا خال ليه

حلف الأمير رزق يطلع من بلدى ولا أخليه

بحثوا عن أصل الولد يلقوا النبى خال ليه..

وهذا المقطع غناه الشيخ الضوى، والد سيد الضوى، راوى «السيرة الهلالية» الأقصرى الشهير، وبعدها بدأ النص الآتى:

لم يخلق الرحمن مثل محمد

نبى الهدى قد جاء بالقرآن

صلى عليك الله يا علم الهدى

يا نور العيون يا صفوة الرحمن

أصلى على من قال: يا رب أمتى

طه.. الذى شرف بنى عدنان.

ومن أول النص لآخره نحن أمام جابر أبوحسين، والكتاب الثانى من أوله إلى آخره نحن أمام جابر أبو سين، وأحضرت شرائط الكاسيت لـ«جابر» وسمعتها فتأكدت من ذلك، وإن كان هناك تغيير فهو فى النص الذى جمعه «الأبنودى»، كطبيعة النص الشفوى الذى يحدث له تغيير، والنص الشفوى نعتبره فى كل رواية نصًا مكتملًا.

■ ما الذى فعلته بعد اكتشافك هذا؟

- كتبت مقالًا فى جريدة «الوفد»، قلت فيه إن النص الذى جمعه «الأبنودى» ليس إلا نص جابر أبوحسين، ولم يجمعه من مجموعة رواة، كما قال فى كتابه، ثم اكتشفت أنه يبيع شرائط، وهناك أحدها مكتوب عليه: «يكتبها عبدالرحمن الأبنودى ويغنيها جابر أبوحسين»، فطلبت منه إعادة نظر فى ذلك.

كتب «الأبنودى» فى جريدة «الأخبار»، بالتعاون مع جمال الغيطانى، مقالًا سبنى فيه، وقال عنى إن أهلى يسرقون الأكفان القديمة، وغيرها الكثير، فرددت عليه بمقال أسميته «السيرة والانتحال على طريقة الأبنودى»، قلت فيه إن «الأبنودى منتحل للسيرة ومجرد سارق لها»، وذكرته بالاسم.

بعدها، كان «الأبنودى» يلقى كلمة فى ندوة تابعة لهيئة الكتاب، قال فيها: «هناك أستاذ جامعى يضيره أن أكون أنا جامع السيرة الهلالية»، وسبنى مرة أخرى، ونُشر ما قاله فى جريدة «المساء»، لذا تواصلت مع رئيس القسم الثقافى فى ذلك الوقت، محمد جبريل، وقلت له: «لماذا تسبوننى؟»، فقالوا: «الأبنودى هو من قال هذا الكلام»، فكتبت: «أننى أُسقط هذه السيرة، ولا يجب أن يأخذ هذه السيرة أى باحث، لأنها مبتذلة، وعلى من يريد التعامل مع جابر أبوحسين أن يستمع للشرائط نفسها»، ونشرت الشريط نفسه بصوت «جابر».

■ ما الذى دفعك لتقديم كتاب عن الطيب صالح؟

كان مقالًا ثم تحول إلى كتاب، مقالة كبيرة بعنوان: «صانع الأسطورة الطيب صالح»، تحديدًا عن روايتيه «عرس الزين» و«دومة ود حامد»، وأكملتها بعد ذلك برواياته الأخرى، وقارنت فيها بينه وبين يحيى الطاهر عبدالله، وكنت قد نشرتها فى مجلة الجامعة الأمريكية، وبعد 10 سنوات اتصلت بى مديرة المجلة، فريال غزول، وقالت لى: «اخترنا مقالتك كأفضل مقالة كُتبت عن الطيب صالح»، وتُرجمت إلى الإنجليزية. والطيب صالح تشعر بأنه حميمى، وتسترخى وتتلذذ حين يصور «الزين» أو «دومة ود حامد»، حين يصور إحساس الناس، وهو روائى يهتم به الجميع فى الولايات المتحدة، لذا أثار كتابى عنه قلقًا كبيرًا هناك، حتى أن نصر حامد أبوزيد قال لى: «أنت بقرت بطن السودان من خلال الطيب صالح!». والحقيقة أن يحيى الطاهر عبدالله «فى نظرى» لا يقل عن الطيب صالح، لكن الفارق أن الأخير أحب السودان فغنى له، أما «يحيى» فكره الكرنك والقاهرة فهجاهما هجاءً مريرًا، فلا توجد شخصية فى الكرنك لم يهجها «يحيى». هما نجمان كبيران، واحد أحب والثانى كره، وأرى أنه لا يمكن أن ندرس يحيى الطاهر عبدالله وحده دون النظر إلى الطيب صالح، ويحيى الطاهر قرأ الطيب صالح، وحين كان يسكن عندى كان معجبًا برواية «موسم الهجرة إلى الشمال»، ومع ذلك لم يقدم هذه النوعية من الروايات.