الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

حكاياتى مع الكبـار.. نوال مصطفى: مجدى يعقوب «طفل كبير».. وبكيت وأنا أكتب عن مى زيادة

نوال مصطفى
نوال مصطفى

«طبيب القلوب» يعتبر كل المرضى أحبابه وأولاده «اللى بيطبطب عليهم»

 مصطفى أمين منح جزءًا من وقته لشاب ريفى أراد إجراء حوار معه لـ«مجلة المدرسة»

فى كتابها الجديد «يا دنيا يا غرامى»، الصادر عن المؤسسة العربية الحديثة للطبع والنشر والتوزيع، كتبت الكاتبة الصحفية نوال مصطفى عدة مقالات مهمة، روت من خلالها تفاصيل محطات من تجربتها الصحفية الممتدة على مدار سنوات طويلة، ولقاءاتها وحواراتها مع العديد من عمالقة الفكر والسياسة، إلى جانب رؤيتها عن الأدباء المصريين، وبعض الأفلام، وغيرها الكثير.

ومن بين الذى قابلتهم نوال مصطفى وكتبت عنهم فى «يا دنيا يا غرامى» أستاذها مصطفى أمين، الذى عملت معه لمدة 13 عامًا، إلى جانب «السير» مجدى يعقوب، والفنان العالمى عمر الشريف، علاوة على الراحلة بينظير بوتو، وقت توليها رئاسة وزراء باكستان.

حول الكتاب وكواليس لقاءاتها وحوارتها مع هذه الأسماء وغيرها، يدور حوار «حرف» التالى مع الكاتبة نوال مصطفى.

■ فى كتابك الجديد «يا دنيا يا غرامى» عرجت على العديد من الشخصيات الكبيرة.. لكن حكايتك مع مصطفى أمين لها طابع خاص.. كيف تنظرين إلى تجربتك معه بعد كل هذه الأعوام؟

- فى كتاب «يا دنيا يا غرامى» كتبت عن شخصيات مؤثرة فى المجتمع المصرى، على رأسهم أستاذى مصطفى أمين، الذى لم يكن كاتبًا صحفيًا ومؤسسًا لأول دار صحفية مصرية بالكامل هى «أخبار اليوم» فحسب، بل كان مدرسة كاملة ومتكاملة، ولديه ما يشبه «قرون استشعار» يكتشف بها المواهب، ثم يحتضنها ويشجعها، وكنت واحدة من هؤلاء الذين أحيطوا برعايته، وأفكاره الصحفية المتوقدة والمتجددة والمستمرة.

حكايتى معه بدأت عندما كنت فى السنة الثالثة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، حين انتقى الكاتب الصحفى الكبير جلال الدين الحمامصى مجموعة من الصحفيين الشباب الموهوبين للتدرب فى دار «أخبار اليوم»، وكنت منهم.

تأسست وتربيت فى مدرسة «أخبار اليوم»، وعلى يد مصطفى أمين وجلال الحمامصى، اللذين التقيت بهما فى بداياتى، وشكلا شخصيتى الصحفية والإنسانية التى لا تقبل بأنصاف الحلول، وتسعى لأن تكون صوت المواطن الذى لا صوت له، ولم أُصنَع فى يوم أو أسبوع أو عام، بل على مدار سنوات من التعلم المباشر.

كنت أرى مصطفى أمين شخصيًا، رأيته يمنح من وقته جزءًا لشاب جاء من الأرياف ليجرى معه حوارًا لمجلة المدرسة، لم يكن يبخل بوقته على الجميع، على الرغم من أنه يجالس الرؤساء والملوك ورؤساء الوزارات، بل هم من كانوا يسعون للتواصل معه.

تجربتى معه عميقة وطويلة، امتدت إلى نحو ١٣ عامًا، وكنت قريبة منه للغاية، كان إنسانًا حقيقيًا، وحين يصله خطاب يطلب صاحبه كتابًا من كُتبه، لم يكن يبخل عليه أبدًا، وكان يرسل الكتاب مع سكرتيره «كريم»، ويوقع إياه بيده، رغم أن كتبه كانت مرتفعة الثمن.

■ وماذا عن الكتاب المصور الذى أعددته عن أستاذك؟ 

- مصطفى أمين يمكن أن أكتب عنه كتابًا مستقلًا، كما فعلت من قبل فى كتابى المصور عنه، والذى بدأت فيه قبل وفاته، وطلبت منه معلومات وصورًا له، وكان تجربة جديدة للكتب المصورة عن الشخصيات الكبيرة حينها.

عرضت الفكرة على إبراهيم سعدة ووافق، وبدأنا بـ«صاحب الدار» مصطفى أمين، فقد كنا نناديه بهذا اللقب، والكتاب اسمه «قصة حياة عاشق الصحافة»، بدءًا من طفولته ونشأته فى بيت خاله سعد زغلول، حتى وفاته وخروج الملايين من محبيه وعشاقه لوداعه، فى جنازة تجاوزت جنازات الرؤساء ومشاهير الفن.

الكتاب سيناريو مصور عن مصطفى أمين، الإنسان، والمدرسة فى الفلسفة وفهم الحياة، والرائد الكبير فى الصحافة المصرية، وهو الذى ابتكر «صحافة الخبر القصير التلغرافى»، مع على أمين، وهما أيضًا من أدخلا «الكاريكاتير» و«الصورة» كبطل فى القصة الصحفية، وهما من أسسا أبواب: «ليلة القدر»، و«لست وحدك»، و«أسبوع الشفاء».

يمكن أن ينظر إليه على أنه «فيلسوف الحياة»، وكل من تبناهم أصبحوا رؤساء تحرير، وأسسوا صحفًا ومنصات إعلامية فى كل البلدان العربية، كما أنه كون فى داخلى إحساس البشر، ولعل هذا ما دفعنى لتبنى قضية مثل «أطفال السجينات».

ورغم أننى حصلت على جوائز عالمية كثيرة، بينها «صناع الأمل» من دبى، وتلقيت تكريمًا من الرئيس السيسى، لكن الجائزة الكبرى هى ابتسامة طفل، أو سيدة مظلومة خرجت إلى النور، وهذا تعلمته من اقترابى إلى مصطفى أمين، بالإضافة إلى كونى ابنة لسيد مصطفى، صاحب مؤسسة «سلاح التلميذ»، وابنة لشقيقة عبدالرحمن الخميسى.

■ نشرتِ فى كتابك حوارًا مع السير مجدى يعقوب، قال فى نهايته: «البعض يقول لى عندما تضع يدك على قلبى أشفى دون علاج».. كيف رأيتِ «طبيب القلوب» من واقع اقترابك منه؟

- هذا الرجل أراه طفلًا كبيرًا، عندما تنظر إليه، تجد ابتسامة عريضة صافية نقية إنسانية جدًا، وأنا أحبه على المستوى الشخصى، ولذلك لم أفوت الفرصة إطلاقًا عندما رأيته، وطلبت منه إجراء حوار صحفى معه.

كنا فى دبى مدعوين لحضور حفل جوائز «صناع الأمل ٢٠٢٠»، وكان مجدى يعقوب «شخصية العام» فى هذه الدورة، فتسللت ودخلت إليه مباشرة، وقلت له: «أحبك... أنا صحفية وأريد أن أجرى حوارًا معك»، وبنفس ابتسامة الطفل قال لى: «طبعًا طبعًا»، وبالفعل جلسنا فى لوبى الفندق وأجرينا الحوار، الذى تحدث فيه بكل حب.

تشعر فى حديثه أن المرضى كلهم أحبابه وأخوته وأولاده «اللى بيطبطب عليهم»، ليس جراحًا ماهرًا قديرًا فحسب، لكنه يعالج بقلبه وإنسانيته، لا بمشرط الجراحة، لذا أتمنى من الله أن يكرمه بقدر ما منح لمصر، هو يستحق تمثالًا كبيرًا.

الإنجليز كانوا يفتخرون بمجدى يعقوب، لكنه ترك كل شىء وجاء لينفذ مشروع مجمعه الطبى فى أسوان، التى تفتقد الكثير من الناحية الطبية، جمع الأطباء وعلمهم ما يعرفه، نقل إليهم خبرته، لذا هو يستحق كل تقدير، وأتمنى أن أكتب كتابًا عنه، أذكر فيه كل ما فعله للإنسانية والوطن.

■ قلتِ إن «كثيرين أحبوا مى زيادة، لكنها كانت وحيدة رغم كل من حولها».. ما تصورك العام عن شخصيتها من واقع كتابك عنها «مى زيادة: أسطورة الحب والنبوغ»؟ 

- لـ«مى زيادة» قصة كبيرة معى، بدأت حين كنت أجلس أمام أنيس منصور، فى مكتبه بـ«الأهرام»، وكان يهنئنى بصدور مجموعتى القصصية «العصافير لا يملكها أحد»، بعدما كتب عنها مقالًا كبيرًا، يومها قال لى فجأة: «لماذا لا تكتبين عن مى زيادة؟»

استوقفنى السؤال، وقلت له: «ماذا أكتب؟.. مى كتب عنها الكثير فى حياتها»، فقال لى جملة كانت المحرك والحافز الحقيقى لهذا الكتاب، قال لى: «انصفى مى زيادة، واكتبى عنها بعيون نوال مصطفى، بإحساسك الخاص، حينها لن يكون كتابك مثل عشرات الكتب التى صدرت».

كانت هذه نقطة البداية التى تحركت فى عقلى لإنجاز الكتاب، فبحثت فى كل المراجع، واقتنيت كتب مى زيادة، وكنت أبكى بكاءً حارًا وأنا أتوقف عند محطات فى حياتها، وعندما شرعت فى الكتابة، كنت أشعر بأن «مى» تجلس بجانبى، تنظر إلى، تقول لى: «احتاج إلى حضن»، كنت أبكى وأشعر بأنها معى فى كل حرف.

وهذا الكتاب لا يموت مثل صاحبته، كلما انتهت طبعة تصدر أخرى، فقد طُبع ونُشر فى هيئة الكتاب، ومكتبة الأسرة، ثم فى دار «العين»، كما حصلت عنه على جائزة معرض الكتاب، وسلمنى الدرع الرئيس الأسبق حسنى مبارك.

■ وماذا عن حوارك مع النجم العالمى عمر الشريف؟

- عمر الشريف نجم عالمى فريد من نوعه، وكان حلمًا من أحلامى أن التقيه وأجرى معه حوارًا، وفى إحدى زياراته إلى مصر التقيت به بالفعل، ووجدته متواضعًا جدًا، لا تشعر بأنك أمام نجم كبير عالمى، وكل حديثه كان عن حب مصر، وبه شجن وقطرات من الحزن، تشى بأنه ترك مصر لعمله فى السينما العالمية، لكنه فى المراحل النهائية من حياته افتقد كثيرًا من الحب، والوجود بين أهله وناسه.

وكان لديه أمر غريب، هو أنه كان لا يشعر بأنه يستحق كل هذا التكريم والهالة والمكانة الكبيرة التى وضعه العالم فيها، لا يشعر بأنه فعل شيئًا، يعتقد أن ظروفه قادته لتلك المكانة، وأنه لم يبذل مجهودًا خارقًا، أن الأرضية كانت ممهدة لذلك، من تعليم فى الإسكندرية، وأب وأم احتضناه وربياه وتربية راقية، وأصدقاء نشأ معهم وتعرف من خلالهم على يوسف شاهين، قبل دخوله الفن صدفة، كان يشعر بأن حياته مجموعة من الصدف، كان متواضعًا إلى حد غريب جدًا، وسيظل علامة من علامات السينما المصرية والعالمية.

■ ما كواليس حوارك مع بينظير بوتو، ئيسة وزراء باكستان السابقة، والذى فزت عنه بجائزة نقابة الصحفيين؟

- هذا الحوار اعتز به جدًا، وكان مغامرة صحفية كبيرة خضتها وتوليتها بكل تفاصيلها من الألف إلى الياء، وأذكر وقتها أننى عندما قلت لرئيس التحرير: «أريد أن أجرى حوارًا مع رئيسة وزراء باكستان»، نظر إلىّ بكل تعجب وقال لى: «ماشى.. حاولى».

ذهبت إلى سفارة باكستان، وقابلت المستشار الإعلامى، وطلبت منه أن أجرى حوارًا مع بينظير بوتو، فسألنى عن كل شىء خاص بى، وقال لى: «سنرسل السيرة الذاتية الخاصة بك إلى ديوان رئيسة الوزراء فى باكستان، وسننتظر الرد»، ثم أرسل إلى طالبًا منى الأسئلة.

ذهاب وعودة ومحاولات لمدة شهرين كاملين، ثم جاء الخبر بأن الموعد تحدد، وأنى سأسافر إسلام أباد لمقابلة بنيظير بوتو، وكدت أن أطير فرحًا من هذه الموافقة، خاصة مع تعبى الشديد طوال هذه الفترة للحصول عليها.

لكن فى نفس الوقت شعرت برعب شديد، كنت خائفة جدًا الحقيقة، لأن بينظير بوتو كانت صاحبة «كاريزما» واضحة، وكنت أتابعها كثيرًا، منذ زمن وهى تكافح وتناضل فى صفوف المعارضة من الخارج، بعد اغتيال والدها أمام عينيها، وهى لا تزال طفلة، حتى أصبحت رمزًا حقيقيا للكفاح والمقاومة.

سافرت إلى باكستان، وعرفت أن هناك ١٦ طلبًا لإجراء حوار معها، لكنها رفضتها جميعًا، ووافقت على طلبى أنا، وهو أمر جعلنى أشعر بفخر وسعادة كبيرين جدًا، لأجرى بعدها واحدًا من أهم الحوارات الصحفية فى حياتى، وأحصل عنه على جائزة نقابة الصحفيين.

■ لماذا اتهمت الحركة النقدية الأدبية الحالية بأنها «غير منصفة»؟ 

- قلت بالفعل إن الحركة النقدية غير منصفة فى وقتنا الحالى، لأن الكاتب لا بد أن تكون له «شلة» كى يُكتب عن كتابه أو روايته أو مجموعته القصصية، فضلًا عن كثرة الأعمال التى تُكتب وتُنشر، ما خلق «زحامًا» فى الوسط النقدى.

أتمنى أن يتحسن الوضع، ويكون هناك إنصاف ونقاد حقيقيين يستحقون أن نقرأ لهم، مثل رجاء النقاش وعلاء الديب، والذين كانوا يقرأون بكثرة، ويعتبرون النقد رسالة ومشعل نور يضىء أمام الكاتب الجاد، وكانوا يتبنون الكتاب ويدعمون مواهبهم.

■ اقتربت من الدكتور جابر عصفور وسبق أن كتبت عنه مقالًا كبيرًا.. كيف تقيمين تجربته الأدبية والنقدية والانسانية؟

- كان شخصية ثقافية عالية المستوى، وتجربة خاصة جدًا، كان قارئًا وكاتبًا وفيلسوفًا، وتبنى أجيالًا من النقاد والأدباء، وهو صاحب تجربة كبيرة وثرية ومتعددة الروافد، وما كتبته عنه قليل من كثير يستحقه.

■ رغم رحيل الرواد لا ينضب معين الأدب المصرى، ويبرز خلفهم جيل يحمل الراية، مثل محمد المخزنجى وعزت القمحاوى.. كيف ترين هذا الجيل؟

- محمد المخزنجى «شاعر الأدب»، هو أديب بدرجة شاعر، ولديه مفردات وتعبيرات وتكوينات لغوية خاصة به، كاتب أصلى وأصيل جدًا، ولا يعرف أحد كيف يقلده، ولن يصل أحد إلى رقة الإحساس الذى يكتب به، وهذه الرقة تصل إلى أعماق الإنسان، ويستطيع أن يقبض على الإحساس ويعبر عنه بصورة فائقة الروعة، وهو من الكتاب الذين أقف أماهم وأندهش، وما زال قادرا على منحى الدهشة الكبيرة بما أقرأه له.

أما عزت القمحاوى فهو من الكُتاب الذين أحبهم كثيرًا وأقرا لهم، لأنه يكتب عن الحياة العادية بأدب رفيع عال المستوى، يعبر عما نمر به فى حياتنا بأسلوب وعين الأديب، وبرؤية الأديب الذى يمنحك إحساسًا موازيًا ورائعًا وعميقًا للحياة والتجارب والأشخاص والبلدان والكتب، هو لون مختلف تمامًا.

ولدينا فى هذا الجيل كتاب رائعون، وكما قلت معين الأدب لا ينضب، فلا زال لدينا إنتاج متميز، ومنذ رئاستى تحرير «كتاب اليوم»، اهتمامى الأكبر هو اكتشاف المواهب، ومن موقعى كمستشار ثقافى لـ«المؤسسة العربية الحديثة» و«روايات مصرية للجيب»، رحت أبحث عن المواهب فى كل مكان، وأعدت إنتاج المسابقة التى اكتشف فيها حمدى مصطفى نبيل فاروق، وأطلقتها أواخر عام ٢٠٢٣، وأعلنت أسماء الفائزين بها، فى سبتمبر الماضى، بل وأنتجت عددًا من الكتاب.

هناك كتاب كثيرون موجودون على أرض مصر، وهم كتاب رائعون، وأعتقد أن قوة مصر الحقيقية فى أدبائها وفنانيها وموسيقييها، قوتنا الناعمة التى نملك منها العشرات فى كل التخصصات، مصر ولادة وبها الكثير من الشباب الموهوب، الذى ينبغى علينا احتضانه وتبنيه ودفعه نحو الإنتاج والإبداع.