الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

خلف خطوط «اللوكيشن».. الكاتب الصحفي محمود مسعود يكشف أسرار روائع الدراما المصرية

الكاتب الصحفي محمود
الكاتب الصحفي محمود مسعود

«مين فينا جاى مرساها مين رايح؟».. «بين غربتك فى ديار أهلك وغربتك فى بلاد الله».. «يا بوى ع الليل وآخره لما تصحى جروحى».. «قالوا زمان دنيا دنية غرورة».. «اللى بنى بنى مصر كان فى الأصل حلوانى»... كلها «تترات» لمسلسلات عشنا وتأثرنا بها، وما زلنا نتأثر بها إلى الآن، رغم تغير الزمن، وتغيرنا نحن شخصيًا.

لم تكن «التترات» وحدها هى ما جذبتنا إلى هذه الأعمال، بل إن اكتمال عناصرها الفنية هو ما جعلها تتحدى الزمن بأيامه ولياليه، وتعيش حتى هذه اللحظة، بداية من القصة والإخراج والتمثيل، إلى جانب الموسيقى التصويرية. هذه الأعمال، ككثير من المصريين، استرعت انتباه الكاتب الصحفى محمد مسعود، الذى قدّم ثلاثة كتب عن هذه الأعمال، تشكل فيما بينها ثلاثية مهمة عن تاريخ الدراما المصرية، بداية من كتاب «أساطير الدراما»، ثم الجزء الثانى منه بنفس الاسم، وصولًا إلى كتاب «غير المكتوب عليهم». وسرد الصحفى المتخصص فى الفن، فى الكتب الثلاثة سالفة الذكر، تفاصيل تصوير وإنتاج وإخراج المسلسلات الدرامية، من خلال حضوره تصوير بعضها، أو حواراته مع مخرجيها ومنتجيها، وهو ما نستعرض بعضًا منه فى الحوار التالى معه، خاصة مع احتفال مصر بـ«100 سنة دراما»، فى العام الماضى.

■ «محدش حس بينا وبجهودنا وتعبنا غير محمد مسعود»، و«أحيى أسطورة المحاورين محمد مسعود».. بين جملة الفنانة سميرة أحمد والمخرجة رباب حسين.. أين يرى محمد مسعود نفسه؟

- أنا أرى نفسى فى منطقة محايدة بين إبداعهم وتاريخهم، وضميرى وشعورى الشخصى بالامتنان لكل شخص منهم، لأنهم قدموا للدراما المصرية الكثير، وأسهموا بشكل كبير جدًا فى أن تكون الدراما هى قوة مصر الناعمة.

أيضًا وضعنى هذا أمام مسئولية كبيرة جدًا جدًا، تتعلق بالأمانة فى السرد، وكيف تتعامل مع الفنان كإنسان يُقدم فنًا قد ينجح وقد يجانبه الصواب فى بعض الفترات، فالفنان كتلة من المشاعر والأحاسيس، وإنسان مثله مثل أى شخص عادى، وله لحظات ضعف ولحظات قوة.

حاولت فى كتبى أن ألمس الجانب الإنسانى فى كل عمل من الأعمال الدرامية، هذا كان الهدف الأسمى، أن تكون الكتب عبارة عن صحافة بيضاء خالية من الإثارة والفضائح، كتب عن الصناعة وعن الإنسانيات.

■ ما العمل الدرامى الذى تمنيت أن تكون حاضرًا فيه بكل تفاصيله؟

- طبعًا دون شك «ليالى الحلمية»، ليس فقط لأنها من تأليف صديقى الراحل الأستاذ أسامة أنور عكاشة، وإخراج الصديق الراحل أيضًا الأستاذ إسماعيل عبدالحافظ، ولكن لأن المسلسل كان معرض المجتمع المصرى، وتاريخ ١٠٠ سنة مهمة فى عمر مصر، من خلال دراما الأستاذ أسامة أنور عكاشة.

الدراما التى قدمها «عكاشة» توازى الأدب الذى قدمه الأستاذ نجيب محفوظ، من وجهة نظرى، ولو هناك «جائزة نوبل» تُمنَح لكاتب الدراما لمُنحت، دون أى شك، للأستاذ أسامة أنور عكاشة.

«ليالى الحلمية» بكل تفاصيله، بالسرايات ومنطقة الحلمية، نجح «عكاشة» من خلاله فى أن يقدم مصر كاملة، فى حوالى ١٠٠ حلقة على مدار ٥ أجزاء، لذا أعتبره أعظم عمل درامى على الإطلاق، وكنت أتمنى حضور تصويره، وإن كنت قد شرفت بحضور تصوير حلقة ديكور مع الأستاذ إسماعيل عبدالحافظ، وكنت وقتها صغيرًا فى بداية حياتى الصحفية.

■ كيف تصف العلاقة الدرامية بين يحيى الفخرانى وأسامة أنور عكاشة؟

- أستطيع أن أقول إنها علاقة درامية قائمة على الصدفة، لأن أعظم عملين شارك فيهما يحيى الفخرانى كانا من تأليف الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة، ولم يكن مخططًا أن يشارك فيهما «الفخرانى».

فى «ليالى الحلمية»، لم يكن «الفخرانى» المرشح الأول لدور «سليم البدرى»، كان محمود ياسين، وبعد اعتذار الأخير حصل «الدكتور يحيى» على الدور، الذى لم يكن فى الحسابات الأولى لصناع المسلسل.

لم يكن فى ذهن أسامة أنور عكاشة أن يجسد يحيى الفخرانى دور «سليم البدرى»، لكن جاء اعتذار محمود ياسين ليمنحه هذا الدور الأيقونى، الذى أرى أنه يشكل نصف القوة الدرامية لـ«الفخرانى».

المسلسل الثانى «زيزينيا»، الذى قال الأستاذ جمال عبدالحميد إنه أهم وأعظم أعماله، ومثل «ليالى الحلمية» لم يكن يحيى الفخرانى مرشحًا لخوض بطولته، بل كان فاروق الفيشاوى، الذى حضر قبل التصوير نحو ٥٠ جلسة عمل وبروفة تصوير، لكن أسامة أنور عكاشة لم يكن مُرحبًا بوجود «فاروق»، واستطاع «تطفيشه»، وبعدها رشح «الفخرانى».

وأرى أن «زيزينيا» و«ليالى الحلمية» هما ما حقق نصف تاريخ ومجد يحيى الفخرانى، وكما ذكرت المسألة كانت قائمة على الصدفة، فـ«الفخرانى» لم يكن المُرشَح الأول للعملين، ومع ذلك لا نريد أن نبخسه حقه، فهو فنان عظيم، أدى الدورين باقتدار، سواء «سليمان البدرى» أو «بشر عامر عبدالظاهر».

أيضًا كان أسامة أنور عكاشة يريد يحيى الفخرانى فى مسلسل «أرابيسك»، وكان المرشح الثانى بعد عادل إمام، الذى اعتذر بعد أن طلب إجراء تعديلات فى النص، ويحيى الفخرانى وقتها كان مرتبطًا بمسلسل «لا»، وهذا ما «حزّ» فى نفس «عكاشة»، لكنه قدر ارتباطه بعمل ثانٍ، ليذهب الدور فى النهاية للعمدة صلاح السعدنى.

وبصفة عامة، الصدفة لعبت دورًا كبيرًا فى حصول العديد من الأبطال على مجد كبير فى عالم أسامة أنور عكاشة، فلو قلنا إن الدراما ملعب فصاحب الملعب وصاحب الكرة كان الكاتب الكبير، رحمه الله.

■ ما أول موضوع كتبته فى ثلاثيتك: «أساطير الدراما ١ و٢» و«غير المكتوب عليهم»؟

- أول موضوع كتبته فى الثلاثية كان عن مسلسل «لن أعيش فى جلباب أبى»، ضمن حلقات فى جريدة «الفجر»، ولم يكن فى نيتى أن أوثق الأعمال الدرامية، أو أقدم ٣ كتب كاملة عنها، وإن كانت الفكرة لدىّ منذ حوالى ٢٠ عامًا، على ضوء عملى فى تغطية أخبار استوديوهات التصوير فى مدينة الإنتاج الإعلامى وقطاع الإنتاج، ما كوّن لى علاقات مهمة، وأمدنى بمعلومات كثيرة جدًا جدًا، إلى جانب إعدادى ونشرى حملة عن «فساد مدينة الإنتاج».

كانت تجمعنى علاقة وثيقة بمؤلفين ومخرجين، منهم الأستاذة العظيمة رباب حسين، التى تواصلت معها لأعرف معلومات وكواليس عن مسلسل «لن أعيش فى جلباب أبى»، فى ظل أنها المخرج المنفذ لهذا العمل الأيقونة، وذلك بعد عرضه بـ٢٠ عامًا.

وبالفعل أصبح لدىّ كل كواليس وتفاصيل المسلسل، وأردت أن أكتبها، وعندما كتبت الموضوع ونشرته وجدت صدى غير مسبوق، وتواصل معى منتجون وسألونى: لماذا لا تعرض أعمالنا بنفس الطريقة؟ 

فى الأسبوع التالى مباشرة كتبت موضوعًا عن مسلسل «الوتد»، ثم عن مسلسل «امرأة من زمن الحب»، ثم «ريا وسكينة»، حتى تواصل معى حسين عثمان، صاحب دار «ريشة» للنشر والتوزيع، وطلب منى توثيق هذه الموضوعات فى كتاب.

إذن الشرارة الأولى لكتابة ثلاثيتى عن الدراما كانت مسلسل «لن أعيش فى جلباب أبى»، وتحديدًا بسبب «فرح سنية»، الذى ظل «ترند» على مواقع التواصل الاجتماعى فترة طويلة، وما زال.

■ ما الموضوع أو المسلسل الأقرب إلى قلبك؟

- المسلسل الأقرب إلى قلبى قد يكون مفاجأة لمن يعرفنى جيدًا، فعلى الرغم من حبى الشديد العظيم أسامة أنور عكاشة، وإسماعيل عبدالحافظ، لكن المسلسل الأقرب إلى قلبى هو «الليل وآخره»، الذى كتبه محمد جلال عبدالقوى، وأخرجته القديرة المبدعة رباب حسين، من بطولة يحيى الفخرانى.

وكثيرون لا يعرفون أن الدور فى البداية كان للفنان نور الشريف، لكنه كان مرتبطًا بمسلسل «عمرو بن العاص»، فطلب من صناع «الليل وآخره» تأجيله إلى ما بعد الانتهاء من هذا العمل التاريخى، لكن المنتج محمود دهموش رفض طلبه، وبناءً عليه رشحت المخرجة رباب حسين «يحيى الفخرانى»، ليقدم شخصية «رحيم المنشاوى»، فى واحد من أعظم أعماله.

ولا يزال «رحيم المنشاوى» غصة فى حلق كل متابع لمسلسل «الليل وآخره»، فالكل يسأل إلى هذه اللحظة: «ليه رحيم يموت؟!»، وهذا السؤال توجهت به إلى المؤلف محمد جلال عبدالقوى، فقال لى: «الحتمية الدرامية تقتضى ذلك، لو لم أكن أريد موته روحيًا، لكتبت المسلسل بشكل آخر، لكنى عرضت رحلته (فلاش باك) من خلال القطار، والقطار هو الحياة، ونزوله يعنى وفاته».

بهذه الكيفية كتب محمد جلال عبدالقوى مسلسل «الليل وآخره»، الذى أرى أن كل واحد منا هو بطله «رحيم المنشاوى»، يجلس فى قطار ويسترجع كل ما مر به، ومحطة نزوله هى وفاته، ولذلك كله هو العمل الأقرب إلى قلبى.

■ كيف نعوّض كتابات أسامة أنور عكاشة ومحمد جلال عبدالقوى ومحسن زايد؟

- كتابات أسامة أنور عكاشة ومحمد جلال عبدالقوى ومحسن زايد لن تُعوَض، الكاتب هو ضمير الأمة، هذا أمر معروف، فأمة بلا كاتب هى أمة بلا ضمير، لكن لكل زمن كُتّابِه، والزمن الذى كان يكتب فيه هذا الثلاثى وغيرهم انتهى، وهذه سنة الحياة.

نحن الآن فى زمن آخر بكُتّاب أخرين، عندنا عبدالرحيم كمال، ومريم نعوم، ومحمد أمين راضى، ومحمد سليمان عبدالملك، وهى أسماء جيدة جدًا، تستطيع أن تصنع دراما تعبر عن الزمن الذى يعيشون فيه، ويكونوا ضمائر هذه الأمة فى زمننا الحالى، وهذا الزمن «لايق عليهم وهما لايقين عليه».

■ ما أسباب اختلاف الدراما التليفزيونية الحالية عن زمن الروائع؟ 

- المجتمع يتغير، والدراما تتغير بتغيره، لذا يقال إن الدراما هى مرآة المجتمع، وهناك قاعدة درامية تقول: «الأشرار يصنعون الدراما، والطيبون يدخلون الجنة». فى وقت من الأوقات، فى الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، وصولًا إلى الألفينيات، كان الطيبون ينتصرون، لكن الدراما بدأت تتغير، وبدأ يدخل عليها الأشرار والبطل الشعبى والدم والأكشن.

والمسلسل عمومًا ابن مجتمعه وابن زمنه، يمثل الحقبة التى صنع فيها، ويعكس الظروف المحيطة به، ولذلك كله الدراما الحالية تختلف عن دراما الفترات الماضية، فهى كما قلت تُمثل المجتمع، ومجتمع عبدالناصر فى الستينيات غير مجتمع السادات فى السبعينيات، غير مصر فى التسعينيات والألفينيات، وغير مصر الآن، لكل مجتمع وزمن درامته وشخصياته وأبطاله.

■ فى رمضان المقبل سيُعاد تقديم فيلم «إمبراطورية ميم» فى مسلسل جديد، ومن قبله كان مسلسل «العار» وغيره... ما المسلسل الذى تود إعادة تقديمه مرة أخرى؟ وبمن من الممثلين؟

- أتمنى تقديم مسلسل «جرى الوحوش»، عن الرائعة السينمائية التى قدمها المؤلف محمود أبوزيد، وأخرجها على عبدالخالق، على أن يكون من بطولة نفس الطاقم الذى قدم مسلسل «العار»، المكون من مصطفى شعبان وأحمد رزق وشريف سلامة. أتمنى تقديم «جرى الوحوش»، لأن المجتمع الحالى أصبح استهلاكيًا، الناس تجرى وراء المادة، والصراع على لقمة العيش لا ينتهى، الناس تجرى جرى الوحوش لكسب قوتها، سواء عن طريق مشروع أو غير مشروع، ويلقون بكل شىء على الظروف والزمن.

■ ما رأيك فى المنصات الإلكترونية وتأثيرها على الدراما؟

-أرى أن تأثيرها إيجابى، فالمنصة نافذة عرض وشاشة و«فاترينة» جيدة لعرض دراما بلا قيود وبلا رقابة أو شكل محدد، وهو أمر يسهم فى اتساع نطاق المشاهدة، فبدلًا من أن تكون تليفزيونية خاضعة لقانون التليفزيون، يمكن من خلالها مشاهدة المسلسل على «الموبايل»، فى أى وقت. وأريد أن أشير هنا إلى أن المنصات الإلكترونية تنبأ بها نور الشريف، رحمه الله، قبل وفاته بـ10 سنوات، عندما قال إن المسلسلات ستكون «ستوكس على الموبايلات، وقتها لم يصدقه أحد، حتى أصبح ما قاله الواقع الذى نعيشه الآن.

ونأمل فى أن تفيد التكنولوجيا الدراما، ولا تجهز عليها أو تنهيها، ونحن نرى على المنصات الإلكترونية مسلسلات قوية جدًا، وأخرى ضعيفة ورديئة، لكن فى النهاية هى أداة عرض إضافية و«فاترينة» جديدة للدراما، سواء المصرية أو العربية، وهذا فى حد ذاته تنوع مطلوب.