الجمعة 19 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

أنا صبرى موسى صاحب «فساد الأمكنة» يرسم صورة موضوعية لنفسه

أيمن الحكيم: خناقة سلوى بكر وإبراهيم فتحى أصابت صبرى موسى بجلطة أودت بحياته

أيمن الحكيم
أيمن الحكيم

كشف الكاتب أيمن الحكيم عن أن الناقدة سلوى بكر تسببت فى إصابة الأديب الكبير صبرى موسى بجلطة فى المخ، أودت بحياته، بسبب خلافها مع الناقد الراحل إبراهيم فتحى، والذى وصل للتطاول، فى وجود «موسى»، خلال اجتماع للمجلس الأعلى للثقافة، مؤكدًا أن «سلوى» مدينة باعتذار.

وأوضح «الحكيم» تفاصيل هذه القصة، لـ«حرف»، فى حوارنا معه عن كتابه الجديد «صبرى موسى ساحر الكتابة.. سيرة وأوراق واعترافات»، الذى كتب فيه: «صبرى موسى لم يمضِ، كل الدلائل تشى وتؤكد حضوره، فما تركه من إبداع أدبى وإنسانى يستعصى على النسيان».

فى الحوار يتحدث «الحكيم» عن صبرى موسى، وحياته وأدبه وإبداعه والمرأة فى حياته.

■ كيف عثرت على أوراق صبرى موسى الخاصة؟

- الأستاذ صبرى كان منظمًا جدًا، ويحتفظ بكل شىء، وكانت مكتبته منظمة للغاية، ومن حسن حظى وأنا أعمل على الكتاب، ساعدتنى زوجته زميلتنا الكاتبة الصحفية، أنس الوجود رضوان، وكانت لديها أوراق مهمة جدًا، وأمدتنى بها، وأشياء تنشر للمرة الأولى وصور نادرة.

فى الكتاب ستجد لأول مرة صورة والده ووالدته، وأسرته، ومشروعات كانت جديدة، مثل مشروع فيلم عن سلطانة الطرب منيرة المهدية، وكانت له مغامرة مع صديقه الشاعر الفلسطينى العظيم سميح القاسم.. سميح كانت لديه قصيدة مطولة، وقرر صبرى تحويلها إلى سيناريو.

ووجدت أوراق فيلمه عن «البابا شنودة»، وكتابات أخرى بخط يده، ومشروعات لم تتم وسيناريوهات جديدة، وقد ذكر الكثيرون أنه قليل الإنتاج، ولكنها ليست هى الحقيقة، فصبرى كان غزير الإنتاج جدًا، ولكن هناك أشياء لم تخرج للنور.

وأتمنى أن يكون هناك مشروع لإعادة نشر الأعمال التى لم تنشر لصبرى موسى، سواء سيناريوهات أو مقالات نشرت ولم تجمع فى كتاب، وأتمنى أن تتولى إحدى دور النشر هذا المشروع، سيناريوهاته تدرس، هو فى الحقيقة حين يكتب سيناريو فهو يكتب إبداعًا موازيًا.

أيمن الحكيم

■ وكيف كان حضوره فى حياتك على مستوى التجربة الأدبية؟

- المعرفة الأدبية كانت لها قصة طريفة حكيتها فى الكتاب، سألنى الأستاذ رجاء ذات مرة عن رواية «فساد الأمكنة»، فقلت له ليست معى، واكتشف أنى لم أقرأها، فغضب غضبًا شديدًا، كيف لم أقرأ هذه الرواية العظيمة حتى الآن، وظل يقول لى فيها شعرًا، وإنها من أعظم الروايات فى تاريخ الأدب العربى.

ومن مكتبته، أعطى لى نسخة من الرواية، وقال لى: «لازم تقرأها»، وحين قرأتها وقعت فى غرامها، ووصفتها بأنها «الفتنة الكبرى» فى حياة صبرى موسى، الرواية بديعة جدًا وأتذكر أنى أجريت حوارًا «ساذجًا» مع الأستاذ رجاء، عام ٩٨ فى بدايتى الصحفية، وسألته: اختر لى أهم ١٠ روايات فى تاريخ الأدب العربى، وفى الكواليس قال لى: «نفسى أختار فساد الأمكنة نمرة واحد، ولكن بحكم أشياء كثيرة، لا بد لنجيب محفوظ من أن يتصدر القائمة بأولاد حارتنا والحرافيش، وبعده أختار فساد الأمكنة».

الحقيقة كان اختيارًا غريبًا جدًا؛ لأن الرواية تجاوزت روايات مهمة، مثل «عودة الروح» لتوفيق الحكيم و«دعاء الكروان» لطه حسين و«قنديل أم هاشم» ليحيى حقى.

وكان «رجاء» يرى أنها رواية عظيمة جدًا، وأنا وقعت فى هوى هذه الرواية، وسأكشف لك سرًا، فإلى الآن لم يستطع أحد أن يحولها إلى فيلم سينمائى أو عمل درامى، وبمناسبة الأسرار، كنت تواصلت مع وحيد حامد، رحمه الله، وقلت له: «أنت الوحيد الذى تستطيع أن تكشف سر هذه الرواية وتكتب عنها فيلمًا بديعًا»، وقد تحمس للعرض، وطلب نسخة وقال إنه قرأها من قبل، وكان وقتها مشغولًا فى مسلسله الأخير «الجماعة ٣».

وقال لى: «بمجرد أن أنتهى من المسلسل سأبدأ فى فساد الأمكنة فورًا، وللأسف رحل قبل تحويلها إلى فيلم، وأيضًا قبله كان السيناريست محسن زايد متحمسًا لتحويلها إلى فيلم، ومن سوء حظنا رحل أيضًا. هذا سوء حظ بالنسبة للرواية رغم شهرتها، وأتمنى أن تتحول لعمل سينمائى، فهى رواية متجددة وبها سحر غامض.

كنت فى لقاء مع صديق سعودى، وهو أستاذ أكاديمى، الدكتور عبدالله بانخر، وكان معنا السفير خالد بحاح، السفير اليمنى بالقاهرة، ووجدت الدكتور عبدالله يحدثنا عن «فساد الأمكنة»، وكيف وقع فى سحرها وله آراء بديعة فى تفسيرها، لدرجة أن السفير طلب منها نسخة ليقرأها.

وأرى أن «فساد الأمكنة» فعلًا هى الفتنة الكبرى فى حياة صبرى موسى، هى رواية استثنائية فى تاريخ الأدب، لدرجة أن المسئولين فى تونس أقروها على طلبة المدارس الثانوى، ومن باب أولى أن نكون نحن من نفعل ذلك.

■ ذكرت فى كتابك أن صبرى موسى لم يمضِ.. أين نجده فى حياتك؟

- بدأت علاقتى بالأديب الكبير صبرى موسى من خلال أستاذى وشيخى والأب الروحى لى، الكاتب والناقد الكبير رجاء النقاش، وكان من حسن حظى أنه تبنانى فى بداية حياتى، ومن خلاله عرفت صبرى موسى.

«رجاء» كان أول ناقد تقريبًا التفت لموهبة «موسى» الأدبية، وكتب عنه سنة ٥٨ حين أصدر مجموعته الأولى «القميص»، وبشر به ككاتب ومبدع كبير.

كان «موسى» ممتنًا جدًا لرجاء النقاش، وكان صديقه وبينهما علاقة إنسانية عظيمة جدًا، وكان يخصه بمحبة.

«صبرى» كانت له «شلل من الأصدقاء»؛ شلة «صباح الخير» وشلة «روز اليوسف»، ومنهم عبدالله الطوخى وإقبال بركة ومفيد فوزى، وكانت بينهم لقاءات كثيرة عند فتحية العسال، وكانت هناك شلة أخرى تضم فاروق خورشيد ومكرم محمد أحمد، وكانوا يتقابلون فى مكتب فاروق خورشيد فى وسط البلد، أما رجاء النقاش فكان حالة خاصة، وكان يخصص له يومًا ليتقابلا وحدهما، تقديرًا لرجاء النقاش.

بحكم هذه العلاقة عرفت صبرى موسى من خلال رجاء النقاش، ومن أجل ذلك كان يحبنى بحكم محبته الكبيرة لرجاء النقاش، هذه هى المعرفة الإنسانية.

■ ما مصير الأفلام الضائعة لصبرى موسى.. مثل «منيرة المهدية» و«السد العالى»؟

- صبرى موسى كان غزير الإنتاج سينمائيًا، وهناك الكثير من أعماله ضاعت أو لم تظهر للنور، وأنا حكيت فى الكتاب عن فيلم «غدًا تبدأ الحياة»، وكانت قصته عن السد العالى.

ذهبوا وصوروا فى الأماكن الحقيقية لمشروع السد العالى، وكان فيلمًا كبيرًا من إنتاج مؤسسة السينما، وكتبه الأستاذ صبرى، وكانت البطولة لنادية لطفى، واستمر التصوير ٤٠ يومًا، وبعدها اختفى الفيلم، وهذا لغز من الألغاز العجيبة جدًا، فهذا فيلم تم تصويره.

وهناك أيضًا فيلم لم يخرج للنور، كان مع حسين كمال، عن سلطانة الطرب منيرة المهدية، وكتب السيناريو والمعالجة، وكان سيصبح واحدًا من الأفلام المهمة جدًا، وأنا أتمنى أن تتحمس إحدى شركات الإنتاج لهذا الفيلم.

فى هذه الأيام هناك مشروع «١٠٠ سنة غنا»، يقوم به الفنان الكبير على الحجار، ولا بد من أن يكون هناك مشروع موازٍ له لإنتاج فيلم عن اسم من أهم الأسماء فى تاريخ الغناء المصرى، الست منيرة المهدية أو سلطانة الطرب، فحياتها كانت دراما عظيمة جدًا، والسيناريو موجود والمعالجة موجودة.

أيضًا لديه فيلم عن سميح القاسم والبابا شنودة، فصبرى كان لديه مشروع كبير كان يسميه «سينما التنوير»، فبعد أن قدم فيلم «الشيماء» كان يتمنى أن يقدم سلسلة من الأفلام التنويرية عن رموز التنوير.

وأنا أعتقد أن هذه الأفلام موجودة، وأتمنى أن تتحمس لها شركات الإنتاج وتظهر للنور، لأنها تستحق، ولأن كتابات صبرى موسى مهمة، فهو يكتب بدمه وفكره.

الحكيم

■ كيف كانت نهاية صبرى موسى؟

- الحقيقة من الأشياء التى توقفت عندها «الجلطة»، التى حدثت لسبب عبثى، تكلمت عنها فى الكتاب ولكن دون تفاصيل، إذ كان مقرر لجنة القصة فى المجلس الأعلى للثقافة، وكان هناك اثنان من أعضاء اللجنة، الأديبة الكبيرة سلوى بكر وناقد كبير الراحل إبراهيم فتحى، تشاجرا أمامه وتبادلا بعض الألفاظ، وهو لم يتصور أن اثنين من المبدعين يمكن أن يصل بينهما الخلاف لهذا المستوى، فعاد إلى بيته فى نفس اليوم، ولم يتحمل هذا المستوى فأصيب بجلطة فى المخ.

هذا من أغرب الأشياء التى قرأتها، فرجل مثل صبرى موسى راق ونبيل لم يتصور هذا الخلاف بين المثقفين.

أظن أن الأستاذة سلوى بكر، «ربنا يديها الصحة»، مدينة باعتذار لصبرى موسى، وأتمنى أن تسدد هذا الدين.