الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

حديث عن الحقيقة الدرامية.. هل عبدالرحيم كمال فى ورطة؟

افتتاحية العدد الثانى
افتتاحية العدد الثانى عشر

يمكنك قبل قراءة ما سأكتبه أن تعترض طريقى وتستوقفنى لتسأل عن أى ورطة أتحدث؟ 

فمسلسل «الحشاشين» الذى كتبه عبدالرحيم كمال يحظى باهتمام الجماهير المصرية والعربية. 

الجدل حوله لا ينتهى. 

الاشتباك مع كل ما يتعلق به لا يتوقف. 

الملتفون حوله يزدادون كل يوم، والذين يهاجمونه بعنف يزدادون كل يوم أيضًا. 

حالة يحلم بها كل مبدع، أن يكون عمله فى دائرة الأضواء التى لا تخفت، فحتى من يرفضك هو فى النهاية يهتم بك وينشغل بما تقدمه، وعليه فلا يمكن أن نعتبر أن عبدالرحيم كمال فى ورطة. 

لن أختلف معك بالطبع فيما تقوله، ولكن أعتقد أن التدليل على أن عبدالرحيم ليس فى ورطة يحتاج إلى جهد أكبر، ونقاش أكثر جدية، ومحاولة فهم تبتعد عن الانحياز السياسى أو الهوى الفكرى أو الهوس الشخصى، وكلها أمور تؤثر فى رؤيتنا وحكمنا. 

كان عبدالرحيم كمال يعرف أنه سيدخل بمسلسله دائرة النار المشتعلة بالفعل، كان يدرك أن هناك من يتربص به وبعمله، وهؤلاء المتربصون لم ينتظروا عرض المسلسل، بل قاموا بضربات استباقية لإجهاضه وتشويهه والإساءة إليه، وهو ما جعلنى أتوقع أن عبدالرحيم سيلجأ إلى بعض الحيل الدرامية ربما لتخفيف الهجوم عليه أو الالتفاف حول من يريدون به شرًا. 

لكن ولأنه يخلص دائمًا لما يرى أنه صحيح، حتى لو عارضه الآخرون، فقد قدم ما لديه وترك الحوار حوله يسير فى الاتجاه الذى قدره الله له. 

لا يدعى عبدالرحيم كمال أنه يملك الحقيقة المطلقة، ليست لديه الكلمة الأخيرة، هو مبدع لديه وجهة نظر فى التاريخ، ذهب إليه وقرر أن يستحضر منه ما يصلح للحديث عنه فى زماننا. 

جماعة الحشاشين ليست وحدها الجماعة المتطرفة التكفيرية التى استحلت الدماء والأموال والأعراض، هناك جماعات أكثر منها وحشية، لكن لماذا تم استدعاء الحشاشين تحديدًا؟ 

الإجابة ببساطة لأننا ومنذ سنوات نقف فى مواجهة جماعة الإخوان الإرهابية التى تتشابه فى كل شىء مع جماعة الحشاشين، بل لن أكون مبالغًا إذا قلت إن حسن البنا سار على نفس الطريق الذى سار عليه حسن الصباح وهو يؤسس جماعته. 

استدعاء عبدالرحيم جماعة حسن الصباح لم يكن مجانيًا إذن، ولم يكن بسبب إعجابه بشخصية مؤسس الحشاشين. 

عدد من متابعى المسلسل بدأ يتسرب إليهم الإعجاب بشخصية حسن الصباح، وقد أعاد المحللون ذلك؛ لأن كريم عبدالعزيز بما يملكه من كاريزما فنية هو السبب فى هذا الإعجاب، فالمعجبون لا يهمهم الصباح، ولكن يشغلهم أداء نجم محبوب. 

فى النهاية هذا إعجاب السكرة وليس إعجاب الفكرة. 

لن يؤثر كثيرًا فى رسم صورة حقيقية للشر المطلق الذى كان يحمله حسن الصباح فى قلبه، وأعتقد أن ما تبقى من حلقات فى المسلسل يحمل للناس تصويرًا دقيقًا لمدى جنون شيخ الجبل، الذى لم يتردد عن الحكم بجلد أقرب المقربين له ٢٠٠ جلدة دون رحمة حتى يختبر ولاءه له. 

دعك من أنه ينصب نفسه إلها هنا، فالله وحده هو من يبتلى عباده حتى يعرف أين يقفون منه، ولكن توقف فقط عند القسوة الشديدة والعنف الأشد التى يعكسها هذا المشهد. 

كان عبدالرحيم كمال فاهمًا ومستوعبًا ما يريده من اللحظة الأولى. 

فهو لم يكلف بعمل وثائقى عن طائفة الحشاشين. 

ولم يطلب منه أن يكتب بحثًا تاريخيًا عن هذه الجماعة وعن العصر الذى عاشت فيه. 

ولكنه جلس ليكتب كسيناريست مبدع، يملك فكره ورؤيته وخياله، ولديه ما يقوله، وهو ما يجعلنى أضع أمام حضراتكم وجهة نظر، أعتقد أن كثيرين سيختلفون حولها.

فمسلسل «الحشاشين» بالنسبة لى ليس مسلسلًا تاريخيًا، بل هو فى حقيقة الأمر مسلسل معاصر تمامًا، يعالج مشاكل حديثة، لكنه اختار أن يتكئ على التاريخ، يستند إليه، ولذلك فإن الحقائق التاريخية التى هى ليست محسومة من الأساس ليست البطل فى هذا المسلسل، ولكن البطل هو الفكرة التى يدور حولها، الهدف الذى يسعى خلفه، والرسالة التى يخطط لها أن تصل إلى الناس. 

على خريطة الإبداع فيما يتعلق بالتاريخ ثلاث حقائق. 

الحقيقة الأولى تاريخية... وتعنى بالحدث كما جرى على الأرض، وهى حقيقة مشكوك فيها طوال الوقت، فلا يستطيع أحد الجزم بأن ما نقرأه فى كتب التاريخ هو ما حدث بالفعل. 

لو حاولنا البحث عن حسن الصباح نفسه فى الكتب التاريخية سنجد عجبًا. 

الذين يؤمنون به يرفعونه إلى درجة الأنبياء، ولن أقول إلى مرتبة الآلهة، رغم أن هذا حدث، والذين يختلفون معه يصورونه على أنه شيطان رجيم لم يترك شرًا على وجه الأرض إلا وجاء به. 

فأى حسن الصباح نصدق، وأى حسن الصباح نتأكد أنه حقيقى؟ 

هنا يمكن أن نقف عند الحقيقة الروائية والحقيقة الدرامية. 

الحقيقة الثانية التى هى الحقيقة الروائية يكون فيها من حق الروائى أن يتعامل مع الحقيقة التاريخية كما يشاء، يحذف يضيف يخلق شخصيات، يستدعى شخصيات من فترة زمنية إلى فترة زمنية أخرى، يغير ويبدل حتى فى الأحداث، كل ذلك لأنه يكتب رواية يحكمها الخيال حتى لو كانت تتحدث عن الواقع. 

لدينا فى المكتبة العربية والمكتبة العالمية عدة روايات عن حسن الصباح وجماعة الحشاشين، عندما نقترب منها سنكتشف أنها أعمال لأصحابها، كل رواية تحمل بصمة من كتبها، وعندما نحاسبه لا نفعل ذلك بمقياس الحقيقة التاريخية، بل بمقياس الخيال الذى هو نقطة ارتكاز الحقيقة الروائية. 

لا تختلف الحقيقة الثالثة وهى الحقيقة الدرامية كثيرًا عن الحقيقة الروائية، فهى تقوم فى أساسها على الخيال أيضًا، لكنها تحمل بصمات مبدعين آخرين، فالرواية يكتبها كاتب واحد فقط، يكون هو المسئول عنها، لكن الحقيقة الدرامية يتداخل فى نسجها مخرج ومهندس ديكور ومهندس إضاءة ومنتج وتسويق، وكلها عناصر لابد أن نضعها فى الاعتبار. 

« مسلسل الحشاشين» ليس صناعة عبدالرحيم كمال وحده، هو صاحب النص صحيح، وهو النص الذى أنتجه بعد أن عاد إلى ٥٠ مرجعًا تاريخيًا، وهو ما فعله الآخرون بالمناسبة، فقد عاد الجميع إلى مصادر تاريخية، كل فيما يخصه؛ حتى يتكامل العمل. 

يمكننا أن نتوقف هنا قليلًا بعيدًا عن الفكرة والطرح السياسى للمسلسل، فالمجموعة التى أبدعته نقلت صناعة الدراما المصرية إلى مساحة لم نكن نحلم بها فى الحقيقة، ما أبدعه بيتر ميمى وفريقه الفنى يؤكد أن لدينا مبدعين إذا ما توافرت لهم الإمكانات فإنهم يمكن أن ينافسوا بإبداعهم على المستوى العالمى. 

الحقيقة الدرامية لم يصنعها مؤلف الحشاشين فقط، ولكن صنعتها المجموعة التى عملت على المسلسل، وربما نال بعضهم هجومًا بسبب ما رآه البعض هنات فى المسلسل، ما كان يجب أن تمر على مبدعيه. 

بهذه المعايير جميعها لا أعتبر عبدالرحيم كمال فى ورطة إبداعية. 

لكن الورطة التى أعتقد- واثقا- أنها تحيط به الآن، هى ورطة دفاعه عن الرسالة السياسية التى يحملها المسلسل. 

«عبدالرحيم» كما أعرفه، وهو صديق قديم ويتجدد الود بيننا دائمًا، رجل لا يحمل فى قلبه إلا التسامح، ولو سألته عما يتمناه؟ سيقول لك إنه يريد العالم بلا صراع ولا معارك ولا أزمات ولا خلافات. 

يسكن وادى السكينة. 

لا يشغل نفسه بالمعارك التى يدخلها من لا يدركون حقائق الأشياء، وربما لهذا ينأى بنفسه عن الجدل الدائر حول التشابه، الذى يصل إلى درجة التطابق بين الحشاشين والإخوان، وأعتقد أن إنتاج المسلسل فى هذا التوقيت، وبهذا الإنتاج الضخم لم يكن أبدًا ليكتب عبدالرحيم عملًا إبداعيًا، ولكن لأن هناك معركة وجودية تخوضها الدولة المصرية، والمسلسل ما هو إلا سلاح من ضمن أسلحة معركة الوعى، التى لابد من حشدها لحماية الدولة المصرية. 

لا ألوم على عبدالرحيم، بالطبع النأى بنفسه عن منطقة الصراع، لكننى أعتقد أنه لابد أن يراجع نفسه فى هذه النقطة تحديدًا... فهو جزء من المعركة، ما صاغه فى مسلسله ليس قصة تاريخية يسلى الناس بها أوقاتهم، بل عمل فكرى من الطراز الأول، وعليه فلابد أن يكون فى طليعة من يوضحون هذا للناس، لا أن يصمت بينما الآخرون يتحدثون ويشرحون. 

لو أن ما كتبه عبدالرحيم كان عملًا روائيًا- وهو بالمناسبة روائى متمكن كما هو سيناريست متمكن- لقلنا إنه يسير على طريق الآخرين، هؤلاء الذين يعتبرون العمل الروائى بعد أن ينتهى منه مبدعه يصبح ملكًا لقارئه، يتلقاه كما يشاء ويقول فيه ما يريد، وساعتها ليس من حق المبدع أن يتدخل بالشرح أو النقاش أو الإقناع. 

لكن العمل الدرامى- ويعرف عبدالرحيم هذا أكثر منى- يختلف تمامًا، فهو عمل متكامل يخرج للنور من أجل هدف واضح ومحدد، وأعتقد أن عبدالرحيم يقف معنا فى صف واحد ضد قوى الظلام والرجعية الدينية، وعليه فليس من الطبيعى أن يقف بعيدًا تاركًا الآخرين يثبتون ما يريده المسلسل. 

ما يحدث فعلًا أنه يتجاهلهم وكأنه لا يراهم.. وهذه قضية أخرى. 

لقد رصدت على شبكة التواصل الاجتماعى من يبتز عبدالرحيم كمال، من يحاول اللوم عليه والعيب فى حقه؛ لأنه كتب هذا المسلسل، يتحدثون عن المبدع الذى كان، وأنهم خسروه إلى الأبد، وأخشى أن يخضع عبدالرحيم لهذا الابتزاز، خاصة أنه يملك روحًا شفافة يعكرها أى غبار ولو عابر. 

قد تكون هذه رسالة لعبدالرحيم كمال، كان يمكننى أن أرسلها له بشكل خاص، لكن القضية ليست خاصة، وإذا كنا سعدنا بما أبدعه فى المسلسل، فسعادتنا ستكتمل عندما يكون فى صف المواجهة الأول ككاتب ومفكر.. وهو كذلك بالفعل. 

ويا صديقى العزيز ننتظرك بعد العودة من العمرة إن شاء الله.