الأحد 14 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

الريشة والعمامة.. صلاح جاهين ينتصر على محمد الغزالى فى معركة أزياء النساء

الغزالي وصلاح جاهين
الغزالي وصلاح جاهين

 

قبل عشرين عامًا وقعت بين يدىّ أوراق معركة صحفية صاخبة. 

طرفها الأول كان الشيخ محمد الغزالى، الذى أحمل له ودًا عقليًا لا ينافسه فيه أحد، فهو واحد من مجتهدينا الكبار، وصاحب مدرسة خاصة فى النظر إلى تراثنا الدينى، وهى المدرسة التى جرّت عليه ويلات كثيرة كان أعنفها تكفيره وإخراجه من الملة. 

الطرف الثانى كان الفنان الشامل عبقرى الأزمنة المتعاقبة صلاح جاهين، الذى استطاع أن يرسم البسمة على شفاه المصريين لسنوات طويلة، بينما يعتصر قلبه الألم. 

صورة الشيخ محمد الغزالى ظهرت فى «الأهرام» عارى الرأس ساقط العمامة على الأرض

لم يكن جاهين مبدعًا سطحيًا. 

منحه الله موهبة فحافظ عليها وقرر أن يجعل منها معجزة تدلنا على قدرة الله المطلقة فى الخلق، وتؤكد أن وحيه لم ينقطع، بل لا يزال يتنزل على من اختصهم من مصلحين ومفكرين وفلاسفة ومبدعين... أليس إلهام الله للمبدعين وحيًا؟ 

قبل أن أتصفح أوراق المعركة، كنت أشفق على خصوم الشيخ محمد الغزالى، فالرجل حاد لدرجة الذهول، قوى الحجة، يضرب معارضيه فى مقتل، ولا يتركهم إلا رمادًا تذروه الرياح. 

بعد أن انتهيت وجدتنى أشفق على الشيخ الغزالى بقامته وعلو هامته، عندما غرقت فى تفاصيل معركته مع صلاح جاهين، فهذه المرة لم يبق جاهين ولم يذر، حمل على الشيخ الغزالى ولم ينقذه من بين يديه إلا تدخل السلطة السياسية التى جمعتهما فى لقاء بمكتب هيكل فى الأهرام، ليصفو بينهما الجو- صفا الجو ولم تَصفُ القلوب- ويعود كل منهما إلى خندقه. 

الغزالى رفع رسومات صلاح جاهين على المنبر منددًا ومحرضًا على الرسام الذى كان يقول كلمته ويمضى

وأنا أستعيد فصول هذه المعركة مرة أخرى ضمن مشروع كبير يفتش فى بطون الصحافة المصرية العميقة، دخلت على محرك البحث «جوجل» لأكتشف أن ما كتبته من عشرين عامًا أصبح مصدرًا لما كتبته مواقع وصحف وكتب عديدة عن هذه المعركة، التى تعتبر واحدة من أعنف المعارك التى دارت فصولها بين رجل دين وصحفى وشاعر وفنان ورسام كاريكاتير. 

لم تكن هذه المعركة عابرة أبدًا. 

كانت تجسيدًا حيًا لما يراه رجال الدين فى حياتنا عن أنفسهم، فهم ليسوا مشتغلين بالدين، ما ينتجونه ليس إلا منتجًا بشريًا يحتمل الصواب والخطأ، ولكنهم يرفعون أنفسهم فوق الناس، يعتبرون ما يقولونه مقدسًا لا يجب الخروج عليه أو مناقشته، ومن يجرؤ أو يتجرأ عليهم يستحق عقاب الدنيا والآخرة، فهو لا يهاجمهم ولكن يهاجم الدين نفسه، وهذه آفتنا التى لا نستطيع منها فرارًا ولا لها ردًا. 

نظرت فيما كتبت، فوجدتنى أستعيد الظرف التاريخى الذى جرت هذه المعركة على أرضه.. ولم يكن متاحًا لى وقتها بهذا الثراء، فالمعلومات تدفقت خلال العشرين عامًا الماضية تدفق الأقدار على العباد. 

عندما أستعيد صورة المعركة كاملة، أجد أن المجتمع الذى شهد عليها كان عفيًا سياسيًا وفكريًا، وإذا أردتم دليلًا على ذلك فليس عليكم إلا أن تصبروا معى على التفاصيل وهى كثيرة. 

الغزالى طلب توحيد الزى واشترط فى الزى الجديد ألا يساعد النساء على تعرية صدورهن أو سيقانهن

نحن الآن فى بدايات العام ١٩٦٢. 

فى الفترة من ٥ إلى ٢٤ فبراير تم انتخاب ما يقرب من ١٥٠٠ عضو ليشكلوا قوام المؤتمر الوطنى للقوى الشعبية، توزعوا على النحو التالى: ٣٧٩ يمثلون الفلاحين، ٣١٠ يمثلون العمال، ١٥٠ من الرأسمالية الوطنية، ٢٩٣ من النقابات المهنية، ١٣٥ موظفًا، ٣٣ سيدة، ١٠٥ من أساتذة ومدرسى الجامعات والمعاهد العليا، ١٠٥ طلاب من القسم الثانوى والجامعات يضاف إليهم أعضاء اللجنة التحضيرية، وتولى مدير هيئة السكرتارية، عبدالمجيد شديد، مدير مكتب المشرف العام، كمال الدين حسين، وعين أنور السادات أمينًا عامًا للمؤتمر. 

قدم الرئيس جمال عبدالناصر خلال هذا المؤتمر وثيقة «الميثاق الوطنى»، الذى اعتبره أول دليل مكتوب تستند إليه الطبقة الحاكمة فى توضيح موقفها السياسى والاجتماعى. 

لكن كيف صاغ عبدالناصر هذا الميثاق؟ 

الإجابة يمكن أن نجدها عند أحمد حمروش، نفتح معا كتابه «٢٣ يوليو... مجتمع جمال عبدالناصر»، لنجده يقول: كان جمال عبدالناصر قد طلب إلى عدد من زملائه أعضاء مجلس قيادة الثورة السابقين إعداد مشروع للميثاق حسب ما يتصورون، واجتهد بعضهم فى صياغة أفكاره وتقديمها إليه مثل عبداللطيف البغدادى، وقد جمع عبدالناصر هذه المشاريع وأضاف إليها أفكاره ومناقشات اللجنة التحضيرية وعكف على دراستها وتبويبها وعهد إلى محمد حسنين هيكل بصياغتها فى الصورة التى عرفت باسم «الميثاق» وقدمت إلى المؤتمر. 

قرر «عبدالناصر» أن تكون المناقشات التى تدور حول الميثاق فى المؤتمر حرة بلا قيود ولا خطوط حمراء، وانتهت الأمور إلى تشكيل لجنة من مائة عضو تولت الرد على مشروع الميثاق. 

اختارت اللجنة الدكتور حسنين خلاف مقررًا للجنة صياغة الرد، ولكن كمال الدين حسين تدخل وفرض الدكتور سليمان حزين رئيسًا للجنة الصياغة، وحرص كمال الدين حسين وصلاح دسوقى على الجلوس مع مجموعات من أعضاء اللجنة لمناقشتهم عن رد فعل الميثاق فى نفوسهم بعد قراءة عبدالناصر له، واستدعى بعض أعضاء اللجنة أيضًا إلى استراحة الهرم لمناقشة تقرير اللجنة. 

دارت مناقشات اللجنة فى فرعيات مختلفة، واعترض الدكتور لبيب شقير والدكتور رمزى استينو، عضوا اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكى فيما بعد، على فقرتين هما الاشتراكية العلمية والنقد الذاتى. 

ويشير «حمروش» إلى أن تقرير اللجنة جاء مختلفًا عن الميثاق، فلم يقرن لفظة العلمية بالاشتراكية التى أطلق عليها اسم «الاشتراكية العربية»، رغم عدم ورود ذلك فى الميثاق. 

فقد جاء فى التقرير: فى مجتمعنا الاشتراكى يعتبر العمل أساسًا لتقرير مكان الفرد فى المجتمع، وما دام الأفراد لا بد وأن يتفاوتوا فى الاستعداد والنشاط، فإن النتيجة المنطقية لذلك أن يتفاوتوا فيما يحققون من نتائج... ويوحى ذلك بإتاحة الفرصة لنشاط الفرد فى الاستثمار والربح. 

وجاء فى التقرير أيضًا: إن تذويب الفوارق بين الطبقات هو البديل السلمى لما نرفض الأخذ به من الصدام الدموى بين الطبقات... وكان ذلك ابتعادًا عما ورد فى الميثاق من القول بضرورة الطبقة المستغلة، ولكن إزالة هذا التصادم، بإزالة الطبقة التى فرضت الاستغلال، توفّر إمكانية السعى إلى تذويب الفوارق بين الطبقات سلميًا. 

لقد جدد التقرير سمات الاشتراكية العربية بهذه الكلمات، فهى اشتراكية عربية متميزة تؤمن بالله وبرسالاته وبالقيم الدينية والخلقية، وبذلك ظلت المحاولة مستمرة للفصل بين حق الإنسان فى الاشتراكية وبين حرية اختياره للرسالة الدينية التى يؤمن بها. 

كان القرار أن يعرض تقرير اللجنة على المؤتمر ولكن لا يناقش، واقترح ٥٥٠ عضوًا بقبوله دون مناقشة، وكان هذا إيذانا بقبول الميثاق، وإعلانًا عن وجود خلاف فكرى بين جمال عبدالناصر من جهة، وكمال الدين حسين، الذى احتضن مشروع لجنة المائة، من جهة أخرى. 

الأمر كان جادًا جدًا ما فى ذلك شك، وما يؤكد جديته ما حكاه الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين عن جمع أفكار الميثاق قبل صياغته فى صورته النهاية. 

كان أحمد بهاء الدين يتحدث إلى مصطفى عبدالغنى فى كتابه «المثقفون وثورة يوليو... الشهادات الأخيرة». 

وهنا أنقل الحوار كما جاء نصًا فى الكتاب. 

عبدالغنى: هل كان وضع «تصور العمل الوطنى» الذى أنجب الميثاق هو نتاج تكليف عبدالناصر؟ 

بهاء: كل ما أذكره أن عبدالناصر كلف عددًا من أقرب الناس إليه بأن يتصلوا بالأسماء التى تم اختيارها لهذه المهمة، واتصل بى وقتها كمال الدين حسين وكان مسئولًا عن الاتحاد الاشتراكى القومى، واستدعانى وأخبرنى بأن القيادة السياسية تعتز بانتسابنا إليها للعمل، وكان معى إحسان عبدالقدوس وكمال الحناوى، وتقابلنا نحن الثلاثة مع كمال الدين حسين أكثر من مرة، وكان يتم طرح قضايا سياسية علينا ونتناقش حولها، وكانت أول مرة أتعرف فيها على أحد السياسيين المشتغلين فى النظام بشكل مباشر. 

تم استدعائى إلى بيت عبدالحكيم عامر وكانت المرة الثانية التى ألتقى فيها مسئولًا سياسيًا كبيرًا على هذا المستوى، وجدت عددًا كبيرًا من الناس، أذكر منهم شقيقه حسن عامر والسيد عباس رضوان والسيد كمال رفعت، وكان أهم ما فعله المشير أن طرح على الحاضرين هذه القضية، والتى تتلخص فى أنهم بصدد إعداد ميثاق، وطلب من كل منّا أن يتصل بالآخر، تركنا عبدالحكيم عامر مع بعض النقاط أو الملاحظات التى عرضها علينا، ظللنا نتناقش لساعات طويلة إلى ما بعد منتصف الليل، وتكرر استدعاء عبدالحكيم عامر، وكنت أحيانًا أجده بمفرده، وأحيانًا أجد معه شقيقه حسن عامر، وكان عبدالحكيم يعيد معى مناقشة بعض القضايا التى سبق أن طرحناها المرة السابقة، وكان أحيانًا يطرح أسئلة أخرى، ليعيد النظر فيها خلال النقاش الطويل. 

كنت كثير الكلام وكثير الاقتراحات، وأذكر أننى سمعت لأول مرة هناك فكرة الـ٥٠٪ من المجالس الشعبية للعمال والفلاحين، وهو موضوع استغرقت فى نقاشه فترات طويلة، لأنه كان غريبًا تمامًا علىّ. 

اندهشت وسألت عبدالحكيم عامر: ما الحكمة فى تخصيص هذه النسبة الكبيرة للعمال والفلاحين؟ 

أجاب: لأن الثورة هاتخلص فى يوم من الأيام، وهاتبقى فيه انتخابات عادية، فما هو الضمان ألا يأتى برلمان خارج الثورة وممثليها، يعنى لو جرت انتخابات بالقوى الانتخابية المعروفة فى البلد التى تريد الثورة تغييرها من زمن، يستطيع إذن أن يأتى برلمان جديد، ولا يلغى الإصلاح الزراعى، لكن مع مرور الوقت، وإذا لم تكن هذه النسبة الكبيرة للعمال والفلاحين الذين يمثلون الثورة موجودة، وهم أصحاب المصالح الحقيقية- إذا لم تكن موجودة من يضمن ألا تلغى قوانين الثورة الاجتماعية، إن الضمان للثورة وممثليها من العمال والفلاحين أن تكون هناك نسبة كبيرة منهم، فهم فقط المستفيدون من قوانين الثورة الاجتماعية، فى هذا الوقت نستطيع الحفاظ على الثورة الاجتماعية دون حصار. 

ويلخص بهاء هذه التجربة بقوله: عرفت وقتها أن الرئيس طلب من أعضاء مجلس الثورة أن يتصلوا بعدد من المثقفين، وأستطيع القول إن من أسهم فى كتابة الميثاق ومن صنع أفكاره قبل صياغته قرابة خمسمائة مثقف مصرى، كل مثقف قال رأيه كتابة أو شفاهة فى مجلس عام أو فى مكان مغلق، فى تقرير مكتوب أو شفهىّ. 

ويضيف بهاء: ما كان يحدث معى، كان يحدث مع غيرى، كان توجه الرئيس عبدالناصر واضحًا، سؤال المثقفين والسياسيين، فتجمعت لديه أفكار كثيرة، وكتابات كثيرة، انتقى منها ما يريد، ثم دفع بها فى نهاية الأمر إلى محمد حسنين هيكل ليكتبها فى صياغتها الأخيرة. 

مرة ثانية كان الأمر جادًا، وقد أردت التأكيد على ذلك بأكثر من دليل، لأن ما سيأتى الآن يؤكد أن الصحافة يمكن أن تأخذ الأمور الجادة إلى أمور وقضايا فرعية، وقبل أن تعتقد أننى أخذتك بعيدًا عن المعركة بين الشيخ الغزالى وصلاح جاهين، سأقول لك إننى ما زلت معك فى قلب هذه المعركة التى استغرقت خمسة وثلاثين يومًا من أيام العام ١٩٦٢، قامت فيها الدنيا ولم تقعد على صفحات جريدة الأهرام. 

لا يكتمل المشهد إلا بتفاصيله وأيامه، وتعالوا معًا نتعقب الأيام وما جاء فيها. 

عقدت جلسة المؤتمر القومى للقوى الشعبية الأولى فى ٢٧ مايو ١٩٦٢. 

فى هذه الجلسة تحدث الشيخ محمد الغزالى، الذى كان واحدًا من الـ١٥٠٠ عضو الذين تم انتخابهم. 

فى كلمة الرئيس جمال عبدالناصر مر مرورًا سريعًا على مسألة المساواة بين الرجل والمرأة، ولما تحدث الغزالى تقاطع مع ما قاله الرئيس، فذهب إلى أن الإسلام ساوى بين الرجل والمرأة بالفعل، لكن فى نظر الإسلام وفى نظر الطبيعة الرجل هو الجنس الأقوى فى البيت وفى المجتمع، ويجب أن تكون له حقوق الجنس الأقوى باستمرار، فلا خلاف أبدًا فى أن الرجل قوام على المرأة فى البيت، ولا يجب أن يثار لغط حول هذه الحقيقة. 

لم يترك الغزالى خيط الحديث يفلت من بين يديه، استكمل ما بدأه، قال: أحب أن يعرف الجميع أن هذه المساواة التى وردت فى كلمة الرئيس محكومة يقينًا بالفروق الطبيعية التى لا بد من أن تُقر وأن يُعترف بها، ولو أن النساء يطلبن مساواة حقيقية بالرجال ما وجدنا فى الترام أو فى السيارة أو فى الشارع أغلبية النساء عاريات السيقان والأذرع والظهر والصدر الآن. 

لم يتحدث الغزالى عن السيقان والأذرع العارية فقط، ولكنه تحدث عن عمل المرأة، وكان يرى أن المرأة بخروجها إلى العمل تزاحم الرجال. 

لم يترك الرئيس عبدالناصر ما قاله الشيخ الغزالى دون رد، أراد أن يضع النقاط فوق الحروف. 

قال عبدالناصر: النقطتان اللتان أثارهما الشيخ العزالى، الأولى هى الأذرع والسيقان العارية اللى بيتكلم عليها، فأنا باعتبر إن دى مسئولية الرجال، لأن الرجالة هم اللى بيسمحوا بهذا، فاحنا بنقول الرجال قوامون على النساء، وبعدين الرجال هم اللى سايبين الموضة كل سنة، واللى بيدفعوا فلوس الموضة كل سنة، والكلام اللى احنا لازم نديه لنفسنا، احنا كحكومة ودا موضوع يمكن حتى من الموضوعات اللى ظهرت أول الثورة، لا نستطيع إن احنا نفعل شىء، ولكن كل رب أسرة يستطيع إنه يفعل شىء. 

أما النقطة الثانية- كما يقول عبدالناصر: بالنسبة للعمل، أنا أجد العمل فى الحقيقة عاصم للمرأة من الزلل، لأن الزلل سببه الحاجة، وعلينا أن نزيد فرص العمل لنستوعب الشبان والشابات علشان نبنى مجتمع سليم، نبنى مجتمعًا معصوم من الزلل ومعصوم من الحاجة، لأن هذه الحاجة هى أشد أنواع العبودية، علينا أن نزيد فرص العمل، ونفتح فرص العمل المناسبة للمرأة حتى نحميها من الزلل، وبالنسبة للمساواة يجب أن نفهم أن المساواة التى نص عليها الميثاق هى مساواة فى إطار العقائد الدينية. 

كان الشيخ الغزالى سعيدًا بما قاله الرئيس، رأى أنه يتوافق معه، حتى لو كان هناك بعض الخلاف فى بعض التفاصيل. 

بعد سنوات، وعندما أصبح ما حدث فى حكم التاريخ، كان الشيخ الغزالى يتحدث إلى الدكتور محمد عمارة، وهو الحديث الذى نشره فى كتابه «معالم المشروع الحضارى فى فكر الشيخ محمد الغزالى»، وعلى طريقة توثيق البطولات بأثر رجعى، قال الشيخ: كان من بين أعضاء المؤتمر سبعون شيوعيًا أفزعهم هذا الجو الإسلامى، وزاد من قلقهم أن جماعات ضخمة كانت تؤدى الصلوات فى أوقاتها، وتتحدث عن ضرورة التمسك بالإسلام، واتفقت كلمتهم على توجيه ضربة سيئة لى لوقف نشاطى، فأوعزوا إلى «الرسام الهزلى» صلاح جاهين ألا يدع الكلمة التى ألقيتها تمر دون تعليق. 

كان هذا هو رأى الشيخ الغزالى فى دوافع ما فعله صلاح جاهين معه! 

لكن ما الذى قام به جاهين ودفع الشيخ الوقور إلى أن يصفه بالرسام الهزلى- وهو لم يكن كذلك أبدًا؟ 

أعتقد أن هذا فصل جديد من فصول ما جرى، يستحق أن نواصل صبرنا حتى نعرف تفاصيله وكواليسه. 

الأهرام فى ٢٨ مايو ١٩٦٢. 

نشرت الجريدة الأولى فى مصر خبرًا مطولًا عن أعمال المؤتمر الوطنى للقوى الشعبية، ختمته بإشارة قصيرة إلى الكلمة التى ألقاها الشيخ محمد الغزالى الذى طالب فيها بتحرير القانون المصرى من التبعية الأجنبية، ورأى أن ذلك يمكن أن يتم بالقضاء على طبقية الملابس وتوحيد الزى فى الأمة، واشترط الغزالى فى الزى الجديد ألا يساعد النساء على تعرية صدورهن أو سيقانهن.

كانت جريدة الأهرام واضحة فى موقفها من صفحته الأولى، ففى قلب هذا التقرير نشرت صورة للشيخ الغزالى، وكتبت تعليقًا عليها كان نصه: لأول مرة فى المؤتمر الوطنى تعرضت المرأة لهجوم من الشيخ الغزالى، ولم تسكت عليه عضوات المؤتمر، فقاطعنه أكثر من مرة. 

الأهرام فى ٢٩ مايو ١٩٦٢. 

لم يعجب ما قاله الشيخ الغزالى صلاح جاهين، فاستخدم كاريكاتيره للاعتراض والنقد والسخرية، فرسم كاريكاتيرًا كان عنوانه «هاجم الشيخ الغزالى كل القوانين والأفكار الوافدة من الخارج»، وتحت العنوان يقف الشيخ محمد الغزالى خطيبًا فى مؤتمر القوى الوطنية وأمامه عدد كبير من المستمعين وقد سقطت عمامته البيضاء عن رأسه، وأسفل الرسم تعليق ساخر يقوله الشيخ: يجب أن نلغى من بلادنا كل القوانين الواردة من الخارج كالقانون المدنى وقانون الجاذبية الأرضية. 

فى جلسة المؤتمر، التى عقدت فى نفس اليوم، عبر الشيخ الغزالى عن غضبه الشديد مما فعله صلاح جاهين، فحمل عليه حملة شديدة، وهاجمه بعنف على مرأى ومسمع من الحاضرين الجلسة. 

كان الغزالى متألمًا مما فعله به جاهين، ولك أن تتخيل غضبه فى اللحظة التى شاهد فيها كاريكاتير صلاح للمرة الأولى. 

لكن ما الذى يجعلنا نتخيل والشيخ تحدث بالفعل عن هذه اللحظة؟ 

قال الغزالى: ظهرت صحيفة الأهرام وقد صورتنى عارى الرأس، ساقط العمامة على الأرض، لأن قوانين الجاذبية شدتها وفق التطور العلمى، ونظرت إلى الصورة وقد تملكنى الغضب، فإن العمامة ليست لباسًا خاصًا بى، وإنما هى رمز العلماء المسلمين، والرسام الشيوعى يريد الإيحاء بأن القوانين العلمية ستعصف بالإسلام، ويا عجبًا أنه عندما كان الملك فاروق يبحث عن الشهوات، كان أولئك المهاجمون من رجال الصحافة يشتغلون قوادين للملك الماجن. 

ما قاله الشيخ كان بعد سنوات من الواقعة، لكن تخيلوا أن غضبه دفعه لأن يتهم جاهين بأنه شيوعى يعادى الإسلام، وقواد... ولا أدرى كيف كان الشيخ يتجرأ على خصومه إلى هذه الدرجة؟ 

الأهرام فى ٣٠ مايو ١٩٦٢. 

لم يقف صلاح جاهين مكتوف اليدين، وعلى صفحات الأهرام نشر كاريكاتيرًا أكثر سخونة، تعدى سخريته من آراء الشيخ الغزالى فى القوانين الواردة من الخارج إلى السخرية من آرائه فى المرأة، وكان الرسم موجعًا ومفزعًا. 

كان عنوانه هذه المرة «ملاحظة على اهتمام الشيخ الغزالى بمشاكل المرأة»، وتحته وقف الشيخ الغزالى يحمل لافتة مكتوبًا عليها «فتش عن المرأة» وفى الوقت نفسه ينظر من ثقب الميثاق الذى رسمه جاهين على هيئة باب ضخم، وكان التعليق موجزًا وساخرًا يقول: كل واحد وله طريقة فى النظر إلى النساء. 

صباح ٣٠ مايو، حمل الشيخ الغزالى معه جريدة الأهرام، ولاحظ المجتمعون فى جلسات المؤتمر غضبه الشديد، لم يتحدث عن جاهين ولا عن رسوماته ولا عن آرائه التى أطلقها فى وجه الشيخ فى بداية الأمر، اكتفى بالحديث عما قصده فى اليومين السابقين، فهو كان يعترض على أن تظل بلاد الشرق الإسلامى محكومة بقانون وضعه الفرنسيون، وأنه لم يهاجم قانون الجاذبية الأرضية، قال نصًا: أنا لم أهاجم القوانين العلمية كالجاذبية الأرضية لأن الإسلام ليس ضد العلم والتقدم. 

بدأ الغزالى يغمز ويلمز فيما قام به جاهين، ثم انتقل إلى الحديث إليه مباشرة، قال: إن ما فعله صلاح جاهين فى رسومه من مهاجمة العمامة البيضاء يستدعى أن يمشى العلماء عراة الرأس إذا لم تُحم عمائمهم. 

زادت نبرات الشيخ الغزالى حدة، فكلامه- كما قال- عن توحيد الأزياء لم يكن يستوجب السخرية، فهو أراد ذلك حتى يخفف عن الناس معاناة اختلافها. 

ولأن الشيخ الغزالى كان يدرك أن صلاح جاهين لا ينشر رسوماته الكاريكاتورية فى الفراغ، ولكن فى جريدة الأهرام، فقد نقل الهجوم عليها، فقال: إذا كانت كلمتى استغرقت ٢٠ دقيقة فإن موضوع الأزياء لم يستغرق أكثر من ٣ دقائق، وهذا المؤتمر يعطى الحق لكل فرد ليقول الكلمة الأمينة الحرة التى يجب ألا يرد عليها بمواويل الأطفال فى صحف سيارة ينبغى أن تحترم نفسها. 

الأهرام صباح ٣١ مايو ١٩٦٢. 

أدخل الشيخ الغزالى «الأهرام» فى المعركة إذن، فقد اعتبرها مسئولة بشكل أو بآخر عما فعله به جاهين، يقينًا منه أن رئيس تحريرها، محمد حسنين هيكل، لا بد وأن يكون قد رأى ما رسمه جاهين ووافق عليه، ولذلك كتبت «الأهرام» فى صفحتها الأولى، ودون توقيع: إن الأهرام تقدس الدين وتحترمه وتخدمه، لكنها فى الوقت نفسه ترفض ما فعله الشيخ الغزالى من هجوم عليها، وترفض محاولته أن يجعل الخلاف فى الرأى بينه وبين صلاح جاهين رسام الجريدة قضية دينية. 

كان الغزالى قد أرسل إلى الأهرام ردًا تضمن ما قاله فى المؤتمر، فنشرته كاملًا إيمانًا منها بحرية الرأى والاختلاف، وقدمت لهذا الرد بقولها: إن الجريدة تؤمن بحرية الرأى، لذلك تنشر نص كلمة الغزالى احترامًا لحقه فى إبداء رأيه مهما كان مختلفًا مع رأى الجريدة، مع إعطاء الحق لجاهين أن يبدى رأيه هو الآخر فيما يقوله الشيخ. 

حنكة «الأهرام» لم تجعل الشيخ الغزالى ينفرد بالساحة، ففى نفس العدد الذى نشرت فيه اعتراض الشيخ الغزالى ورده على جاهين، نشرت كاريكاتيرًا جديدًا لصلاح واصل به الحملة على الشيخ الغزالى، كان العنوان: «ملاحظة عن إغفال الشيخ الغزالى لمشكلات المعيشة والمواضيع الحيوية»، وتحت العنوان مظاهرة لمجموعة من المشردين يحملون لافتة مكتوبًا عليها: أين الكساء يا مشروع الأزياء، لماذا لا تتكلم إلّا عن ملابس النساء؟ وفى الرسم يظهر الشيخ الغزالى وهو يعترض طريق مظاهرة الأطفال قائلًا لهم: ما بتكلمش عنكم يا جهلاء لأنكم ذكور، وما ظهر من جسمكم ليس عورة. 

الأهرام فى ١ يونيو ١٩٦٢. 

لم تهدأ نار هذا الرسم حتى قدم صلاح جاهين ستة رسومات مرة واحدة يلهب بها خلافه مع الشيخ الغزالى، وضع لها عنوانًا جامعًا هو «تأملات كاريكاتورية فى المسألة الغزالية». 

قدم جاهين لرسوماته بقوله: طالبت بحق الرد على الشيخ محمد الغزالى بعد كل الذى قاله فى اجتماع المؤتمر الوطنى للقوى الشعبية، وليس لى اعتراض على مهاجمة الشيخ الغزالى لشخصى، ولا على أسلوب الهجوم، ولا على الألفاظ التى رضى لنفسه بأن يتفوه بها، لى اعتراض واحد، إننى أعترض على أن يخلط بين خلاف الرأى وبين قداسة الدين، إن ملابس الشيخ الغزالى لا تعطيه حصانة تجعل آراءه فوق مستوى النقد. 

كانت رسومات جاهين مثل طلقات الرصاص، ويمكن أن نستعرضها معًا. 

الرسم الأول، كان بعنوان «الغزالى واعتراضه على اشتغال المرأة»، وشيخ يسأل فتاة تحمل كتابًا: انتِ يا ست انت... مين اللى سمح لك تشتغلى؟ 

الثانى، يقف جموع من الشعب المصرى يرفعون لافتة مكتوبًا عليها «أهداف الميثاق... الخبز للجميع... المسكن للجميع... الكساء للجميع... الدواء للجميع... العمل للجميع... الفرصة للجميع... الثقافة للجميع... التأمين للجميع... الحكم للجميع» وفى مواجهتهم يقف الشيخ تلف وجهه عمامة تخفى عينيه وهو يقول: «أما عن الميثاق فإنى أرى..».

الثالث، كان عنوانه «أبوزيد الغزالى سلامة»، أركب جاهين الشيخ فرسًا بالمقلوب وجعله يمسك بذيله ويحمل حربة مكتوبًا عليها «الإرهاب باسم الدين»، مصحوبًا بقصيدة زجلية: هنا يقول أبوزيد الغزالى سلامة/ وعينيه ونضارته يطقوا شرار/ أنا هازم الستات ملبسهم الطرح/ أنا هادم السينمات على الزوار/ أنا الشمس لو تطلع أقول إنها قمر/ ولو حد عارض يبقى من الكفار/ ويا داهية دقى لما أقول ده فلان كفر/ جزاؤه الوحيد الرجم بالأحجار/ فأحسن قولوا أمين بعد كلمتى/ لو قلت إن الجمبرى ده خضار. 

الرابع، كان لإرهابى يقف وظهره لإرهابى آخر يجلس أمام آلة كاتبة، يغطيان رأسيهما بالكامل، ويملى الواقف على الجالس: اكتب... السيد الأستاذ محمد الغزالى بالقاهرة، بعد التحية، تعلمون سيادتكم أننا فقدنا زعيمنا الإرهابى الكبير الجنرال، ويسرنا بعد اطلاعنا على مواهبكم أن ندعوكم خلفًا له، وشكرًا... إمضاء التنظيمات الإرهابية بالجزائر. 

الخامس، عنونه جاهين بـ«الغزالى يلفق للعبدلله أقوالًا باطلة عن الحجر الأسودى، وفى الرسم شيخ يتحدث للمؤتمر وأمامه جاهين يقول: تراهن يا أستاذ غزالى من جنيه لعشرة إن عمرى ما جبت سيرة الحجر الأسود، والمسألة لو فيها حجر يبقى داخل رأس سيادتك بس. 

السادس، استغل فيه جاهين مباراة «الأهلى وبنفيكا البرتغالى» التى عقدت فى ١ يونيو ١٩٦٢، فرسم استاد القاهرة، وفى الجهة الأخرى مسجدًا وعليه لافتة مكتوب عليها «المؤتمر الوطنى مغلق الجمعة»، وشيخ يتجه إلى المباراة، أما التعليق فكان: «النهارده مفيش جلسة ميثاق، لما أروح أغلوش على مباراة الأهلى وبنفيكا». 

جعل جاهين الغزالى مُكفرًا وإرهابيًا، مخالفًا بذلك الصورة التى ظل الشيخ الغزالى، منذ ظهوره وحتى وفاته، يرسمها لنفسه، وهى صورة الشيخ المتسامح الذى يُصدِّر الإسلام الوسط للناس رحمة بهم، لقد كانت لدى صلاح جاهين شفافية عالية، ففى الوقت الذى كان يرى فيه الجميع أن الغزالى شيخ رحيم، رآه صلاح مُكفرًا كبيرًا، وهو ما تحقق بعد ذلك، فبعد سنوات من موت صلاح جاهين، وبعد اغتيال فرج فودة، بارك محمد الغزالى مقتله وأفتى بأنه كان كافرًا فى شهادته أمام المحكمة، وكأن صلاح بشاعريته كان يقرأ كف الغيب.

كان لا بد للمعركة أن تشتعل أكثر، فقد استغل محمد الغزالى، بعد أن انتهت جلسات المؤتمر التى كان يعارض فيها صلاح جاهين، خطبة الجمعة فى الجامع الأزهر، بأن ندد فى خطبته بما فعله صلاح جاهين معه، ورفع رسوماته على المنبر منددًا ومحرضًا على الرسام الذى كان يقول كلمته ويمضى، لم يكذب المصلون خبرًا، كانوا من مريدى الشيخ الغزالى، خرجوا من الجامع الأزهر فى اتجاه جريدة الأهرام، هتفوا بحياة الشيخ، وطالبوا برقبة صلاح جاهين، ولم يكتفوا بذلك بل ألقوا الحجارة على مبنى الأهرام العريق، رافضين بذلك ما يقوله جاهين عن الشيخ الغزالى، الذى لم يكن بعيدًا عن المظاهرة الحاشدة، فقد كان حاضرًا فيها حيث حمله المصلون على أعناقهم. 

كان هذا ما جرى، لكن الشيخ الغزالى يحكى الحكاية من زاويته. 

يقول: ألقيت خطبة الجمعة فى الأزهر مختارًا لها موضوعًا أبعد ما يكون عن قضية الساعة، وأحسست أن الزحام شديد جدًا، وبعد الصلاة سكنت مكانى دقيقة واحدة، انفجر المسجد المكتظ بعدها بصياح اختلط فيه التكبير بالبكاء وبالهتاف، ورأيتنى محمولًا فوق الرءوس لا أعرف ماذا أصنع، والمصلون فى المسجد يزيدون على عشرين ألفًا، وانضم إليهم آخرون من مسجد الحسين والمساجد القريبة، وانطلقت مظاهرة إلى جريدة الأهرام، وكلما اقتربت تضاعف عددها. 

يحاول الشيخ الغزالى هنا أن يصور الأمر وكأنه حدث على غير رغبته، فهو لم يتحدث عن قضيته مع جاهين، ثم إن المصلين هم من حملوه على الأعناق وذهبوا به دون إرادته إلى الأهرام. يمكننا هنا أن نستعين ببهاء جاهين، الذى كتب مقالًا مهمًا فى ١٩ فبراير ٢٠١٦، كان عنوانه «الأستاذ وصلاح جاهين» قال فيه: مع احتدام المعركة التى استغرقت أيامًا خطب الشيخ الغزالى فى تلامذته بالأزهر معلنًا غضبه الذى وصل إلى حد إهدار دم ذلك الشاعر والرسام الذى اعتبره متهجمًا لا على شخصه فقط بل على الدين الإسلامى، وبعد الخطبة خرج تلاميذه فى مظاهرة، والتفوا حول مبنى الأهرام القديم بشارع مظلوم وحاصروه مطالبين بدم المارق صلاح جاهين. تم فض المظاهرة دون خسائر مادية، كل ما فعله المتظاهرون أنهم قذفوا مبنى الأهرام بالحجارة، لكن هيكل وجد أنه أهين إهانة بالغة، فقرر أن يواصل الحملة على الشيخ الغزالى، فكتبت «الأهرام» أنها ترفض ما فعله الشيخ الغزالى، واتهمته صراحة بأنه كان وراء تحريض المصلين للقيام بالمظاهرة، وللمرة الثانية انتقدت الأهرام تحويل الشيخ الغزالى المعركة من خلاف فى الرأى إلى قضية دينية، رغم أن الخلاف لا علاقة له من قريب أو بعيد بالدين.

ما كتبته الأهرام بتوقيعها لم يكن كافيًا للرد على مظاهرة محبى الشيخ الغزالى، فقد واصل صلاح جاهين رسوماته ضد الشيخ، وفى رسم جديد وقف صلاح بنفسه هذه المرة أمام منصة القضاء، ووقف الشيخ الغزالى خلفه بخنجر فى ظهره وعلى نصله كلمة الإرهاب، كان عنوان الرسم: الغزالى يتهمنى بالخروج عن الإسلام، أما التعليق فكان «العبدلله: ودلوقتى بعد ما الغزالى أبدى رأيه بطريقته الخاصة، نشرح له مرة أخرى أهداف الميثاق». 

أصداء ما جرى بعد صلاة الجمعة وصلت إلى جمال عبدالناصر، كان قد قرر ألا تدخل جريدة أخرى إلى المعركة التى بدأتها الأهرام، حتى لا يسيطر الاهتمام بها على مناقشات الميثاق، وحتى لا تتحول إلى معركة غوغائية، لكنه وبعد المظاهرة أصدر أوامره بأن تنتهى الأزمة على الفور. 

وهنا نجد أنفسنا أمام أكثر من رواية. 

الرواية الأولى ذكرها بهاء جاهين فى مقاله، يقول: اتصل هيكل بالشيخ الغزالى وربما يكون قد اتصل قبلها بعبدالناصر، وأبلغ هيكل الغزالى بأن مصلحة البلاد وإرادة القيادة السياسية تتطلب حلًا سلميًا، وطلب هيكل من الشيخ الغزالى الحضور فورًا لمبنى الجريدة للاجتماع بصلاح جاهين فى حضوره والمصالحة وتصفية الأجواء حتى ينفك حصار الجماهير الغاضبة من تلاميذه بالأزهر... وقد حدث. 

الرواية الثانية صاحبها هو صلاح جاهين نفسه، حيث قال إن من قام بالوساطة كان أحمد بهاء الدين الذى جمعه بالشيخ الغزالى فى مكتب هيكل وتم بينهما الصلح. 

أما الرواية الثالثة المتداولة أيضًا فتقول إن كمال الدين حسين، الذى كان وقتها نائبًا لرئيس الجمهورية ومشرفًا عامًا على المؤتمر القومى للقوى الشعبية، تواصل مع هيكل، لينهى هذه المعركة التى طالت أكثر من اللازم، وفى مكتبه بجريدة الأهرام جلس الشيخ الغزالى وصلاح جاهين لتقف بينهما الحرب المعلنة. 

لم يكن الصلح خالصًا بالطبع، خضع الشيخ الغزالى أمام الإرادة السياسية، ولأن الأجهزة الأمنية كانت تعرف أن أتباع الغزالى لن يرضوا بالصلح، وأنهم يمكن أن يلحقوا الأذى بجاهين، خصصوا له حراسة لفترة، وسرعان ما رفعوها عنه بعد أن هدأت الأمور. 

خرج جاهين منتصرًا على الشيخ الغزالى.

كان الفارق بينهما أن الغزالى يسعى إلى تضييق الحياة رغم رحابتها.

وكان جاهين ينتصر للحياة التى يريدها للناس. 

كان طبيعيًا أن تنتصر الريشة على العمامة... فالحياة هى التى تنتصر دائمًا.