الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

لهذا يهاجمون «الحشاشين»

الحشاشين
الحشاشين

- اللغة المستخدمة نجحت فى الوصول بالأفكار إلى عقول أكبر عدد ممكن

- المسلسل يمثل وجهة نظر الشخصية المصرية المعتدلة الوطنية

أتخترقون كل هذه الحُجُب، وتكشفون كل أوراق اللعبة القديمة المعاصرة الأبدية، ويبلغ بكم الدهاءُ أن تختاروا اللغة العبقرية الأقرب لقلوب وعقول المصريين، وتضعون حدًا تاريخيًا فاصلًا بين عهدين لما يُسمى بالدراما التاريخية الدينية فى مصر.. ثم تتوقعون أن تمروا بفعلتكم الشنعاء هذه وبكل ما صاحبها من جرائم اقترفتموها هكذا مرور الأبرياء الآمنين؟! 

متى حدث هذا فى التاريخ لكى يحدث معكم؟! 

متى مر المشاغبون- الباحثون عن الحقيقة.. الذين اختاروا أن يقفوا فى وجه «دراكولا وأمنا الغولة وكل الأساطير الحقيقية لمهاويس وشُرّاب الدم البشرية»- هكذا فى سلامٍ حتى دون أن يصيبهم النهش أو العض أو حتى دون أن يلوث ثيابَهم غبارُ القذائف الضالة هنا أو هناك؟! ساذجون وغارقون فى الأوهام للأذقان أنتم إن توقعتم هذا!

سوف يكيلون لكم الاتهامات وهم يعلمون تمامًا وهنها وإفكها، لكنهم لا يأبهون بحقٍ أو حقيقة، وربما كثيرون منهم قد أُمِروا بعدم مشاهدة هذا العمل لما له من سحرٍ قد يأتى أُكلَه ويقضى على استسلام بعض الأتباع بعد ما تم بذله من جهد فى غسيل عقولهم! 

هم مهتمون فقط بالبحث عن كل اتهامٍ من شأنه أن يُنفر من عملكم ولو مصريًا واحدًا، لا يهم أنهم يدركون أن ما يتهمون به هذا العمل هو من تمام أسلحته الفتاكة وقوته الضاربة!

سوف يتهمونكم فى ديانة مايسترو العمل ويحاولون أن يجنحوا بالمعركة إلى الدرك الأكثر خسة وانحطاطًا، وهو ما يعشقونه جدًا، ويجيدون استخدام أدواته لدرجة تجعلهم يُعدون هذه المعارك من المعارك المضمونة النتائج! ليس عليهم إلا أن يضعوا اسم مخرج العمل فى جملة واحدة عن تشويه تاريخ المسلمين!

سوف يتهمونكم فى أعز ما قدمه العمل.. وهو وعاء الفكر أو اللغة! هكذا تعلمنا أن اللغة هى الوعاء الذى نقدم فيه أفكارنا.. وحين تتعاظم قيمة الفكرة بذاتها يحسم اختيارَ الوعاء عواملٌ صارمة محددة نجح فى بلوغ غايتها طاقمُ العمل.. هم يدركون ذلك.. واشتد هجومهم على اللغة تحديدًا لأنهم يدركون ذلك!

سوف يتهمونكم بأنكم تزيفون التاريخ لأنكم قمتم بتقديم ما تم حجبه عن العامة سابقًا فى المحافل الشعبية المتنوعة. تلك المحافل التى دأبت على تقديم ما جذب العامة لما أراده خفافيش الظلام، سواء كانت محافل دينية أو فلكلورية أو درامية!

يروقنى كثيرًا أن أستعرض ما اقترفه طاقم هذا العمل المبهر من جرائم أصابت كثيرين- وسوف تصيب أكثر مع باقى الحلقات- بالتشنج الذى سيعبر عن نفسه فى الأيام المقبلة بصور عديدة من الولولة والردح بكل اللغات واللهجات المنتشرة فى منطقتنا ال......!

«الحشاشين».. هو اسم العمل الدرامى الذى يبدو أن صُنّاعه قد استعدوا له جيدًا بكل احترافية وجدية لكى يجمعوا له كل أسباب النجاح والإبهار كعمل فنى، لكنهم أيضًا قد جمعوا له كل أسباب استنفار نباح القطعان كعمل تنويرى يتم الدفع به لأرض معركةٍ ما زالت فى ذروة صليل سيوف فرسانها، وأيضًا فى ذروة خسة بعض خائضيها!

حرق أحد أهم أسلحة الشيطان فى العالم الإسلامى، هذا السلاح الذى ظل يقصف أعناق مئات الآلاف من رقاب المسلمين وغير المسلمين عبر أربعة عشر قرنًا! 

سلاح دموى اسمه «التنظيمات السرية فى الدول المسلمة»! هذا السلاح الذى كان أكثر نجاحًا وفتكًا من أسلحة الحملات الصليبية وكل حملات الاستعمار التى استهدفت احتلال هذه الدول! 

هذه ليست مبالغات إنما حقائق كان لى شرف نشرها العام الماضى بجريدة «الدستور» فى ثلاثة أجزاء تحت عنوان «تنظيمات المسلمين السرية عبر التاريخ»! تاريخ أسود مخضب بلونٍ أحمر تكتظ به موسوعات تاريخية أريد لها أن توضع فى كهف النسيان! وفى مجتمعات الشرق الآن إذا أردتَ أن تقتحم هذا الكهف وتزيل الأتربة عن هذا الإرث فما عليك إلا أن تُجسد أبطاله وشياطينه فى عمل درامى جاد مبهر محترم وتستنطق الجميع! وهذا ما فعله صناع العمل!

إن الهدف أكبر كثيرًا من قصة حسن الصباح، الهدف هو أن نضع نهاية لهذا السلاح مستقبليًا، أن نحرق هذا السلاح للأبد! أن نحصن بلادنا من كل محاولات مستقبلية لكل مجرم يزين له شيطانه إعادة تدويره! لأن القصة واحدة والمنهج واحد، والشاب الذى دفع به حسن الصباح لاغتيال الخليفة العباسى لا يختلف كثيرًا عن الذين دفع بهم خيرت الشاطر وأعوانه من القرى إلى ميدانى رابعة والنهضة، ولا يختلف كثيرًا عن كل الذين تم غسيل عقولهم طوال القرن الماضى، فقتلوا وسفكوا الدماء فى شوارع مصر!

لهذا كان الهجوم! حين كان السلاح خفيًا دفعت بلادنا ثمنًا مكررًا عشرات المرات فى القرن الأخير وحده وحتى سنواتٍ قليلة مضت فقط لهذا الاختفاء!

حسن البنا كان واحدًا فقط من عشرات.. كان أنجحهم لأسباب ذكرتُها تفصيلًا منذ أكثر من عام. وأتباعه المدحورون الآن كانوا يتوهمون أنهم فى فترة كمون عارضة سرعان ما سيعودون لتنظيم صفوفهم والعودة مجددًا تحت قناعٍ جديد، فضرب هذا العمل أوهامهم للأبد! هذا العمل أقرب للمصل العقلى يتم تحصين المصريين به، لهذا كان الهجوم ضاريًا وسيكون أشد ضراوة كلما أسقط العمل مزيدًا من الأقنعة!

على مدار أكثر من أربعة عقود ومنذ نهاية السبعينيات، كانت هناك كارثة درامية اسمها الدراما الدينية. لقد ضربت هذه الكارثة الهويةَ المصرية ضربات موجعة فى عقول وقلوب أجيال مصرية متعاقبة. قدمت هذه الدراما فى كثيرٍ من الأعمال صورة البطل فى شكل فارس عربى شاهرًا سيفه لاحتلال دول الغير تحت راية الفتوحات الدينية. كما قدمت شخصيات سياسية عربية أو مسلمة فى صور مثالية ملائكية لا علاقة لها بالواقع كما حدث أو بحقائق التاريخ. 

دهست بعض هذه الأعمال الهوية المصرية التاريخية بشكل واضح وصريح وكالت لها تلالًا من التهم الزائفة، مثل الوثنية واستعباد الأمم الأخرى. لقد ساهمت تلك الأعمال فى شيطنة حضارة مصر. كان نتيجة ذلك أن تولد لدى كثيرٍ من المصريين شعورٌ بالخجل من تلك الهوية المصرية، واشرأبت أعناق المصريين نحو ذلك النموذج الذى قدمته تلك الأعمال بينما تم تصدير مشاعر أخرى بالدونية لأجيالٍ كاملة. وكان ما حدث فى مصر فى الأعوام التالية لأحداث يناير ٢٠١١م هو نتيجة منطقية جدًا لما غرسته هذه الدراما فى التربة المصرية بجوار ما قامت به مؤسسات دينية وتعليمية أخرى!

مسلسل «الحشاشين» يمكن وصفه بالعمل التاريخى التنويرى، كما يمكن وضعه على رأس قائمة مفصلية تضم أعمالًا قليلة تم إنتاجها فى الأعوام القليلة الماضية. هذه القائمة يمكن اعتبارها حدًا فارقًا فاصلًا بين عهدين فى تاريخ الدراما التاريخية الدينية المصرية. 

العهد الأول هو ما ذكرته عن تلك العقود الأربعة، وهو عهد شيطنة شخصية وتاريخ وهوية مصر، أو تقديس تاريخ بشرى سياسى وتقديم أبطاله المسلمين على غير الواقع فى صورة حكام مثاليين. أما العهد الجديد الذى ستصبح هذه القائمة باكورة صفحاته، فهو عهد الحقيقة..حقيقة تلك الشخصيات الدينية أو التاريخية، وحقيقة ما كان يتم ترويجه عن العصور التاريخية المثالية.. وهو أيضًا عهد إعادة الاعتبار للهوية المصرية والشخصية المصرية وإعادة الحياة لمصطلح الأمة بمفهومه الحقيقى الذى يعنى الأمة المصرية. 

حتى لو كان «الحشاشين» عملًا دراميًا يعرض جزءًا من تاريخ دول أخرى غير مصر، فسيظل قادرًا على تحقيق تلك الأهداف. لأن من بين تلك الدول ما تم تقديمها فى أعمال درامية سابقة وتصديرها للعامة على أنها كانت خلافات الحق والعدل والإسلام، بينما لم تكن فى حقيقتها أكثر من دول احتلال دموية! 

اللغة أحد أسرار نجاح هذا العمل فى بلوغ غايته، وهى الوصول بالأفكار إلى عقول أكبر عدد ممكن من المصريين. لم يكن الهدف كما كان سابقًا فى العقود الماضية وهو «تحميس» أو «تثوير» المشاعر الدينية للمصريين عبر خطاب لغوى أقرب لدرس دينى زاعق للتخديم على أهداف أخرى عبر تمهيد العقول والمساهمة فى تقديمها فريسة سائغة سهلة للضباع والذئاب. 

الشروع فى خلق عهد تنويرى جديد بتقديم الأعمال التاريخية والدينية باللغة العامية المصرية سيكون إنجازًا كبيرًا وتصويبًا أكبر لما كان يحدث سابقًا. هذا التصويب والمنهج الجديد سيخلق قنوات تواصل جديدة مع الكتل الجماهيرية، تعتمد على مخاطبة العقل والمنطق بهدوء وتعقل يتماشيان مع طبيعة الشخصية المصرية الحقيقية. 

لكن ما يلفت النظر فى الهجوم على لغة العمل هو «الاستهبال» الذى وسم منطق المهاجمين، وسقوط المدافعين فى الفخ.. فالمهاجمون يعرفون تهافت منطق المطالبة باللغة العربية الفصحى فى عمل درامى أبطاله شخصيات تاريخية ربما لم تكن تجيد التحدث بها! ليس هذا فقط، بل تأتى المطالبة بينما صناع العمل والمستهدفون به فى المقام الأول ينتمون جميعًا لوطنٍ من أقوى مفردات شخصيته الحضارية تمتعه بلغة عامية متفردة وجدت طريقها فى القرن الماضى إلى الدول المجاورة عبر نفس الأداة وهى الأعمال الفنية!

يعرف المهاجمون تهافت منطقهم وعدم براءته من أهدافٍ أخرى غايتها تقزيم أسلحة مصر الثقافية. لكنهم مع ذلك أرادوا فقط تشتيت الانتباه عن العمل، والعمل بشكل مكثف لصرف أكبر عدد ممكن من المصريين عن متابعته لتحقيق الغاية الكبرى؛ وهى إجهاض العمل والإبقاء على بعض فرص الحياة المستقبلية لفكرة التنظيمات السرية الدينية!

«بص العصفورة!».. هذه الطريقة التقليدية المفتقدة لأى إبداع كانت هى وسيلة الذين تم إطلاقهم للهجوم على العمل.. طريقة معروفة لأخذ العقول فى منحنيات متعرجة، وكلما تضاعفت تعرجاتها كلما نجحت فى تحقيق هدفها، وهو أن ننشغل بأقفاص العصافير التى تم نثرها فى تلك التعرجات حتى نبعد تمامًا عن النقطة المركزية والهدف الأسمى لصناع العمل بتوعية المصريين بالتاريخ الحقيقى والقضاء المستقبلى على جنون تكوين تنظيمات سرية. 

اتخذ مهاجمو العمل هذه الطريقة منهجًا فيما أطلق عليه «الأخطاء التاريخية» للمسلسل، حاولوا صناعة تلٍ كبير من بضع قطع من الأحجار.. ما تم تضخيمه مما أطلق عليه «أخطاء تاريخية» يمكن تجاوزه دون أى إخلالٍ بالحقائق الكبرى. وبعضها يندرج تحت ما يُطلق عليه «موضوعات جدلية» تناظرية مثل شكل العمارة مثلًا. وهى أخطاء قابلة للحدوث حتى من أساتذة التاريخ.

عدم تحدث الصليبيين فى ذلك الوقت باللغة الفرنسية الحديثة كان نقدًا مضحكًا جدًا.. فهل مثلًا كان باقى الأشخاص يتحدثون اللغة العربية الفصحى؟! استنطاق الصليبيين باللغة الفرنسية لم يكن إلا للإشارة إلى هويتهم!

أما أى حديث عن اختلافات أو أخطاء عن شخصية الصباح فهو حديث مردود عليه أيضًا علميًا وموضوعيًا، بأن هناك الكثير جدًا مما كُتب وأيضًا مما حُرق واختفى عن هذه الشخصية.. فهى شخصية قطعًا تمتعت بنصيبٍ وافر من العلوم، لكنها استعملت نصيبها من العلم والذكاء فى الشر. كانت شخصية ملهمة للغرب تعلم منها كيف يكون تنظيماته السرية المسلحة. تمثل هذه الشخصيات نموذجًا مثاليًا لهواة نسج الأساطير حولها. ومع تراكم الزمن وتراكم الأساطير وامتزاجها بالحقائق نصل إلى هذا القالب الدرامى الذى قدمه المسلسل! 

سوف تتم محاولة الغمز واللمز بديانة مخرج العمل والإيحاء للعامة بأن هذا العمل هو محاولة لتشويه تاريخ المسلمين بأيدى مخرج غير مسلم. هذا هو المنهج الأكثر انحطاطًا فى الهجوم، وهو أيضًا منهج يفتقد كل مصداقية. لأن مراجعة تتر أسماء أى عمل تاريخى دينى من تلك الأعمال فى العقود السابقة مما كان يمجد صورة البطل العربى الغازى لبلاد الغير سوف تكشف بسهولة تهافت هذا المنهج. فتقريبًا لم يخلُ عملٌ واحد من تلك الأعمال من مصريين غير مسلمين، سواء من الممثلين أو الفنيين. ومخرج أى عمل ليس هو صاحب الفكرة أو السيناريو أو الحوار.. هو فقط مبدع فى إخراج أفكار الآخرين إخراجًا فنيًا تقنيًا. 

وهذا المخرج هو نفسه مخرج مسلسل الشهيد أحمد منسى بما اكتظ من مشاهد تدافع عن سماحة واعتدال الإسلام، بل وقدم فى ثنايا المسلسل مشهدًا يبرّئ فيه فقهاء قدامى، مثل ابن تيمية، من تمسح الجماعات التكفيرية بهم! لذلك فمن سينساق خلف هذا التهافت هو فى أعماقه يحمل بذور التطرف الدينى ولا يتمتع بأى إنصافٍ أو موضوعية. فهذا العمل «الحشاشين» لا يمثل بيتر ميمى وحده، إنما يمثل وجهة نظر الشخصية المصرية المعتدلة الوطنية بمسلميها ومسيحييها، كما يمثل جزءًا من جهد الدولة المصرية التنويرى فى السنوات الأخيرة! وكلما زاد النباح حول العمل كان ذلك شاهدًا على نجاح صُنّاعه فى تحقيق الأهداف المشروعة والمرجوة منه!