الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

تلاميذ إبليس

عقيدة «الباطنية»: الخالق إلهان ولا إسلام بدون «إمام» و«سمع وطاعة»

مسلسل الحشاشين
مسلسل الحشاشين

العقل إله ومدبر الكون باعتباره المبدع الأول والواسطة بين الله وعباده

المهدى المنتظر هو خاتم الأنبياء ويأتى بـ«رسالة جديدة أكمل وأعظم»

فسروا آية «سجود الشيطان» بأن أبا بكر أُمر بـ«السجود لعلى» لكنه «أبى واستكبر»

لما فرغ النبى من «خطبة الوداع»، ونزل عليه قول الله تعالى: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينًا»، وسمعها عمر بن الخطاب بكى، ولما سُئل: «ما يبكيك؟»، أجاب: «إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان!».

يبدو أن «الفاروق» كان مُحِقًا.

فما أكثر عدد فِرق الدين، القائم على مبدأ التوحيد!

وما أعقد وأشد تطرف هذه الفرق، المنتمية إلى أمة «وجعلناكم وسطًا»!

وما أكثر ما يعتريها من نقصان، قائم على فهم خاطئ للدين، أو رغبة فى الظفر بكرسى الحكم أو القيادة، أو حتى مجرد نظرة استعلائية على من سواهم، مقتدين فى ذلك بأستاذهم الأول، حينما أُمر بالسجود لآدم، فأخذته العزة بالإثم، وقال متعجبًا: «أأسجد لمن خلقت طينًا».

على رأس هذه الفرق تأتى «الباطنية»، التى انحدرت منها جماعة «الحشاشين»، أخطر الجماعات فى التاريخ الإسلامى بقيادة زعيمها حسن الصباح، فما تاريخ هذه الفرقة، وما أبرز المعتقدات والأفكار الخاصة بها؟

جذور تاريخية

فلنعد سويًا إلى القرن الثانى الهجرى حيث الإمام جعفر الصادق، الذى خرج من نسله ابناه: موسى الكاظم، الذى تعود إليه «الشيعة الإثنا عشرية»، وهم شيعة إيران الحاليون، وأغلب الشيعة حول العالم الآن، و«إسماعيل» الذى خرج منه المذهب «الإسماعيلى»، ومن نسله عبيد الله المهدى، مؤسس الدولة الفاطمية، التى جاء خليفتها المعز لدين الله الفاطمى إلى مصر، وأسس مدينة القاهرة.

من أحفاد «المعز» جاء الخليفة الفاطمى المستنصر بالله، والذى أدت وفاته إلى انقسام «البيت الإسماعيلى» إلى فريقين، الأول يؤمن بأحقية الابن الأكبر له «نزار» فى الحكم، وكان من أكبر داعميه حسن الصباح، والثانى يرى أن الحكم من حق الأصغر «المستعلى بالله»، ويقوده وزير الدولة بدر الدين الجمالى، ومن بعده ابنه «الأفضل»، وهو الفريق الذى حسم المعركة، بتولى «المستعلى بالله» الحكم، وسجن وقتل شقيقه «نزار» وأبنائه.

بناءً على هذه التطورات، هرب «الصباح» عائدًا إلى بلاده فى فارس، ليدعو هناك إلى إمامة «نزار»، متحصنًا فى حصن غير قابل للاختراق اسمه «قلعة ألموت»، ومدعيًا أن لديه ابنًا لـ«نزار»، يخفيه ولن يظهره إلا فى الوقت المناسب، مبتدعًا بذلك نظرية «الإمام المخفى». 

وداخل قلعة «ألموت» جمع حسن الصباح أنصاره ومؤيديه لاسترجاع «الإمامة المسروقة»، وتحقيق أهدافه فى السلطة، عبر اتباع منهج الاغتيالات السياسية، من خلال إرسال انتحاريين لقتل قادة وزعماء وإحداث فوضى كبيرة، لتبدأ من هنا قصة أخطر فرقة فى التاريخ الإسلامى، جماعة «الحشاشين» المنتمية إلى «المذهب الباطنى».

الإسلام وحده لا يكفى 

بعد هذه الجولة السريعة بين ثنايا التاريخ، ومعرفة الظروف السياسية المؤثرة فى نشأة وتطور «الباطنية»، يتبقى معرفة الأفكار التى يستند إليها هذا المذهب.

يؤمن «الباطنية» بأن هناك تفاسير خفية للقرآن الكريم، غير التأويل والتفسير الظاهر، يرون أن هناك رموزًا وإشارات ومعانى خفية فى الذكر الحكيم، بل وفى كل النصوص الدينية، ولا يصل إلى تفسيرها وتأويلها سوى «فئات خاصة»، ومن هنا تأتى الخطورة.

ويدّعى «الباطنية» أن آيات القرآن وأحاديث السُنة- بل وكل ظاهر- له باطن خفى، يمتلك زمام كشفه «أئمة» حاضرون، أو مُتلقون عن هؤلاء «الأئمة»، حال غيابهم.

ورفع أصحاب هذه المذاهب شعارات دينية رنانة، مثل «الباطن» و«السر» فى مقابل «الظاهر»، و«الإمام المُنتظر» و«المُخلص» الواجب انتظاره لحمل «لواء العدل»، ما مَثل بيئة خصبة لجذب المسلمين المتعاطفين بمختلف تنويعاتهم، ومن كل حدب وصوب، مع فرض مبدأ «السمع والطاعة»، المتعارف عليه بين جماعات «الإسلام السياسى» فى عصرنا الحديث، السمع والطاعة لـ«الإمام» أو «المُتلقى عنه»، الذى تطور لـ«المرشد» أو «الشيخ».

والإله وحده لايكفى أيضًا

بهذا أصبح الدين عند «الباطنية» يقوم على معرفة الله بـ«العقل»، واعتباره الواسطة بين الله وعباده، وأن التوحيد ليس لله وحده، وإنما لـ«العقل»، باعتباره «المبدع الأول» و«الواسطة بين الله وبين عباده».

ويستدل «الباطنية» على ذلك بحديث قدسى- صنفه علماء السُنة بأنه موضوع- يقول فيه الله تعالى مُخاطبًا العقل: «أنت فتقى ورتقى، والمشرق منى على خلقى، بك آخذ حقى، بك أنجز وعدى، فوعزتى وجلالى، لا أصل من يجحدك، ولا يعرفنى من أنكرك، فأنت منى بلا تبعيض، وأنا فيك بلا حلول، وفى منتهى الطائف العقول».

وعن ذلك يقول أبوحامد الغزالى إن «الإسماعيلية» تعتقد بوجود إلهين صانعين لهذا العالم، أحدهما علة لوجود الآخر، ويطلقان عليهما «السابق» و«التالى»، معتبرين أن «السابق» خلق العالم بواسطة «التالى».

ويرى «الغزالى» أن هذا الاعتقاد من «المقالات الموجبة للتكفير»، شارحًا ذلك بقوله: «أما القول بإلهين فكفر صريح لا يتوقف فيه، لأنهم عرفوا أننا نعتقد بأن للعالم صانعًا واحدًا قادرًا عالمًا مريدًا مُتكلمًا سميعًا بصيرًا حيًا، ليس كمثله شىء».

النبوة والإمامة

يقسم «الباطنية» الناس طبقات وفقًا لدرجاتهم فى المعرفة، ضمن سلسلة أولها آدم، وينتظم فيها نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، وتُختتم بـ«إسماعيل» الذى تُنسب إليه الفرقة، وابنه «محمد»، ويليهما مباشرة «المهدى المُنتظر».

ويؤمن أتباع الفرقة بأن «المهدى» سيأتى بـ«رسالة جديدة أكمل وأعظم مما سبقها من رسالات»، بما فيها رسالة النبى محمد صلى الله عليه وسلم، بما يجعل نبى الإسلام ليس خاتم الأنبياء والمرسلين، وشريعته ليست الشريعة التامة الكاملة، من وجهة نظرهم.

ويعتقد «الباطنية» أن أئمتهم يملكون «علمًا باطنيًا» خاصًا بهم، أوحاه جبريل إلى النبى صلى الله عليه وسلم، الذى بدوره أسره إلى على بن أبى طالب، ومنه- كرم الله وجه- تناقلته «الأئمة» من بعده إلى بعضهم البعض.

هذا «العلم الباطنى» يشمل- وفقًا لرؤيتهم- حقائق الدين وكل حوادث العالم، فـ«على» لم يعرف المعنى الحقيقى لـ«القرآن الخفى» فحسب، لكنه ألم أيضًا بكل ما سوف يحدث حتى يوم القيامة، وعرف كل فتنة كانت إلى ذلك الوقت.

وبناءً على هذا الاعتقاد، ألّف العلماء المنتمون إلى هذه الفرقة مجموعة من المؤلفات الدينية، قالوا إنها تشتمل على هذا «الوحى الخفى»، الذى انتقل بـ«رواية خفية» من الإمام على إلى الأئمة الذين تبعوه.

وتعامل «الباطنية» مع هؤلاء «الأئمة» على أنهم «طالما يتلقون الوحى، ولا يستطيعون أن يعلنوا سوى الحق، يكونون بذلك السلطة العليا المفردة، التى بيدها التعليم والهداية، ونشر الفرائض والأحكام الإلهية والنبوية، وتأويلها». ويؤمنون أيضًا بأن «أهل الأسرار الربانية»، الذين خصهم رسول الله بـ«العلوم الباطنية»، هم قلة، على رأسهم الإمام على بالطبع.

والوحى عند «الباطنية» بذلك بعيد كل البعد عن الحقائق والأخبار التى وردتنا عن رسول الله، لأنه قائم على اعتقادهم بأن «العقل» وليس «الله» هو مدبر هذا الكون، وهو مرسل الوحى إلى الأنبياء.

وعلى هذا فهم يرون أن الوحى هو: «ما قبلته نفس الرسول من العقل، وقبله العقل من أمر باريه»، والنبى عندهم هو «شخص فاضت عليه من «السابق» بواسطة «التالى» قوة قدسية صافية، و«ينبغى على النبى قبل أن يصل إلى مرتبة النبوة أن يمر أولًا بمرتبة الولاية، حتى يجمع فى نفسه الصفات الثلاث: الولاية والنبوة والرسالة».

وذهب «الباطنية» إلى أن المعجزات ليست خاصة بالأنبياء فقط، وإنما تصح أيضًا من «الأوصياء» و«الأئمة»، وتكون فى «علوم الباطن التى اختصوا بها دون غيرهم من البشر».

وبناءً على ذلك، فسر «الباطنية» قصص ومعجزات الأنبياء على أنها «رموز لأشياء لا يفهمها إلا أهل الباطن»، فمثلًا عندما فسروا قصة آدم وخروجه من الجنة قالوا إن آدم لم يكن أول الخلق، وإنما كان قبله عالم عاش بينهم، وأن حواء لم تكن زوجته، وليست أنثى من الأساس، بل كانت أقرب الدعاة إلى آدم.

وراحوا للاعتقاد بأن آدم وحواء كانا ينعمان فى دعوة «الإمام» الذى كان قبل آدم، وهى دعوة إسماعيلية عبر الله عنها بـ«الجنة»، فتطلع آدم إلى مرتبة دينية أعلى من مرتبته، فأخرجه «الإمام» من الدعوة، قبل أن يعود إليها من جديد، بعد أن تاب الإمام عليه.

أما قصة خليل الله إبراهيم والكوكب والقمر والشمس، فقال «الباطنية» إن الكواكب المذكورة فى الآيات الكريمة هم الدعاة الذين أخذ عنهم إبراهيم علوم الدعوة الإسماعيلية، حتى انتهى ما عندهم، فاتجه إلى الأخذ عن حُجة النبى الذى كان قبله، فلما أتى على جميع ما عنده من العلوم، طلب العلم عن النبى نفسه، حتى هيأه النبى أن يحل محله بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.

كذلك قالوا إن ثعبان موسى معناه حُجته، ومعنى أن المسيح لا أب له أنه لم يأخذ العلم عن «إمام»، وأن إحياءه الموتى إشارة إلى علمه الذى يهدى به، ونبع الماء بين أصابع النبى إشارة إلى كثرة علمه، وأكثر من ذلك مما فصله كتاب «طائفة الإسماعيلية» لمحمد كامل حسين، وغيره.

وصى الله وصاحب الجنة

«الإمامة» إذن هى المحور الأساسى الذى تدور عليه كل عقائد «الباطنية»، فهم يعتقدون أن للإسلام ٧ دعائم، وبغيرها لا يكون الإنسان مُسلمًا مؤمنًا، أولها ولاية الإمام، ثم الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد.

ورأى «الباطنية» أن «ولاية الإمام» هى «الركن الأساسى لجميع أركان الدين»، فإذا بطلت من الدين «ولاية الوصى والأئمة» بطلت الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والحج والجهاد، وعاد الدين جاهلية، ناسبين فى ذلك إلى الإمام على عندما سُئل: «ما الإيمان؟ وما الإسلام؟» أنه قال: «الإسلام الإقرار، والإيمان الإقرار والمعرفة، فمن عرفه الله نفسه ونبيه وإمامه وأقر بذلك فهو مؤمن».

و«الولاية» عند «الباطنية» بذلك هى اعتقاد وصاية الإمام على، وإمامة الأئمة المنصوص عليهم من ذريته وفاطمة بنت محمد، ووجوب طاعتهم، معتبرين أن «طاعة الله عز وجل مقترنة بطاعتهم، ولن يقبل الله من مطيع طاعة إلا بطاعة من افترض عليه طاعته من أوليائه، الذين هم الأئمة من أهل البيت».

وينسب «الباطنية» إلى جعفر الصادق، عندما سُئل عن قول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم»، أنه قال: «نحن أولو الأمر وطاعتنا مفروضة». كما ينسبون إليه قوله: «بنا يعبد الله، وبنا يطاع الله، وبنا يعصى الله، فمن أطاعنا فقد أطاع الله، ومن عصانا فقد عصى الله».

وكان من الطبيعى بعد هذا كله أن يجعل «الباطنية» للأئمة صفات لا تمت إلى البشرية بصلة، لذا يصفون «الإمام» فى كتاباتهم بأنه «وجه الله» و«يد الله» و«جنب الله»، بل «هو الذى يحاسب الناس يوم القيامة، فيقسمهم بين الجنة والنار».

الفقه الذى لا نعرفه

رأى «الباطنية» أن المحظورات والأحكام، والفرائض مثل الصيام والحج وغيرها، مجرد تعبيرات مجازية، ومن ثم يمكن التحلل من قيودها، فاعتبروا «الحلال» هو الواجب إظهاره وإعلانه، و«الحرام» الواجب ستره وكتمانه.

الصلاة عندهم هى «صلة الداعى إلى دار السلام بصلة الأبوة فى الأديان إلى الإمام»، والزكاة «إيصال الحكمة إلى المستحق»، والصوم «الإمساك عن كشف الحقائق لغير أهلها»، والحج «القصد إلى صحبة الأئمة»، والإحرام «الخروج من مذهب الأضداد»، والزنا «اتصال المستجيب من غير شاهد»، والربا «الرغبة فى الإكثار وطلب الحطام وإفشاء الأسرار»، والمسكر الحرام «ما يصرف العقل عن التوجه إلى طلب معرفة الإمام».

القرآن الخفى

اتخذ «الباطنية» من الآيات القرآنية وسيلة لنشر مبادئهم، من خلال التفسير الرمزى لهذه الآيات، فمثلًا قوله تعالى: «فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا» فسروه على أنه: «اسألوا ربكم أن يطلعكم على أسرار المذهب الباطنى»، و«يرسل السماء عليكم مدرارًا»، فسروه على أنه «يرسل إليكم الإمام بعلمه»، و«يمددكم بأموال وبنين» على أنه «يمددكم بالعلم والمستجيبين لدعوتكم»، و«يجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارًا»، على أن «الجنات» هى «الدعوة السرية أو الباطنية»، و«الأنهار» هى «العلم الباطنى».

كذلك فسر «الباطنية» قوله تعالى: «كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إنى برىء منك إنى أخاف الله رب العالمين»، وفقًا لفهمهم الخاص، زاعمين أن «الشيطان» هو «عمر بن الخطاب»، و«الإنسان» هو «أبوبكر الصديق»، ومعنى «اكفر» أى «لا تؤمن بإمامة على».

واعتبروا أن «الشمس» و«القمر» فى قوله تعالى: و«الشمس والقمر بحسبان» هما «الحسن والحسين»، وأن «إبليس» و«آدم» فى آية: «وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس» هما «أبوبكر» و«على»، فـ«الصديق» أُمر بـ«السجود لعلى» لكنه «أبى واستكبر».

ويؤول أصحاب هذا المذهب قوله تعالى: «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها» بأنه «أمر من الله بوجوب إخفاء أسراره وتأديتها إلى أهلها، لأن هذا السر ما زال مستورًا مخفيًا مودعًا عند أهله، مضنونًا به على غيرهم».

تكتيكات التجنيد

اتبعت «الإسماعيلية النزارية» أو «الحشاشين»، التى تعد من أهم فرق «الباطنية»، طرقًا غريبة للاستيلاء على عقول تابعيها، واستمالة قلوب الناس إليها، عن طريق «منظومة تجنيد» ابتدعها حسن الصباح، وتتضمن ما يمكن أن نطلق عليه «جنان دنيوية» للأتباع.

ونقل كتاب «فرقة النزارية» للدكتور السيد العزاوى، ما رواه الرحالة الإيطالى الأشهر ماركو بولو، فى رحلاته بالقرن الـ١٣، من أنه مر بـ«الحشاشين» فى «قلعة ألموت»، وأن «شيخ الجبل- لقب حسن الصباح- كان يأخذ الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين الثانية عشرة والعشرين، فينشئهم تنشئة خاصة، ثم يأتى بهم ويخدرهم بمخدر خاص يسمى الحشيشة، ويُدخلهم بعد ذلك فى حدائق غناء مليئة بالملذات والكواعب الحسان، ويطلقهم فيها ليتمتعوا بكل ما احتوت، ثم يعيدهم إلى حضرته، ويطلب إليهم بعدما يفيقون أن يغتالوا من يريده من أعدائه، وجزاؤهم على ذلك الخلود فى الجنة التى ذاقوا نعيمها، فيكون فى ذلك ما يدفعهم إلى إنفاذ إرادة زعيمهم».

وأولى «الباطنية» مهمة مجادلة العلماء والفقهاء أمام جماهير الناس لجذبهم إلى مذهبهم لمجموعة خاصة من دعاتهم، كان يطلق عليهم «المكالب» أو «المكاسر»، وهؤلاء كانوا يرتادون مجالس العلماء والفقهاء وكأنهم تلاميذ يريدون الاستفادة من أساتذتهم، ثم يطرحون عليهم أسئلة شائكة تؤول على معان كثيرة، فإذا ظهر من العالم أدنى عجز عن الجواب، نجد الداعية الباطنى يسخر منه ويتركه، وهنا يسرع إليه الناس يلتمسون منه الجواب الشافى عن الأسئلة التى طرحها، فيستميلهم إلى المذهب.