الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

فنكوش علمى!.. «حرف» تفتح أخطر حوار حول دراسة «النهر المفقود» وبناء الأهرامات

الأهرامات
الأهرامات

أحدثت دراسة علمية حديثة بشأن مجرى قديم لنهر النيل، جاف حاليًا، أٌطلق عليه «فرع الأهرامات» ، جدلًا كبيرًا فى الأوساط العلمية والأثرية على وجه التحديد، واعتبر الباحثون القائمون على الدراسة أنها تقدم ما يمكن وصفه بـ «أول دليل جيولوجى عن طريقة بناء الأهرامات».

ويفسر «النهر المفقود» بناء هذا العدد الكبير من الأهرامات فى منطقة باتت صحراوية الآن.

الصفحة الرابعة من العدد العشرين لحرف

فى التفاصيل أن هذا «الفرع» أو «المجرى المفقود» من نهر النيل أقيم على امتداه 31 هرما من بينها أهرامات الجيزة، إذ سمح هذا «الفرع» بتسهيل نقل الحجارة على المراكب إلى مواقع البناء.

وبينما نظرية أن هناك فرعًا لنهر النيل هو الذى ساعد فى بناء الأهرامات تعتبر من «المسلمات» المعروفة فى مسألة بناء الأهرامات، فإن هذه النظرية لم يكن عليها دليل جيولوجى قبل هذه الدراسة، ولهذا أكد الفريق البحثى أن دراسته لا تقدم اكتشافًا. لكن ذلك لم يعجب بعض علماء الآثار واتهموا الباحثين بـ «بيع الوهم»، ومن ثم تفتح «حرف» الحوار حول الدراسة المنشورة فى دورية Communications Earth & Environment.

1 - ماذا تقول الدراسة؟

نٌشرت الدراسة مطلع الأسبوع الجاري، والمعدة الرئيسية لها هى إيمان غنيم، من جامعة نورث كارولينا فى مدينة ويلمنجتون الأميركية، بمشاركة فريق من باحثى المعهد القومى للبحوث الفلكية فى مصر وآخرين من جامعات ومؤسسات مختلفة.

وعبر استخدام صور الأقمار الاصطناعية الرادارية، والمسوحات الجيوفيزيائية، والحفر العميق للتربة، بحث العلماء فى البنية تحت السطحية، وعلم الرواسب فى وادى النيل المجاور للأهرامات، ليعثروا على «فرع منقرض» من النيل.

وتقدم الدراسة توصيفا متكاملا لهذا «النهر المدفون»، وتشير إلى أن طوله يبلغ ٦٤ كيلومتراً، ويتراوح عرضه ما بين ٢٠٠ إلى ٧٠٠ متر، أى ما يعادل مقاييس مجرى نهر النيل الحالى.

ويقع الفرع - الذى طٌمر منذ فترة طويلة تحت الأراضى الزراعية والصحراء - بين ٢.٥ و١٠.٢٥ كيلومتر غرب نهر النيل الحالى، ويتراوح عمقه بين ٢ و٨ أمتار. وتقول د. إيمان غنيم إن أهمية الدراسة ترجع إلى أنه «لم يكن أحد من قبل متأكداً من موقع هذا الممر المائى الضخم وشكله وحجمه»، ولرسم خريطة لـ«ممر الأهرامات المائي» استخدم الباحثون صوراً التقطتها أقمار اصطناعية رادارية. 

إيمان غنيم 

وهذا النوع من الصور على قدر كبير من الدقة، وفق المعدة الرئيسية للدراسة، موضحة: «على عكس الصور الجوية أو أجهزة استشعار الأقمار الاصطناعية البصرية التى توفر صوراً لسطح الأرض، تتمتع أجهزة استشعار الرادار بقدرة مميزة على الكشف عن الهياكل القديمة أو الأنهار المدفونة تحت الرمال».

وبحسب الدراسة تقع الأهرامات على مسافة كيلومتر واحد فقط فى المتوسط من هذا «النهر المفقود»، مع ترجيح البناء اعتمادا على السهول الفيضية. 

وتذكر إيمان غنيم أن البحث كشف أنّ عدداً كبيراً من هذه الأهرامات كان يضم ممراً مرتفعاً يوصِّل إلى معابد فى الوادى كانت بمثابة موانئ نهرية، مشيرة إلى وجود أدلة كثيرة على أن الفرع أو «مجرى الأهرامات» كان بمثابة طريق سريعة لنقل الكميات الهائلة من مواد البناء والأعداد الكبيرة من العمال لبناء الأهرامات.

وترسم الباحثة المشاركة فى الدراسة سوزان أونستين، من قسم التاريخ بجامعة ممفيس الأميركية، صورة لما جرى قبل آلاف السنين قائلة: «كانت هذه المواد، التى أُحضر معظمها من مناطق تقع إلى الجنوب، ثقيلة وكبيرة، وكان من الأسهل تالياً تركها تطفو على سطح النهر، ونقلها عبره لا برّاً».

الأهرامات

وتضيف: «المعابد الواقعة على ضفاف (مجرى الأهرامات) كانت بمثابة مرفأ مخصص لاستقبال الحاشية، وإقامة مراسم جنائزية للفرعون، وفى هذا المكان كانت الطقوس تجرى قبل نقل الجثة إلى مدفنها داخل الهرم». ولا تنكر الدراسة أن المتخصصون فى شئون مصر القديمة يدركون أنّ السكان آنذاك استخدموا ممراً مائياً قريباً لبناء الأهرامات، على مسافة كيلومترات عدة من المجرى الرئيسى لنهر النيل.

ومن هنا يقول أستاذ الجيولوجيا بجامعة طنطا الباحث المشارك بالدراسة محمد صبحى فتحي، فى تصريحات صحفية: «ما كان الأثريون يتحدثون عنه استطعنا تحديده جيولوجيا على أرض الواقع، فأصبحنا نعرف الآن أين يقع فرع النيل الذى كان يُستخدم فى نقل حجارة الأهرامات، وما هى أبعاده، ومدى ارتباطه بمعابد الوادى القريبة من الأهرامات، والتى كانت بمثابة موانئ تحط فيها السفن التى تنقل حجارة الأهرامات».

الاهرامات قديما

2- سرقة علمية 

الخبير الأثرى الكبير عالم المصريات الدكتور زاهى حواس اتهم الباحثين بـ«السرقة العلمية الكاملة»، موضحا أن ما جاءت به الدراسة سبق وتحدث عنه منذ ما يزيد على ٣ عقود سواء فى أوراق بحثية أو كتب منشورة وموجود على الإنترنت. ويُجمل «حواس» رؤيته لما رفض وصفه بـ«الدراسة» فى النقاط التالية، وهى رؤية شاركه فيها الدكتور مارك لينر عالم الآثار:

- من غير الصحيح أن الكُتّاب ذكروا: «... لم يتم تقديم تفسير مقنع حتى الآن لسبب تركيز هذه الأهرامات فى هذه المنطقة المحددة»، يعلم أى طالب مبتدئ فى علم المصريات أن أهرامات الدولة القديمة والوسطى تنتمى إلى مقابر غرب منف، العاصمة التقليدية لمصر، وأن الغرب كان اتجاه الموتى.

- لقد اقترح علماء المصريات لأكثر من قرن أن فرعًا غربيًا من النيل أو قناة على طول مسار قناة الليبينى أتاحت الوصول إلى الأهرامات. 

زاهى حواس من امام الاهرامات

• قبل ثلاثة وخمسين عامًا، طور عالم المصريات الفرنسى جورج جوين فكرة فرع غربى من النيل أو قناة تربط الأهرامات ومعابدها الوادى، وعرف هذا الفرع ببحر الليبينى «جوين ١٩٧١».

- لأكثر من قرن، حقق علماء المصريات فى فرضية وجود موانئ فى نهاية طرق الأهرامات، أمام معابد الوادى، فى خلجان طبيعية، مثل خليج أبوصير، وفى أفواه الأودية، مثل حوض خنتكاوس فى فم الوادى المركزى فى الجيزة، أو حتى أبعد غربًا، مثل الحوض فى الوادى الجنوبى فى دهشور. 

• لأكثر من قرن ناقش علماء المصريات فكرة أن هذه الأحواض يمكن أن تستقبل مياه النيل، على الأقل خلال فترة الفيضان.

- قمنا فى الجيزة لسنوات بدراسة موضوع الفرع الغربى لنهر النيل على طول مسار الليبينى وكيف كان يغذى موانئ أهرامات الجيزة. 

• لقد وجدنا ونشرنا حدودًا ومعالم عن موانئ خوفو وخفرع ومنكاورع ولم تُذكر منشوراتنا نهائيًا فى هذا البحث.

حوض خنتكاوس فى فم الوادى المركزى فى الجيزة

- تجاهل المؤلفون اكتشاف بردية وادى الجرف عام ٢٠١٣ التى تتضمن، بين وثائق أخرى، يوميات رجل يُدعى «مرر» قاد فريقًا لنقل الحجر الجيرى بالقارب من المحاجر الشرقية فى طرة إلى الجيزة لبناء هرم خوفو. وأشار مكتشف البردية، بيير تاليت، إلى الليبينى كعلامة على فرع غربى لنهر النيل، والمسارات الجنوبية التى سلكها مرر ورجاله إلى الجيزة، وقد أغفل الباحثون تمامًا هذه المعلومات الجديدة المهمة.

- فى عام ١٩٩٥، عملنا مع مجلة ناشيونال جيوغرافيك لإعادة بناء فرع غربى لنهر النيل على مسار الليبينى عن طريق رقمنة خرائط محددة بمقياس ١:٥٫٠٠٠ أنتجتها وزارة الإسكان والإعمار «MHR ١٩٧٧»، وأنتجنا عرضًا ملونًا معاد بناؤه لفرع النيل الغربى وهو عمليًا نفس الشكل ٧ فى بحث غنيم وآخرين ٢٠٢٤. 

الاهرامات عام 1800

• أنشأنا نموذجًا مصغّرًا للحوض العميق الذى يميز بقايا قناة النيل الغربية على طول الليبينى، وتم نشر الاكتشاف الرئيسى لغنيم وآخرين ٢٠٢٤ بالفعل فى ناشيونال جيوغرافيك قبل تسعة وعشرين عامًا «يناير ١٩٩٥، الصفحة ٢٢».

• يبدو أن المؤلفين إما غير مدركين للنقاشات والأبحاث المنشورة بالكامل حول موضوعهم، أو يتجاهلون إلى أى مدى تمت مناقشة اقتراحهم فى الأعمال الأكاديمية لكى يقدموا نتائجهم كاكتشاف جديد، ومن ثم نحن لا نجد أى جديد فيما ذكره بحث «غنيم» والمؤلفون الآخرون.

الاهرامات حديثًا

3- لا جديد يذكر

أما خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو المجلس الأعلى للثقافة لجنة التاريخ والآثار، فأكد أن الحقائق الدينية والأثرية أشارت إلى النهر الجاف المكتشف قرب الأهرامات؛ فقد ذُكر فى سورة الزخرف آية ٥١ - عدة أنهار فى قوله تعالى: «وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِى مِن تَحْتِي».

وأوضح: «كان للنيل ٧ أفرع فى مصر، جفت منها ٥، الفرع البيلوزى الذى كان يمر بسيناء والتانيتى والمنديسى، والفاتنيتى (فرع دمياط حاليًا) والسبنتينى والبلبتى والكانوبى (فرع رشيد حاليًا) وبالتالى منهم هذا النهر المكتشف».؟

وأضاف الدكتور ريحان أن الحقيقة الأثرية تكمن فى الكشف الهام لبعثة آثار مصرية فرنسية مشتركة برئاسة بيير تالييه وسيد محفوظ عملت منذ عام ٢٠١١ بميناء وادى الجرف على البحر الأحمر، وعثرت عام ٢٠١٣ على مجموعة رائعة من البرديات عند مدخل المغارات كانت مدفونة بين الكتل الحجرية التى تم استخدامها لإغلاق المغارة بعد الانتهاء من العمل.

عبد الرحيم ريحان

وقال: «كانت تلك المغارات تستخدم كورش عمل ومخازن وأماكن سكنية، وكان هذا الموقع مستخدمًا فى عهد الملك خوفو، وتبين أن فريق العمل الذى كان يعمل فى هذا الموقع هو نفسه الذى عمل فى بناء الهرم الأكبر وهذا يدل على وجود جهاز إدارى على درجة عالية من الحرفية لإدارة البناء فى عهد خوفو».

وبين أن بردية وادى الجرف تشير إلى تفاصيل كاملة عن طريقة بناء الهرم الأكبر وأسماء عمال البناء، وهناك بردية تخص أحد كبار الموظفين ويدعى «مرر» تحكى يوميات فريق العمل الذى كان يقوم بنقل كتل الحجر الجيرى من محاجر طرة على الضفة الشرقية للنيل إلى هرم خوفو عبر نهر النيل وقنواته ومنهم بالطبع هذا النهر المكتشف والقنوات التى تخرج منه.

بناء الاهرامات

وأشار إلى أن طريقة بناء الأهرامات كانت تتم عن طريق الجسور أو الطرق الصاعدة، حيث كانوا يبنون طريقًا متدرج الارتفاع تجر عليه الأحجار ويتصاعد مع ارتفاع الهرم حتى يصل ارتفاعه فى النهاية إلى مستوى قمة الهرم نفسها ويلزم فى الوقت نفسه أن يمتد من حيث الطول وبعد انتهاء بناء الهرم يزيلون هذا الطريق.

ونوه إلى أن العمال كانوا يتسابقون طواعية فى العمل على قطع الأحجار من المحاجر، ونقلها والاشتراك فى أعمال البناء، وقبل البدء فى بناء الهرم قامت الحكومة ببناء مدينة للعمال والفنيين وسوقا للتموين ومخبزًا ومخازن للغلال، مشددا على أن بناء الأهرامات استغرق فترات كبيرة ومن ثم لا بد أن تكون قريبة من مصادر المياه كسائر الحضارات، بل وارتبطت حياة المصريين بالنيل فى كل شىء لدرجة التقديس ونشأت حضارتها على ضفافه.

الاهرامات الثلاثة

4- معلومات معروفة

وأخيرا يقول د. حسين عبد البصير، عالم الآثار المصرية مدير عام أهرامات الجيزة السابق مدير متحف الآثار-مكتبة الإسكندرية - إن الإعلان عن اكتشاف جديد بشان وجود مجرى مائى نهرى قديم لنهر النيل بجوار الأهرامات أثار الكثير من التساؤلات لدى المتخصصين فى الآثار وغيرهم؛ فقد أعلن الفريق البحثى - المكون من عدد من العلماء من جامعات ومؤسسات علمية من الولايات المتحدة الأمريكية ومصر وخارجها- أنهم قد توصلوا إلى وجود فرع جاف من نهر النيل - يبلغ طوله ٦٤ كيلومترًا، وعرضه يتراوح ما بين ٢٠٠ و٧٠٠ متر - مدفون منذ فترة طويلة تحت الأراضى الزراعية غرب النيل الحالى وموازٍ لنهر النيل وبالقرب من سلسلة الأهرامات والمعابد المصرية القديمة، بالإضافة إلى أنه تم اكتشاف العديد من المجارى النهرية المختلفة التى تمتد من ذلك النهر القديم وتصل إلى الأهرامات. 

وبين أن الفريق البحثى لاحظ أن تلك الأفرع تنتهى ببناء أثرى يسمى معبد الوادى، حيث كان يوجد ممر صخرى يربط تلك المعابد بالأهرامات مباشرة.

وواصل: «يعتقد الباحثون أن وجود ذلك النهر القديم يفسر سبب بناء أكثر من ٣٠ هرمًا فى سلسلة على طول الشريط الصحراوى الغربى لوادى النيل منذ ٤٧٠٠ عام مضى، وتضم تلك السلسلة أهرامات قريبة من العاصمة المصرية القديمة منف مثل هرم زوسر والهرم الأحمر والأسود، بالإضافة إلى أهرامات الجيزة المشهورة، وهى أهرام خوفو وخفرع ومنكاورع... وعندما تم بناء الأهرامات، كانت جغرافية نهر النيل وروافده المائية تختلف بشكل كبير عما هى عليه اليوم».

حسين عبد البصير

وذكر أن «ذلك الاكتشاف مكن من الحصول على صورة أوضح لما كان يبدو عليه سهول فيضان النيل فى زمن بناة الأهرامات، وكيف أفاد المصريون القدماء من النهر القديم وروافده فى نقل مواد البناء الثقيلة من أجل مساعيهم الإنشائية الضخمة».

غير أنه أكد أن «هذا الأمر معروف عند معظم العلماء، وهو أن ذلك كان المجرى القديم لنهر النيل؛ لأن نهر النيل قد غير مجراه عبر الزمن من الغرب إلى الشرق إلى أن استقر فى موقعه الحالى».

وأضاف: «من المعروف أيضًا أن نهر النيل استخدمه المصريون القدماء لنقل الأحجار لبناء الأهرامات سواء التى فى الجيزة أو فى دهشور أو فى الجبانة المنفية على طول امتدادها من أبو رواش شمالاً إلى اللشت جنوبًا»، موضحا أنهم «كانوا يحضرون الأحجار الجيرية الناصعة البياض من محاجر طرة إلى الشرق من نهر النيل وبالقرب من حلوان الحالية، وكانوا يجلبون الأحجار الجرانيتية تأتى من أسوان، والأحجار البازلتية من الفيوم».

بناء الاهرامات

واستكمل: «كما نعرف أيضًا أن المجموعات الهرمية فى مصر القديمة كانت تتكون من عناصر عديدة، وكان من بين أهمها معبد الوادى ثم الطريق الصاعد الذى كان يربط بين المعبد الجنائزى الملاصق للهرم ومعبد الوادى الموجود على الحافة الزراعية حيث مجارى المياه الطبيعية أو المحفورة والمتصلة بنهر النيل».

وتابع: «دون شك كانت جغرافية نهر النيل وروافده المائية مختلفة بشكل تمامًا عما هى عليه اليوم... والحقيقة أن بناء الأهرامات لم يعد لغزًا كما كان الأمر فى الماضى بعد الكثير من الأبحاث الميدانية التى جرت على الأهرامات المصرية».