الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

«إلى بيرم التونسى».. قصيدة حسين عبدالجواد التى صفق لها نجيب محفوظ

حسين عبد الجواد ونجيب
حسين عبد الجواد ونجيب محفوظ

من يعرفون الكاتب الكبير حسين عبدالجواد، كاتب هذه القصيدة، يعرفون جيدًا أنه ناثر روائى وقاص فى المرتبة الأولى، لم يقدم نفسه يومًا كشاعر، وربما اكتفى من الشعر بعلاقة الجوار التى جمعته مع الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم خلال فترة زواجه من السيدة صافى ناز كاظم، والتى ناله منها ما ناله ولا يتسع المجال هنا لذكره أو الحديث فيه أو عنه، وإن عرفت منه أنه كثيرًا ما حاول فى كتابة شعر العامية المصرية، ولديه ديوان مكتمل لم يطبعه حتى وقتنا هذا، وأنه كثير ما كان يقرأ قصائده على أديب مصر الأكبر نجيب محفوظ خلال لقاءاتهما الممتدة.. فمن يعرفون الكاتب الكبير حسين عبدالجواد شخصيًا، يعرفون أنه كان واحدًا من أكثر المقربين من الأستاذ حرصًا على مشورته لسنوات طويلة، تصل إلى ما قبل «نوبل»، وتمتد إلى أيامه الأخيرة، ومما يحكيه أنه كان مثل غالبية من يجالسون الأستاذ يقرأ له من وقت لآخر بعضًا من إبداعاته، ويقول كان الأستاذ بطبعه لطيفًا ومجاملًا، ولا يزيد فى ردوده على كل من يقرأون له أعمالهم عن عدة كلمات «يااااه.. جميل.. كويس خالص.. تمام تمام»، تختلف طبيعة الاستجابة حسب استخدامه حروف المد فى هذه المفردات، كأن يقول «جميييييل» مثلًا فى حالة الإعجاب، أو «جميل» دون مد، وهذه لا يعتد بها إلا لأن قائلها هو من هو، ويقول عبدالجواد: فى إحدى المرات قرأت له قصيدة، فلم ينطق بعدها، لا جميل ولا كويس ولا حتى تمام، فتوترت، وأخذت أراجع القصيدة مرات ومرات، وعشت أيامًا من القلق والتخمينات حتى رأيته فى المرة التالية فسألته عما إذا كانت القصيدة لم تعجبه، فقال لى «كل ما تكتبه بالعامية بيعجبنى»، ولكن هذه القصيدة كان لها تأثير مختلف، وأذكر أننى عندما كتبتها فى ذكرى الشاعر الكبير بيرم التونسى وقرأتها على «نجيب بيه»، راح يصفق من الإعجاب.. وكانت هذه من المرات النادرة التى يزيد فيها على «جميل.. كويس خالص.. ياااه».

ونحن فى «حرف» لا نملك إلا أن نحتفل مع المبدع الكبير حسين عبدالجواد بأديب مصر وشاعر العامية المصرية الأول بيرم التونسى، وبهذه القصيدة التى اختار أن يخصنا بها، والتى صفق لها نجيب محفوظ، وإن لم تكن هناك مناسبة.. فالثلاثة ليسوا بحاجة إلى ذكرى، ولا إلى مناسبة للاحتفال بهم ومعهم.

إلى بيرم التونسي.. شعر حسين عبدالجواد

عايز أكتب كلام صريح 

ساعة غروب والأمل جريح 

الناس قاعده من اللى فيها 

والقهوة مجاوره للفريح 

الراديو كان فى النصبه داير 

والفكر فى بالى كان حاير 

والحمام البعيد حط

بعد ما كان حاير 

الناس فى الكلام سألت وحارت 

وأهل الهوى يا ليل فجأة دارت 

قلت آه يا أبو الفن الجميل 

يمكن كتبتها على دى القهوه وطارت 

وجرى القلم بالحبر ع الورق 

والحجر الأخير راح واتحرق 

وتاهت النظرات وسالت الدموع 

واتندى الجبين بحبات العرق 

وانتهى الغنا فى الركن البعيد 

وفى نشرة الأخبار 

قالوا اليوم ده عيد 

وشفت بيرم ع البعد 

قاعد ثابت وعنيد 

قاعد فى زاوية كما لو كان إمام 

قام ورمى على الجميع السلام 

وحضر وجلس أمامى 

وابتدينا الكلام 

حمدت المولى على لقا اليوم السعيد 

قلت: فارس يا أبو الفوارس يا زين الرجال 

كتبت أشعار عبرت فيها بحر المحال

وعشت كما الغريب فى البلاد الغريبة

وهجيت ملك كان تعلب وكان محتال 

قال: الفن حرية والغربة ثمن 

غربة فى الأوطان وغرفة فى الزمن 

واللقا نصيب 

وكل الجراح من بر الشام أو بر اليمن

قلت: اكتب رثاء لشهدى وفريد

ولا لعرابى وسعد وسيد 

ولا زمان الرثاء فات 

والأعياد فاتت وأنا لسه معيد 

قال: الرثاء كان زمان والزمن ماضى 

والقلم دايمًا مليان والورق فاضى 

وما فى أمل غير فى الغرام 

والحبيب ظالم والعزول قاضى

قلت: كانت الأيام أمل فى الليالى 

والزمن كان ربيع للغرام وللأمانى 

والحلم الكبير كان عيد لكل الوطن 

والشعب كان بيهدر بالأغانى 

قال: احتار طيب القلب واحترت معاه 

لما قال جرح القلب الغنا دواه 

قلت: آه م الليالى وحمر المواويل 

وآه من صورة القمر على صفحة النيل 

وانتهى الغنا فى الركن البعيد 

وفى نشرة الأخبار قالوا اليوم ده عيد 

وشفت بيرم قاعد ثابت وعنيد 

قاعد فى زاوية كما لو كان إمام 

وقام ورمى ع الجميع السلام 

وفجأة اختفى بيرم وسط الزحام 

وحمدت المولى على لقا اليوم السعيد 

وحمدت المولى على لقا اليوم السعيد.