الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

محمد بدوى: لولا فلسطين ما حظى محمود درويش بالشهرة.. وأدونيس أحد أسباب دمار الشعر المصرى

الناقد محمد بدوى
الناقد محمد بدوى

- نجيب محفوظ حالة خاصة.. وكان أكبر من أن يُحاصَر أو يقترب إليه أحد

- عبدالناصر أدرك تمامًا معنى المثقف وأن تكون الدولة راعية للكاتب

- هناك معارك ساذجة حول فكرة الأسبقية فى مجال الإبداع والبحث عن الأسبقية والأحقية فى تتويج من يكون أمير الشعراء

- لو قارنت بين الموهبة الشعرية لمحمود درويش ومحمد الماغوط لن تجد فروقًا كبيرة

- لا أستطيع تصور روائى كبير فى ظروفنا الحالية دون تفرغ للكتابة

يُعد الدكتور محمد بدوى واحدًا من أبرز نقاد الأدب المعاصرين، ويعد امتدادًا لجيل الرواد، مع تميزه بالجمع بين الشعر والنقد، حتى أصدر ديوانه الأول «تلويحة النسيان»، قبل أن يبتعد بعدها عن النظم والقوافى.

وظل اسم الناقد والأكاديمى الكبير لامعًا، عبر كتاباته النقدية التى تشتبك مع الراهن، وتبحث عن الجذور بعيون مفتوحة على المستقبل، ورغم أن بعض مجايليه وتلاميذه ومتابعيه يصفونه بـ«الناقد الكسول»، يرى آخرون أنه «الناقد الأهم فى المشهد الثقافى العربى».

فى حواره التالى مع «حرف»، يكشف الدكتور محمد بدوى أسباب اختياره الشاعر الكبير صلاح عبدالصبور للدراسة، وكيف كان أدونيس سببًا فى دمار الشعر المصرى خلال فترة السبعينيات، كما يتحدث عن أهمية التفرغ بالنسبة للروائى، ولماذا يُنظر إلى شعر العامية على أنه أقل درجة من الفصحى، وغيرها من القضايا الإبداعية المتعلقة بفنى الرواية والشعر.

الصفحة الثانية والعشرين من العدد العشرين لحرف

■ كيف بدأت حكايتك مع الشعر؟

- لا أستطيع أن أتحدث أو أتعامل مع ظواهر أرفضها نفسيًا، والشعر كان وما زال فن العربية الأول تقليديًا، فهو ذلك الفن الذى يُكرَس من خلال المؤسسات الأدبية واللغوية والتعليمية من مدارس وجامعات ومُجمعات لغوية.

كنا نقرأ الشعر فى طفولتنا، حتى لو كان أغانى صغيرة بسيطة وساذجة، لذا دائمًا الأدباء يبدأون بالشعر، حتى لو تركوه فيما بعد، وأقرب مثال على ذلك نجيب محفوظ، الذى ترك الشعر مبكرًا.

أنا كنت منقسمًا بين كتابة الشعر والرواية، وكانت مفاهيمى عن الشعر والرواية مختلفة إلى حد ما، فبدءًا من ١٩٦٧ كنت أرى أن المجتمعات العربية لا توفر الشروط الكاملة للكتابة، فأنت لا تستطيع أن تكون كاتبًا كاملًا بالمعنى الذى أفهمه.

كانت الحرية، التى يمكن أن يتقدم عليها مبدأ العدل والإنصاف، أضعف مبدأ فى الثقافة العربية، إلى جانب غياب قيم التعدد وقبول الآخر والديمقراطية والنقد، لذا كانت مادة الكتابة نفسها مُحاصرة، ينطبق هذا على الشعر والرواية، لكن دعنا نقول الرواية وبعدها الشعر الذى له وضعه الخاص.

كنت لا أستطيع أن أكتب رواية حتى أتفرغ تمامًا، أنا لا أستطيع أن أتصور كاتبًا كبيرًا فى ظروفنا دون تفرغ للكتابة، أن تعمل فى الجامعة أو فى الصحافة أو التدريس وتكتب الرواية، أرى أن هذا لا معنى له.

الكاتب محمد بدوى

■ لكن الرواد تصدوا لكل هذا وكان لهم إنتاجهم الوفير فى مختلف أنماط الأدب.. ما رأيك؟

- ما نسميهم بـ«الرواد» ممن دشنوا بدايات الرواية ومنهم نجيب محفوظ يمثلون حالة خاصة، فـ«نجيب» كان أكبر من أن يقترب منه أحد، خاصة بعد ثورة ١٩٥٢، لذا نجده مع ازدياد القيود على الحرية يكتب «أولاد حارتنا»، التى اصطدمت بالعناصر التقليدية فى المجتمع من رجال دين وسياسة ومواطنين أيضًا.

نجيب محفوظ كان أكبر من أن يُحاصَر تمامًا، صحيح تعلم بعدها أن يكون أكثر حرصًا، لكن لا تنسى أنه فى هذه المرحلة (نهاية الخمسينيات) كان هناك مشروع وطنى ونموذج كبير، وكان جمال عبدالناصر يعى تمامًا معنى المثقف، ومدرك معنى أن تكون الدولة المصرية راعية للكاتب.

ورغم اختلافها بشكل واضح مع طه حسين ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، كانت الدولة ترى أن هذا الاختلاف بمثابة وسام على صدرها، وجمال عبدالناصر كان يعرف أن تحديثًا ماديًا واجتماعيًا دون حداثة أدبية يُعد «نقصًا».

طه حسين 

لذا فى فترة السيتينات تجد أن مسارح الدولة تعرض أعمالًا لـ«يونسكو» و«بريخت» وغيرهما، صحيح أن هذا لا يمنع وجود قيود على الحرية آنذاك، لكن كان هناك وعى بمعنى الأدب والفن، وكما قلت سابقًا، أرى أنه لا تستطيع أن تكون روائيًا دون أن تكون متفرغًا، فهذا الروائى الذى أعرفه.

والكاتب الكبير يوسف إدريس يقول إن «الحرية الموجودة فى البلاد العربية كلها لا تكفى حرية كاتب واحد»، وهذه مشكلة أساسية، خاصة أن الرواية- فى تصورى- هى الفن الأكثر اصطدامًا بالمجتمع، كما أميل إلى وصف نجيب محفوظ للرواية بأنها «شعر الدنيا الحديثة»، وأرى أنها تؤدى أدوارًا متعددة.

لذ يظل الشعر فنًا له طابع خاص جدًا، هو بمثابة حاجة وجودية للشاعر، وهذا يعنى أن الشاعر لا يستطيع أن يحيا دون أن يكتبه، هو حاجة وجودية، واستخدام صاحبه للغة وتعبيره عن الوجود البشرى والحياة الإنسانية حالة خاصة جدًا، وهو ما يجعله للنخبة، تمامًا مثل الموسيقى الكلاسيك أو الفنون التشكيلية أو النحت، وهذه كلها فنون ليس لها متلقون يحمونها.

غلاف كتاب تلويحة النسيان

■ من يحمى الكاتب إذًا؟

- الذى يحمى الكاتب فى أوروبا هم قراؤه، بالإضافة إلى السوق، بمعنى أن الأدب استطاع أن يصنع سوقًا أدبية، الكاتب فيها يحيا من إيراد كتاباته، سواء رواية أو شعر، على عكس مجتمعاتنا.

أزمة مجتمعاتنا التى نعيشها أنها جاءت فى السنوات الأخيرة لعصر المطبعة، الجامعة فى أوروبا جاءت فى القرنين ١٢ و١٣، لكن جامعة القاهرة متى جاءت؟ هذا إلى جانب الفارق الكبير فى نسبة الأمية هنا وهناك.

الطباعة وصلت إلى أوروبا بمعناها الحديث فى فترة مبكرة، وهو ما انعكس فى طباعة الصحف اليومية، التى شبهها «هيجل» بأنها «مثل الصلاة الصباحية فى العصور القديمة»، وهو ما كان موجودًا فى مصر خلال فترة العشرينيات والثلاثينيات، وكان هذا يدر دخلًا على الكتاب وقتها.

المفارقة أنه فى الوقت الذى ثقل فيه تأثير الطباعة، كنا نطبع أعمالًا مثل «روايات عبير» وغيرها، والأدب الرفيع لا يمكن أن تبدأ به السوق، إلا إذا كان مرتبطًا بالدعوات الدينية والأخلاق الرفيعة، وهو الشكل الذى مرت به مصر.

وعلينا أن نعرف أن قوائم «الأكثر مبيعًا» أو الـ«Best Seller» هى مقدمة للأدب الرفيع، وسرعان ما تخلق كتابًا جُددًا ينقلون أفلامًا أجنبية، أو تبقى أعمالهم مقصورة على الحب والمغامرات العاطفية، وهذا ما يخلق السوق الرأسمالية، والتى سرعان ما تجعل الكاتب حرًا.

ما نحن فيه عكس فترة الستينيات، والأمر يرجع إلى رعاية الدولة، وهذا له مزاياه وعيوبه، من مزاياه أن تخلق سوقًا لهذا الأدب، ومن عيوبه أن هناك مؤسسات أو دولًا أخرى ترعاه عبر جوائزها.

■ كيف ترى الرأى القائل بـ«تسيد» الرواية على بقية الأجناس الإبداعية الأخرى؟

- الحقيقة أن الشعر غير قابل للتسليع فى كل العالم، باستثناء بلاد صغيرة متعلقة بالشعر فى أمريكا اللاتينية، وفى رأيى أن الشعر عندنا نحن كعرب، سواء عامية أو فصحى، لامتلاكنا قامات إبداعية يمكن وصفها بالعالمية، مثل صلاح جاهين وعبدالرحمن الأبنودى.

صلاح جاهين 

■ لكن ماذا عمن ينظرون إلى شعر العامية المصرية على أنه أقل درجة من الفصحى؟

- النظر إلى شعر العامية بشكل أقل تبجيلًا من الفصحى يرجع إلى أن الفصحى كانت اللغة الرسمية، وأحد عناصر الشرعية فى الدول العربية الحديثة، لذا كل الدساتير فى دولنا تقول إن العربية هى اللغة الرسمية والأولى لشعوبها، فضلًا عن ارتباط الفصحى بالدين والمقدس.

لكن ثمة متغيرًا جديدًا يتجاوز الفصحى والعامية، وجعل حتى معظم خطابات الحكام العرب أقرب للعامية منها إلى الفصحى، هو وسائل الإعلام الحديثة، فكل من يتكلم بالعربية يحرص على أن يستهلك كلامه ٣٠٠ مليون عربى، لذا كان البديل دائمًا هو ذلك النوع بين الفصحى والعامية، خاصة مع وجود مستويات للفصحى تمثل عقبات للتواصل.

ومكانة الفصحى ترجع إلى التراث والمقدس، وارتباطها بالتميز الاجتماعى للمتحدثين بها. كما أن الصورة التقليدية للواعظ تربط حديثه بالفصحى، لذا تجد جزءًا من تميز الشيخ محمد متولى الشعراوى هو مزجه بين الفصحى والعامية.

■ كل الفنون التى قُدمت، سواء سينما أو مسرح، وحتى شعر متمثل فى أصوات بيرم التونسى وفؤاد حداد ومن بعدهما صلاح جاهين، كان اعتمادها الرئيسى على العامية، فهل ما زالت نظرة النقاد للعامية المصرية  هي ذاتها بدون تغيير أم تحتاج إلى إعادة نظر؟

- كل هذا سيوصلنا إلى إشكالية عودة الشفاهية من خلال «الميديا الحديثة»، وهى إشكالية كبرى تواجه قصيدة النثر الفصحى، فنحن نعيش فترة عودة الشفاهية مرة أخرى، ونستمع إلى محطات الأخبار العربية والإقليمية، والتى تجمع عبر برامجها عددًا من الجنسيات المختلفة يتحدثون بلغة وسيطة ، هذا يشير إلى أننا أمام فصحى جديدة، سمحت بالقدرة على التواصل وفهم العاميات العربية المجهولة، ما يجعلنا فى النهاية أمام تنوع لغوى كبير.

صلاح عبدالصبور

■ لماذا اخترت الشاعر صلاح عبدالصبور لدراسته؟ 

- يرجع هذا أولًا إلى محبتى لشعر صلاح عبدالصبور، فجيل السبعينيات الذى أعتبر نفسى واحدًا منه، ظهر فيه تنظير جديد للشعر العربى المكتوب بالفصحى، سواء كان موزونًا أو نثريًا، وهذا التنظير تبناه أدونيس، ولأسباب معقدة جدًا تبنى جيل السبعينيات هذا التوجه.

وبالنسبة لى كان هذا الاتجاه خطرًا ينذر الشعر بأيديولوجية مسبقة قبل كتابته، على عكس قصيدة صلاح عبدالصبور وبدر شاكر السياب وأحمد عبدالمعطى حجازى ومحمود درويش، ولهذا اخترت صلاح عبدالصبور، لأنه لم يقع فى مأزق هذه الأيديولوجية الشعرية السابقة على كتابة شعره.

صلاح عبدالصبور بالنسبة لى نموذج الشاعر النبيل. أما أدونيس فكنت أرى فيه «الشاعر البيانى»، فرؤية العالم عنده حداثية، وتخضع لسلطة البيان العربى التقليدى، لذا بدأ فى ربع القرن الأخير الانتباه إلى هذه الظاهرة، ومن ثم دمج الشعريات الجديدة فى قصيدته.. وبصفة عامة، أرى أن تأثير أدونيس فى الشعر المصرى خلال فترة السبعينيات كان مدمرًا.

أدونيس 

■ لماذا كان تأثير أدونيس مدمرًا على الشعر المصرى؟

- أطروحاته خلقت جيلًا من الشعراء لم يصنعوا مفاهيمهم الخاصة عن الشعر، ولأن الأيديولوجية المسبقة نفت ذات الشاعر واللغة الحية، وهذا ما جعل قصيدة النثر فى التسعينيات مختلفة تمامًا، قصيدة محمد صالح، وعماد أبوصالح وإيمان مرسال وهدى حسين، وغيرهم، أما من تأثروا بتنظيرات أدونيس فقد نفوا ذواتهم من الشعر، ولهذا ستجد مشروعاتهم «مبتسرة».

■ ماذا تغير فى الشعر العربى؟

- أصبح الشعر فى البلاد العربية أكثر إخلاصًا للقصيدة، ذلك بوصفه احتياجًا وجوديًا، فالشعر لا يقبل التسليع سواء كان سياسيًا أو دينيًا، لدرجة أن «سارتر» أعفى الشعر من الالتزام، فهو يصهر تناقضات العالم كله فى لغة ومستوى لغوى واحد.

لهذا لم تعد المهام التقليدية للشعر حاضرة، فهو احتياج له طرفان، شاعر ومُتلقٍ، وأن يكون المتلقى شبيه الشاعر يفهم همومه وتوتره الجمالى، لذلك بدأ الشعر ينحصر نتيجة طفرات التكنولوجيا.

محمود درويش

■ هل غابت فكرة «الشاعر النجم» بتغييب أو تهميش القضايا الكبرى فى عصرنا الراهن؟

- جزء كبير من أهمية الشعر بدءًا من فترة الخمسينيات وصولًا للسبعينيات، تمثل فى أنه كان صوتًا سياسيًا، وأكبر الشعراء دعوا لكتابة الشعر من أجل الشعر نفسه، مثل أدونيس الذى كان منبعه فى ذلك الطرح أيديولوجيًا، وهذا نجده فى ديوانه «مهيار الدمشقى»، وسنجده كذلك عند بدر شاكر السياب وصلاح عبدالصبور ومحمود درويش، رغم اختلاف الجميع فى نظرتهم للشعر.

وبالرغم من موهبة وشعرية محمود درويش، لكن لو لم تكن القضية الفلسطينية مطروحة، ولو لم يكن «درويش» «مسنودًا» بمنظمة التحرير الفلسطينية، ومنظمات التحرير فى العالم، لم يكن فى هذا الشهرة، ولو قارنت بين الموهبة الشعرية لمحمود درويش ومحمد الماغوط لن تجد فروقًا كبيرة.

والأسباب واضحة لحالة الغياب، أهمها أنه لا أحد يحتاج إلى الشعراء، فمثلًا عماد أبوصالح هل يمثل الأمة العربية والإسلامية أو حتى الدولة المصرية؟.. آخر الشعراء الكبار الذين لعبوا هذا الدور هو محمود درويش، غير أن العامية لها وضع خاص، ومع ذلك لن تجد صلاح جاهين أو عبدالرحمن الأبنودى فى هذا الدور، فالشعر الذى يكتب الآن لا يمكن تسليعه، ولا يمكن وضعه فى بندقية أحد لينطلق فى وجه أحد.

امل دنقل فى أيام المرض

■ هل يرجع هذا إلى أن الأصوات الكبرى فى الفصحى والعامية لم تمنح الفرصة للأصوات الجديدة لتأخذ طريقها إلى الصدارة؟

- لا، لكن يمكن القول إنه بعد هزيمة ٦٧ دخلنا إلى بداية جديدة، وابتعدنا عما نتصوره أنه أهداف لأمة واحدة، ولا يمكن أن تقول إن هناك جماعة متفقة على قضية بعينها، فتختلف وجهات النظر لعدد من الأسباب، مثلًا فى أحداث غزة الحالية، قد ترى أنك لا تستطيع التعبير عن رأيك فى ما يحدث، وترى أيضًا أن الشعر لا يمكن أن يساعد على التعليق على ما يحدث.

أما الشاعر النجم الذى تتبناه دولة أو مؤسسة مثل أدونيس، ومحمود درويش، وصلاح عبدالصبور، حتى لو كانت مؤسسة معارضة للسلطة، مثل محمد الماغوط، وأمل دنقل، ستجده يستطيع التعبير. مثلًا أمل دنقل نموذج أوضح فى قدرته على جعل المعارضة سلطة، رغم أنه غير مرحب به من قبل المؤسسة.

■ لماذا غابت الجماعات الشعرية كصوت ووسيط بين المثقف والسلطة؟

- ظهرت الجماعات الإبداعية فى مصر بسبب الجناج اليمينى فى ثورة يوليو برئاسة الرئيس الراحل محمد أنور السادات الذى ضرب الجناح الناصرى، الذى كان يمثل جناح تحديث سلطويًا، وبالضرورة كان يحتاج إلى العلمنة.

لكن مع صعود الجناح اليمينى شنت الحرب على العلمنة، وبطبيعة الحال هؤلاء الشعراء هم علمانيون، فمنعوا من العمل وقوبلت أعمالهم الإبداعية بالرفض وعدم النشر ثم تم تقويضهم، لذا تم إخراجهم، وبدأ الأمر بجماعة «جاليرى ٦٨»، ثم بدأت الجماعات الإبداعية الأخرى فى تقديم شكل من أشكال المقاومة. 

محمد الماغوط

■ لماذا انغلقت تجارب بعض الستينيين؟

- جاء الستينيون قبل المنحدر، وكانت كتاباتهم فى أفقها بمثابة مراث لهذا الزمن الذى ينحدر وانغلقت واكتملت تجربتهم برحيل معظمهم، وكانت هناك محاولات لتخليص الفن مما ليس فنًا، وستجد ذلك عند إبراهيم أصلان وعبدالحكيم قاسم، ومحاولة للكتابة المرتبطة بالواقع وتعبر عنه بصدق، وتقول ما تزيفه أدوات الأيديولوجيا، وجزء كبير من موهبتهم ضاع نتيجة مواجهة الأوضاع الخانقة.

أما السبعينيون فواجهوا المصير الأسوأ، فهو جيل منشق على جمال عبدالناصر الذى جاء بمثابة الأب المهيب، ومن ثم جاء «السادات» الذى لا يتماشى مع أفكارهم، ثم تلى ذلك التدهور الرهيب الذى عشناه.

وهناك تعطيل حدث نتيجة انحصار الشرق عن الجديد فى النقد والفكر، والذى يربطنا بالجديد هم المغاربة الآن، بدءًا من «برادة، وكيليطو، والجابرى»، وذلك لأن المغرب له وضعية خاصة ولديه ميزة وعيب، وهو «بلد طرفى»، فهو آخر الغرب الإسلامى، والذى جعله قريبًا من أوروبا ومتأثرًا به، إلى جانب أنه ليس لديه مركزية الدولة العربية الاسلامية. 

فى السنوات الأخيرة شهد المغرب نهضة فكرية وثقافية كبيرة نتيجة الاهتمام بالتعليم والتطور الاجتماعى المتدرج غير العنيف، خاصة أن الملكية حريصة على استمرار شرعيتها التقليدية لذا صنعت ما جعله على تواصل مع الشعب، إلى جانب كونه يمتلك صفات الدولة الأمة. 

الصفحة الثالثة والعشرين من العدد العشرين لحرف

■ كيف تنطبق شروط الدولة الأمة على المغرب؟

- أكثر دولتين ينطبق عليهما شروط ومعايير الدولة الأمة هما مصر والمغرب، ذلك أن المغرب بلد قديم منذ دخل العرب المغرب العربى، وخاض تجربة السلام والحرب، وإلى جانب ملكيته التقليدية، الملك فيه هو بطل الاستقلال ويقود النضال. إلى جانب أن أسماء كثيرة من المغرب العربى لها وضعيتها فى الفكر العربى، بدءًا من ابن رشد وصولًا لابن خلدون.

ونتيجة التعليم المتميز فى المغرب وتونس والحرص على استخدام العربية الفصحى إلى جانب الفرنسية، واهتمام الدولة بمعنى وقيمة المثقف، صنع هذا نهضة ثقافية وفكرية ذات طابع خاص، صحيح أنها جاءت متأخرة بعد المشرق العربى، ولعب الأساتذة المصريون من ضمنهم الفيلسوف المصرى فؤاد كامل، ونجيب بلدى، ومحمد نجيب البهبيتى، دورًا بارزًا فى تلك النهضة. 

■ البعض من المثقفين المغاربة طالب بقطيعة مع المشرق.. كيف ترى ذلك؟ 

- هناك معارك ساذجة حول فكرة الأسبقية فى مجال الإبداع، والبحث عن الأسبقية والأحقية فى تتويج من يكون أمير الشعراء أو من صاحب أول رواية، وكل هذه الأشياء ساذجة.

هذه التنافسات تدل على الفشل وتصنعها الأنظمة، فمن الناحية الأدبية لا يمكن أن تتحدث عن أصحاب بداية هذا النوع أو ذاك، لا يوجد شخص عبقرى يدشن شيئًا بعيدًا عن القوانين.

إيهاب حسن 

■ من النادر الآن أن تجد ناقدًا محترفًا.. لماذا؟

- الهزيمة الكبرى التى نحياها هى السبب الذى جعلنا غير قادرين على إنتاج نقاد أو مفكرين، وعلى عكس ما حدث هنا فى الربع قرن الأخير، سنجد أن دول المغرب العربى أنتجت ما يمكن أن نصفهم بالنقاد والمفكرين، ذلك لأن السلطة ابتعدت عن مفهوم القبضة الحديدية التى أنتجها النظام الناصرى فى مصر. 

والناقد والمفكر المصرى إيهاب حسن ذهب إلى تأكيد أن مجتمعاتنا تعادى المعرفة العلمية، تحت دعوى أنها ستهدم المقدس. ويهمنى تأكيد أن الناقد يحتاج إلى معرفة بالنظرية النقدية، وقدرة على الاشتباك مع الواقع اليومى، وقد يكون أحد الأسباب التى منعتنى من كتابة النقد التطبيقى على مدار أكثر من ١٥ عامًا فائتة، وهو صك الألقاب دون أدنى مناسبة، وأرى أن الحفاظ على السلام الروحى أفضل بكثير من الاشتباك مع واقع ثقافى مأزوم. 

نجيب محفوظ

أنا أعمل الآن على ٣ كتب لنجيب محفوظ، وأعتقد أن هذا العمل أجدى، هناك كتاب من جزأين عن «أولاد حارتنا» والتى أرى أنها ظلمت ظلمًا بشعًا نتيجة للخوف السياسى والدينى منها وكأنها رواية ملعونة، والجزء الثانى عن «الحرافيش»، والكتاب تحت عنوان «مملكة الله».

■ كيف ترى مستقبل الشعر؟

- يشير الواقع الذى نعيشه الآن إلى نهايات الأشياء، فالحياة العربية تعيش أزمة، هناك جيل من الشعراء منشق عنها، مثل وديع سعادة وسركون بولص وجزء من دوائر الستينيات الذين اكتملت وانغلقت تجاربهم.