الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

بعد صدور ديوانه "مَرسى النُّور"..

الفيلسوف والشاعر أديب صعب: الاستعارات الدينية في قصائدي ليس لها أهداف عقائدية

أديب صعب
أديب صعب

صدر للدكتور أديب صعب أخيراً ديوان شعري جديد بعنوان "مَرسى النُّور"، عن دار النهار للنشر في بيروت، يحوي ثلاث قصائد طويلة. تأتي هذه المجموعة بعد أعمال الشاعر السابقة، ومنها: "أجراس اليوم الثالث"، "مملكتي ليست من هذا العالَم"، "حيث ينبع الكلام". كَتَبَ عن أعمال الشاعر نقاد وشعراء عرب رئيسيون، منهم: أدونيس، خليل حاوي، بلند الحيدري، أحمد مطر، جرير أبو حيدر، علي جعفر العلاق، المنصف الوهايبي، زهيدة درويش جبور، أمين ألبرت الريحاني، محمّد الغزّي. فأشاروا إلى مكانته في حركة الحداثة الشعرية، وفرادة صوته الشعري، والأبعاد الفلسفية والمنحى الصوفي الروحي في هذا الشعر، وعن تقنية الكتابة الشعرية لديه. هنا حوار مع الشاعر الفيلسوف د. أديب صعب حول ديوانه الأخير ومسائل شعرية مختلفة.

  • بادئ الأمر، هل لك أن تحدثنا كيف وُلِدَت القصائد الثلاث التي تكوّن مجموعتك الشعرية الجديدة؟

- كنتُ، خلال ربيع 2023، قد أعددتُ أعمالي الشعرية الكاملة للنشر. وهي قصائد منشورة في مجموعاتي: "أجراس اليوم الثالث"، "مملكتي ليست من هذا العالَم"، حيث ينبع الكلام"، مع قطع مختارة من مجموعتي الأُولى "قيثارة الضياء" التي وصفتُها مراراً بأنها "مجموعة من قصائد الطفولة"، من غير أن أُورِد أياً من قصائدها. لكن مع إعادتي قراءة أعمالي الشعرية، وجدتُ في مجموعة "الطفولة"، التي كتبتُ قصائدها وأنا بين الثالثة عشرة والسادسة عشرة، قصائد ومقاطع جديرة بضمّها إلى ديواني الجامع. وكان أُدباء كثيرون كتبوا حول تلك المجموعة، بينهم ميخائيل نعيمة ويوسف الخال وأدونيس، الذي نشر مقالاً في جريدة "النهار" لدى صدور تلك المجموعة، جاء فيه: "شعرٌ يُدهِش. إنه يكشف عن موهبة غنية، والموهبة أساس العمل الشعري. ويكشف عن براعة تقنية في البناء والتعبير، لا تتوافر إلا لموهوب تمرّس طويلاً بكتابة الشعر. يكشف أيضاً عن بُعد روحي وفكري، هو من النضج والشفافية قلّما نراه عند شخص في مثل هذه السن، وإذا رأيناه نستطيع أن نقول عن صاحبه، بتيقُّن، إنه غير عادي. أديب صعب، هذا الطفل الشاعر، ظاهرة فنية نادرة".

أجل، كنت أعمل على إعداد أعمالي الشعرية الكاملة للنشر. لكن حدث أمر لم أقصده ولم أتوقعه على الإطلاق، هو كتابة ثلاث قصائد طويلة في شهر واحد: سبتمبر/أيلول من العام 2023، بينما أنا أُفكر في شكل أعمالي الشعرية الكاملة وإخراجها. وإذ وجدتُ أنه من غير الجائز أن أضمّ إلى هذه الأعمال ثلاث قصائد طويلة غير منشورة سابقاً، ارتأيتُ نشر القصائد الثلاث في مجموعة على حدة. وهذا أدّى إلى إرجاء نشر الديوان الجامع. 

هنا تجدر الاشارة إلى أن قصائد المجموعة الثلاث نبعت من سطور ومقاطع دوّنتُها في بحر العام 2023، من غير أن يتبادر إلى ذهني أنها مداميك في ثلاث عمارات شعرية. وهي خواطر وُلِدَت من انفجار مرفأ بيروت صيف 2020، وزلزال تركيا/سورية (فبراير/شباط 2023) الذي أحدث ارتدادات أرضية مخيفة في لبنان، وذكريات من طفولتي الأُولى وكيف نَطَقَ الشاعر فيّ. 

هكذا وُلدَت قصائد "مرسى النور" الثلاث: "الصوت"، "السنة الرهيبة"، "صار كليمي الشعر". القصيدة الأُولى تدور على الزمان، والأخيرة على المكان، والوسطى على الأحداث الحاصلة في حاضنتها المكانية والزمانية. وهي، طبعاً، ستُضاف إلى أعمالي الشعرية الكاملة. 

  • كثيرون من الفلاسفة، ولعلهم جميعاً، عالجوا مفاهيم الزمان والمكان والأحداث. وأنت فيلسوف وشاعر في آنٍ معاً. فما الذي يميز شعرك عن فلسفتك، أو الفلسفة عن الشعر عموماً؟

- منذ ما بدأ الانسان يتأمل في قضايا الوجود: الأصل والمصير والحب والبغض والحرب والموت وغير ذلك، أخذ يطرح الأسئلة ويحاول الإجابة، وما يلبث أن يتولد من أجوبته مزيدٌ من الأسئلة. ظمأُ الانسان حيال مسائل الوجود لا يرتوي. إلا أن هذه القضايا الوجودية لا تقتصر على الفلسفة، بل تجد طريقها إلى الدين والعلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية والفنون، بما فيها الشعر. ومن كبار الفلاسفة الذين ميّزوا بين النشاطات الانسانية المختلفة في تصديها لهذه المسائل أرسططاليس في كتابه "ما وراء الطبيعة" (ومن أسمائه "الفلسفة الأُولى" و"الميتافيزيق")، وفي كتاباته عن الشعر والفنون. 

ما يعنينا هنا الفرق بين المقاربة الفلسفية والمقاربة الشعرية لهذه القضايا الوجودية الكبرى. الفلسفة تتناول كل المسائل، ومنها الزمان والمكان، عن طريق تحليل المفاهيم تحليلاً ذهنياً، منطقياً، تجريدياً. أما الشعر فيتناول، أو يجب أن يتناول، هذه المسائل متوسلاً طريقه بالشعور والخيال والصورة والرمز. هناك فلاسفة كتبوا بطريقة شعرية، منهم فردريك نيتشه. لكن لا التجريد طريق الشعر ولا التجسيد طريق الفلسفة. طالما عمد فيلسوف إلى ضرب أمثلة حسية لإيضاح كلامه التجريدي، كما فعل ديفيد هيوم عندما عزز إنكاره وحدة الذات البشرية باستعارته عبارة هرقليطس: "لا ننزل مرتين إلى النهر نفسه". ويجد القارئ، الذي أرهقه تحليل المفاهيم تحليلاً تجريدياً، نفسه مأخوذاً بالعبارة الشعرية، فينزع إلى تصديق ما يحاول هيوم، وغيره من الفلاسفة، تمريره عبر الصورة الحسية. لكن الفيلسوف يُدخلنا هنا في وضع دقيق جداً، كما يفعل الشاعر الذي يلجأ إلى لغة التقرير والتجريد. لا أقول بنفي التجريد كلياً عن الشعر أو التجسيد كلياً عن الفلسفة. لكن على الفيلسوف أن يقنعنا بتجسيده والشاعر بتجريده في المواضع النادرة التي يغزو فيها أحدهما نطاق الآخر. 

صحيحٌ أن شعري مجاور، بمعنى، للفلسفة، من حيث كلامه على قضايا الوجود الكبرى، كالحياة والموت والحرب والسلام والحب والزمن. لكن هذا الشعر مصنوع من خيال وصورة وشعور وموسيقى. أما الفلسفة، كما قلت، فتتوسل تحليل المفاهيم. الشعر يُصنَع بدمعة وابتسامة. لكن الفلسفة لا تُصنَع بدموع. إلا أن النظرة إلى العالم والانسان التي نستمدها من الأدب والشعر - كما في التراجيديا الاغريقية القديمة مع سوفوكليس وسواه وفي روايات دوستويفسكي وتولستوي ومسرحيات شكسبير وغوته وشعر تي إس إليوت وكل الأدب الرؤيوي – لا تقل عن النظرة التي نستمدها من الفلسفة، بل قد تجيب عن أسئلتنا الكبرى حول الوجود والمصير والمعنى وتفتح أمامنا آفاقاً قد تكون أقرب منالاً وأشد أثراً مما تفتحه الفلسفة بمفاهيمها وتحليلاتها التجريدية. 

  •  كيف كان تنقلك بين الفلسفة والشعر: من الشاعر إلى الفيلسوف أم من الفيلسوف إلى الشاعر؟

- أنجزتُ درجتي الجامعية الأُولى (الإجازة) في الدراسات الانسانية بما فيها الفلسفة، لكن بالتركيز على الأدب والشعر. وإذ قررتُ الانتقال في مرحلتَي الماستر والدكتوراه إلى الفلسفة، اتخذتُ قراري استجابةً لنداء الشاعر فيّ. أجل، انتقلتُ من دراسة الآداب إلى دراسة الفلسفة لكي أكون شاعراً أفضل، بمعنى أن أغوص في شعري على تلك الأبعاد والأعماق التي تفتحها الفلسفة. في دراستي الجامعية، إذاً، كانت النقلة من الشاعر إلى الفيلسوف، لكن استجابةً لنداء الشاعر. وحصل أن حملتني الفلسفة، بدورها، إلى أبعاد وأعماق شديدة الإغراء. هكذا، في زمن غير طويل، وُلد الفيلسوف إلى جانب الشاعر. وأخذَتني الفلسفة مهنياً، فأصبحتُ أُستاذاً جامعياً للفلسفة. ومن المواد الفلسفية التي علّمتُها: مدخل إلى الفلسفة، الفلسفة القديمة والوسيطة والحديثة، الفلسفة الإسلامية، فلسفة اللغة العربية، فلسفة الدين. هذا الموضوع الأخير يقع فيه حقل اختصاصي الصارم. وعندما أدخلتُه إلى جامعتي في لبنان، واسمها حالياً "جامعة البلمند" (نسبةً إلى موقعها في الشمال اللبناني على مقربة من مدينة طرابلس عاصمة الشمال) خريف 1972، كانت فلسفة الدين تدرَّس للمرة الأُولى باللغة العربية. لستُ أنا صاحب هذا الكلام، بل قرأتُه في كتابة بعض الزملاء. ثم جاء كتابي "الدين والمجتمع" عام 1983 ليكون الكتاب العربي الأول في فلسفة الدين، ويكون فاتحة خمسة كتب متكاملة ألّفتُها في هذا الموضوع. أما الكتاب الرئيسي بينها فهو "المقدّمة في فلسفة الدين"، الذي تكرمتم بجعله موضوعاً لحوار بيننا عند صدور طبعته الثالثة قبل سنتين، ثم وجد طريقه إلى كتابٍ لكِ. وتجدر الاشارة إلى أن فلسفة الدين حقل فلسفي واسع جداً، لعله أكثر حقول الفلسفة سعةً، إذ يشمل الميتافيزيق (النظرة إلى العالم) والمنطق والمعرفة والأخلاق والسياسة والفن. وقد نشرتُ أبحاثاً فلسفية وشاركتُ في مؤتمرات فكرية في العالم العربي وخارجه.

باختصار، أخذتني الفلسفة شغفاً والتزاماً وعملاً. غير أن الشاعر لم يتوقف لحظة عن الخفقان في قلبي. وكتبتُ قصائد كثيرة، بينها اثنتا عشرة قصيدة طويلة، وهذا غير قليل، تدور أربع منها على الحرب في لبنان، وعدداً كبيراً من القصائد القصيرة. ومما علّمتني إياه الفلسفة – وهي، بالنسبة إليّ وحسب تعبيري، معنية بـ "تحديد النطاق والمنطق" لكل نشاط إنساني، بما فيه الفلسفة بالذات – التمييز بين الفلسفة والشعر، أي إقامة الحدود الضرورية بين الاثنين. 

لكن مما أكسبه الشاعر الذي فيّ للفيلسوف كتابة الفلسفة بلغة سلسة، تجتمع فيها البلاغة بالبساطة. وهذا ما لاحظه كل الذين تناولوا أعمالي الفلسفية بالدراسة، فأشار العلّامة السيد محمّد حسن الأمين إلى تلك "الحيوية والرشاقة في التعبير" التي "تقلل من جفاف الفلسفة وصرامة التجريد". وامتدح المطران جورج خضر "الأُسلوب الجزل الصافي حتى البلّورية". وأشاد الدكتور جورج قرم بالأُسلوب الأدبي السلس والسهل، الذي يسمح للقارئ العادي أن يفهم مغزى أفكار الكاتب وأبعادها"، متمنياً أن تكون "الكتابات العربية في العلوم الانسانية بهذا المستوى من العمق والدقة وسهولة القراءة". ومما أكسبه الفيلسوف فيّ للشاعر الرصانة والإحاطة والعمق، والتصدّي لقضايا الوجود الكبرى كالنظرة إلى العالم والحياة والموت والحرب والسلام والحب ومعنى كل شيء. 

  • تتألف مجموعتك الشعرية الجديدة "مرسى النور" من ثلاث قصائد طويلة. هل لك أن تتكلم باختصار عن كل قصيدة؟ 

- القصيدة الأُولى، "الصوت"، تدور على الزمان. بطل "الرواية" هنا في غرفته المغلقة الأبواب، يسمع صوت زائر من غير أن يراه. إنها صورة غريبة ومخيفة حقاً، تبدأ بها القصيدة. ويدور حوار بين المضيف والضيف الذي جاء عنوةً: كل يتّهم الآخر بأنّ الوجه الذي يبدو فيه ليس وجهه الحقيقي، لكنه قناع. ويسأل المضيف ضيفه أن يعيد إليه الماضي والماضين، فيجيبه أن العودة بالمعنى المادّي محال، وأنه يمكن استعادة الماضي بالمعنى. فالمعنى الذي يعطيه كل شخص لماضيه هو الذي يُحيي أو يُميت. وفي نهاية القصيدة يختفي الضيف "القسري" كما جاء: "وكما أتى من دونِ إذنٍ ضاعَ عنّي واختفى/وانحلَّ في سُحُبِ الدخانْ/وغفوتُ وهْوَ يَطِنُّ في أُذُني يَصيحُ: أنا الزمانُ، أنا الزمانْ".

القصيدة الثانية، "السنة الرهيبة"، تدور على أحداث كبيرة حصلت تلك السنة (2020) في حاضنة الزمان والمكان، بالتركيز على الانفجار المشؤوم في مرفأ بيروت وما خلّفه من موت ودمار، وسط جائحة الكورونا وانهيار لبنان المالي. هنا تغدو بيروت الشهيدة، بما تمثله من حضارة مشرقية وعربية، ضحيةَ الأشرار الذين يجهلون كنهها وقد صنعه اللبنانيون بمختلف مكوّناتهم. إنها بيروت الحرف والفكر، حيث "يمتزج التجويد بالترتيل"، وحيث المبدعون يَرفعون "بناءً، أرضُه كرامةُ الإنسانْ/حجارُهُ حرّيةُ الإنسانْ". وبعدما كانت "مواكبُ الأحباب والوالِدينْ/تنتظر العائدين" عند ثغر المدينة، أي المرفأ، بتنا نرى "مراكبَ القراصِنَهْ/مواكِبَ الطغاةِ والناهبينْ". ويأتي مقطع يتكرر ثلاث مرات مثل كورس، وفيه: "كان الرجيمُ يَجولُ، يَجمعُ أهلَها/قشّاً، يكوّمُهم لمَوقِدِهِ حَطَبْ/تَبَّت يداهُ أبو لَهَبْ". وإذ يزعم "الرجيم" أنّ الكارثة "فعلٌ إلهيّ"، يجيبه الشاعر أنه بالأحرى "حقدٌ تَوَلَّدَ في طواياكَ الكريهَهْ"، وأن الأُلوهة خير، لا شرّ. هنا يأتي مقطع يركّز على الخطاب الإلهيّ، وينتهي برسم صورتين: واحدة أيقونة الخير والثانية أيقونة الشر، باعتماد المعنى القاموسي للأيقونة، وهو "الشبَه". أما أيقونة الخير فهي علامات الخَلْق في الكون من أرض ومياه وفضاء وفصول، و"أدعية الأُمهات" وهنّ يودّعنَ ويستقبلنَ أبناءهنّ المهاجرين والعائدين، و"نَوح الثكالى ودمع اليتامى/فوق وجه المساء الحزينْ". وأما أيقونة الشر فهي فعل الجبناء الغادرين الذين "جعلوا البيتَ جثةَ بيتٍ/هَدَموهُ/وطنٍ مَسَخوهُ/من بهاءِ الكِيانِ إلى ظلمةِ اللاكِيانْ". لكن بالرغم من هذا الجو المظلم كله، تنتهي القصيدة بمقطع ينتظر نهوض بيروت، التي هي "قُبْلةُ الوَداعِ واللقاءِ، قِبْلةُ الحنينْ"، من الركام: "لا بُدَّ أن يَنهضَ فيها الخِضرْ/ويَصرَعَ التنّينْ". 

القصيدة الثالثة، "صار كليمي الشعر"، هي بمثابة صفحات من سيرة ذاتية تصف ولادة شاعر: كيف صار هذا الطفل شاعراً. البداية مع الطبيعة، حيث يقف الطفل مندهشاً ومستسلماً للأصوات والألوان والطيوب، وطارحاً الأسئلة. ويتنزّل عليه الشعر كما الوحي على الأنبياء: "هناك عند النهْرْ/مردّداً صدى الغصونِ الوالِهَهْ/ صرتُ كليمَ الآلِهَهْ/صار كليمي الشِّعرْ". ويفترض موقفاً سجالياً ناشئاً من استعماله عبارة "الآلهة"، فيقول: "كنتُ أعشق هذا الفضاءَ ولكنني لم أكن وثنيّاً/بل رأيتُ إلهي/واحداً يتشكّلُ أو يتجلَّى/في عديدٍ من الخَلْقِ لامُتَناهِ". ويقارن بين تلقيه الشعر وتلقّي النبي موسى (كليم الله) الوحي: "ورأَيتُ عوالِمَ، كيف لمن لم يرَ الكونَ علّيقةً تَلمَعُ النارُ وهجاً ونوراً/بين أوراقِها أن يَراها". وكما تجلّى الزمان في القصيدة الأولى "معنى"، هكذا يتجلى المكان في هذه القصيدة: "ثم يَصعدُ صوتٌ/نحوَهُ ويناديهِ أنّ المكانْ/أنّ كلَّ مكانْ/غيرُ ما تُبصِرُ العينُ، أنّ المكانَ كِيانْ/يتقدّسُ في القلبِ أو يتدنّسُ في القلبِ، ليس المكانْ/حجراً وتراباً كفيفاً وفضاءً أصَمَّ ولكنه قَبَسٌ من إلهٍ... ويناديه أنّ المكانْ/ليس سجنا/ولكنه نَبْضُ حرّيةٍ وعُبورٍ ومَعنى". 

  • دعني أسألك عن العبارات الافتتاحية التي مهّدتَ بها لكل قصيدة. أتظن أنها ضرورية بمعنى أنها تضيف إلى إيصال القصيدة للمتلقّي؟

- ليست هذه العبارات التمهيدية شيئاً مستجداً على الكتابة، إذ هي سائدة في التأليف الأدبي والفكري منذ أقدم الأزمنة. وهدفها الإعلان عن جوّ النص، وأحياناً الإضاءة على مقطع معين. من استشهادات قصيدة "الصوت"، مثلاً، عبارة من غوتاما (البوذا): "المشكلةُ ظنُّكَ أنّ لديكَ الوقت". الكلام هنا عن فرار الوقت من الانسان. وفي القصيدة كلام عن "افتداء الوقت" بالمعنى، مصداقاً لقول بولس الرسول، كما في الاستشهاد الثاني: "اُسلُكوا لا كجهلاء بل كحكماء، مفتدين الوقت لأنّ الأيام شرّيرة". أما التمهيد لقصيدة "السنة الرهيبة" فلا بد منه لإعلان ارتباطها بانفجار المرفأ وجائحة الكورونا والانهيار المالي في لبنان. ثم يأتي مقطع من شاعر بيزنطي في رثاء بيروت بعد زلزال مدمّر أصابها عام 551 للميلاد. وفي القصيدة مقطع في رثاء بيروت. هذا يشير إلى "موت" المدينة في الماضي ونهوضها من الركام كما طائر الفينيق. وبما أن عبارة "تَبَّت يداهُ أبو لَهَبْ" تتكرر ثلاث مرات في القصيدة، كان حسناً، بل ضرورياً، الاشارة إلى سورة المَسَد القرآنية حيث وردت العبارة: "تَبَّت يدا أبي لهب". 

بالنسبة إلى القصيدة الثالثة، "صار كليمي الشعر"، ليس بديهياً أن كل قارئ، أو الكثير من القراء أو معظمهم، على دراية بقصة موسى، في سفر الخروج، حول تلقّيه الوحي الإلهي، وتسميته، في التوراة كما في القرآن، بـ "الكليم" أو "كليم الله". كما نجد في التمهيد الآية القرآنية (سورة البقرة، 31): "وعَلَّمَ آدمَ الأسماءَ كلّها". وهي تُلقي ضوءاً على مقطع في القصيدة أُصوّر فيه الانسان شريكاً لله في عملية الخَلق: فالله يعلّمه الأسماء، وهو بدوره يصنع من هذه الأسماء أفعالاً بفضل عمله كخليفة الله في الأرض. إيراد الآية القرآنية، كما أرى، ضروري جداً لإيضاح نظرتي إلى الانسان كشريك لله بكونه صانعاً من المادة التي أعطاه إياها الله الخالق.

  •  القصيدة الثانية، "السنة الرهيبة"، جاء عنوانها باللاتينية (Annus Horriblilis 2020). كيف تفسّر هذا؟

- كان ممكناً أن يأتي عنوان القصيدة بالعربية: "السنة الرهيبة 2020". لكني فضّلتُ العنوان اللاتيني لأنه مستعمَل في اللغات الحديثة، خصوصاً للتمييز بين السنة الرهيبة أو التعيسة (Annus Horribilis) والسنة الرائعة أو السعيدة (Annus Mirabilis). وأود الاشارة هنا إلى أن اللغات الكلاسيكية، وأهمها اليونانية واللاتينية، ليست ملك الغرب وحده، بل هي ملكنا أيضاً. وهي كانت لغة مصر والشام في مراحل طويلة من تاريخنا. وقد أضاف إليها فلاسفتنا وشعراؤنا وأُدباؤنا في الاسكندرية وأنطاكية وسواهما من الحواضر.

  • ما كادت مجموعتك الجديدة تصدر حتى نُشرَت عنها في صحيفة "النهار" البيروتية العريقة مراجعة للناقد مايكل موسى، الذي تناول في أطروحته للدكتوراه الإشارات الدينية في شعرك. وقد ربط مجموعتك "مرسى النور" (2024) بمجموعتك الأولى "أجراس اليوم الثالث" (1969). هل توضح لنا وجوه الشبه بين المجموعتين؟ 

- أجل، طلب الدكتور موسى المجموعة في شكلها المخطوط ليكتب عنها المراجعة الأُولى. وسأقصر جوابي على وجوه الشبه بين مجموعتي الحالية ومجموعتي الأُولى "أجراس اليوم الثالث". لجهة عدد القصائد وشكلها، تحوي كل مجموعة ثلاث قصائد طويلة. قصائد المجموعة الأُولى، التي نشرتُها وأنا طالب ماستر فلسفة في الجامعة الأمريكية في بيروت، كتبتُها وأنا في مطلع العشرينات من عمري. القصيدة الأُولى (زمنياً)، تحمل عنوان المجموعة: "أجراس اليوم الثالث". وهي تدور على الصراع بين الذات الفردية والجماعة، وعلى الأُمة المصلوبة التي ينتظر الشاعر قيامتها. القصيدة الثانية، "بربارة" (وهي الأُولى في الكتاب)، تستعير القصة الشعبية لقديسة (وليّة) من بلادنا اسمها بربارة، اضطرت إلى التنكر بالأقنعة لأن والدها رفض انحرافها عن الولاء الجماعي. أما القصيدة الثالثة، "معجزةٌ بٱسم الأطفال"، فكُتبَت في أعقاب حرب الخامس من يونيو/حزيران 1967؛ وفيها مقارنة بين موت ذي معنى وموت عبثي بلا معنى، وينتظر فيها الشعب البائس أعياداً لا تجيء. من وجوه الشبه بين المجموعتين الانطلاق من قضايا وجودية كبيرة تحمل الشاعر على رسم صورة للحياة والكون والانسان، واعتماد تقنية القصيدة الطويلة تعبيراً عن هذه القضايا. وفي المجموعتين رفض للأقنعة الزائفة وسعي إلى الوجه الأصيل. 

  • بماذا تتميز "تقنية القصيدة الطويلة" التي أشرتَ إليها؟    

- ميّزتُ بين "القصيدة الوجودية" و"القصيدة الوجدانية". وقد كتبتُ كِلا النوعين. القصيدة التي سميتُها وجودية تتناول قضايا الوجود الكبرى، مثل: الأصل، المصير، الحياة، الموت، الحب، الحرب، السلام، الزمان، المكان، المعنى. وتتداخل في هذه القصيدة عناصر روائية ومسرحية وملحمية وتأملية، إلى العناصر الغنائية أو الوجدانية التي تَمنَح الشعر سِمَتَه المميزة. هذا نجده في المسرح الإغريقي القديم مع كتّاب عِظام، مثل سوفوكليس ويوريبيدس وإسخيلوس، ما نزال نقرأُهم كما لو كانوا معاصرين، لأن المسائل التي عالجوها في أدبهم كانت وما تزال هموم الانسان الأزلية. كما نجد هذا النوع من الشعر في مسرحيات وليم شكسبير وغوته. ولعل شاعر القرن العشرين الأكبر، تي إس إليوت، أهم مَن أعطى هذا النوع من الشعر شخصيته في قصائد مثل "الأرض الخراب"، التي انطلقت من الحرب العالمية الأُولى وأدانت الوحشية التي يمكن أن ينحدر إليها الانسان.   

وبالرغم من أن هذا النوع من الشعر يتصدى لقضايا الانسان الكبرى، إلا أنه انحلّ مع بعض الشعراء إلى معالجة مفاهيم بطريقة ذهنية مجردة. من هنا قلت إن العنصر الوجداني أو الغنائي ضروري جداً، وعليه تُرسى شعرية الكلام. في الصورة والعاطفة والتجسيد يكمن لبّ الشعر. وقد سَمَّيتُ القصيدة الطويلة "وجودية" لأنها تعالج قضايا الوجود. ولعل هذه المعالجة أقرب ما تكون إلى البُنْية الروائية أو المسرحية، بمعنى أنها بناء مكوَّن من أجزاء. وما يجعل من هذا البناء وحدة عضوية أن ترتبط الأجزاء بعضها ببعض ويؤدي كل جزء دوره في البنية الكلية. 

في هذه القصيدة يُسأل الشاعر عن موقفه، بعكس القصيدة الوجدانية أو الغنائية التي هي وليدة انطباع معين. إلا أن القصيدة القصيرة تستطيع أن تقول الكثير: ربّ قصيدة من عشرين كلمة أو حتى عشر كلمات تفتح للقارئ نافذة على اللامحدود. وقد تسجّل موقفاً وجودياً من الحياة أو الموت أو الحب بكلمات قليلة في صياغة رشيقة. 

شهادات في د. أديب صعب شاعراً
  •  في قصيدة "صار كليمي الشعر" تَربط بين الشعر والنبوّة. ما نوع النبوة التي يعلنها الشاعر للناس؟ 

- حدد أفلاطون في إحدى محاوراته (فيدروس) أنواعاً من "الجنون" الخلّاق، بعد تمييزه بين الجنون كإعاقة والجنون كدافع إلى الإبداع. من الأنواع التي ذكرها جنون النبيّ وجنون الشاعر. وقال إن الشاعر الذي يفتقر إلى هذه الصفة سوف يلبث قارعاً على باب الشعر من غير أن تفتح له ربة الشعر ليدخل. الشعر الذي قصده أفلاطون هو الشعر العظيم؛ والشعر العظيم هو الذي يرفع عالماً أو عوالم للناس يحيون فيها. كل الناس يمارسون العيش، عبر تغذية الجسد بالطعام والشراب، لكن ليس كل الناس يمارسون الحياة. والانسان إنما يحيا بالغذاء الروحي. الفن العظيم، بما فيه الشعر العظيم، يُمِدّ الروح بالغذاء. والشعر، في هذا، صنو النبوّة. الشعر العظيم، كما النبوة، يكسر المألوف ليجاور الإعجاز. 

تبدأ قصيدة "صار كليمي الشعر" بالدعوة إلى الهروب من ضجيج هذا العالم نحو الصمت الذي يولد منه الشعر. والصمت هنا نوع من الصفاء أو النقاء الضروري لتلقّي الوحي. ويشكو الشاعر من أنه يعيش في ديار غربة "غابَ عنها الأنبياءُ/وتَوارى الشعراءُ". ويوضح أنه يرفع من هذا الصمت "سلّماً يَصعدُ، يمضي في الأعالي/نحوَ سرّ الكلماتْ/نحو نبع الكلماتْ". وإذ لن أُطيل، أكتفي بإيراد نهاية القصيدة: "وكنتُ كلَّ مرةٍ أعودْ/ثمّ صعدتُ تلّةَ الإلهْ/علّمَني الأسماءَ قالَ أنتَ صانعٌ/أنتَ شريكي فٱغرسِ البذارَ في مَزارعِ الوجودِ وٱبتَكِرْ من هذه الأسماءِ أفعالاً، وكُنْ مثليَ فلّاحاً، تعهَّدْ كلَّ ما تَزرعُهُ يَداكْ". هناك: "صرتُ كليمَ الآلِهَهْ/صار كليمي الشعرْ". هنا يظهر الشاعر بوجه مزدوج: فهو كليم الله، مثل موسى، والشعر بدوره كليمه. فهو موسى أمام الله، والشعر موسى أمامه. 

  •  لا بد، والحال هذه، من أن يكون في شعرك مقاطع استشرافية.

- هذا صحيح. وأكتفي بمثلين على ذلك. الأول من قصيدة "أجراس اليوم الثالث" (في المجموعة التي تحمل هذا العنوان)، وقد كتبتُها في مطلع العشرينات من عمري، قبل سنين من اندلاع الحرب الأهلية عام 1975. هنا أقول: "وعُدتُ قبلَ الفجرِ بَينَ النارِ، بينَ الدمعْ/على طريقٍ لم أجِد جُسورَهْ/لم أرَ حولي غيرَ راسِ النبعْ/لم أرَ إلا وجهةَ الباشورَهْ". أما الباشورة ورأس النبع فمحلّتان في بيروت، تؤوي الأُولى مدافن للمسلمين والثانية مدافن للمسيحيين. وقد تحققَت صورة الموت هذه على نطاق واسع جداً طوال حرب الخمس عشرة سنة. 

المثَل الثاني من قصيدة "الخبز والملح"، التي كتبتُ مقاطع منها في لبنان عام 1968، وأكملتُها بكتابة معظم مقاطعها في لندن عام 1969. هنا أقول:

   "ورأيتُ أنهارَ الدماءِ تَسيلُ، يَحترقُ الترابْ

   في نارِها، يُضْحي خَرابِ.

   وشممتُ رائحةَ الدماءْ،

   ريحَ المَزابِلِ حينَ بَلَّلَها الشتاءْ.

   ورأَيتُ أطفالاً يَجرّونَ الشقاءْ،

   والصبحُ في أبصارِهِمْ

   جرحٌ تَرَمَّدَ وٱنطِفاءْ،

   يَستَصرِخونَ المَوتَ: أنتَ شِفاؤنا، أنتَ الرجاءْ.

   ورأَيتُ في الأرحامِ تَنتفضُ الأجنّةُ:

   لا نُريدُ الفجرَ مُختنِقَ الضياءْ". 

وهذا صورة للموت العبثي (تشبيه رائحة الدماء برائحة المزابل) الذي حصل في لبنان بعد سبع سنوات أو ستّ سنوات. وإذ أتحفظ على تسمية هذا "تنبؤاً"، إلا أنه نابع من إحساس الشاعر الجادّ أو بصيرته. 

  • نلاحظ في شعرك إحالات دينية غير قليلة. ماذا تخدم معنوياً وفنياً؟

- هذه الاشارات أو الرموز، وهي مستعارة عندي أحياناً غير قليلة من مصادر دينية، مسيحية وإسلامية، تهدف كمدخل أو باب للدخول إلى عالَم القصيدة. وقد أشار الشاعر تي إس إليوت إلى ضرورة فتح باب على عالم الشاعر الخاص يمدّ جسوراً بين الشاعر والمتلقّي ويتجاوز أحياناً مفاهيم الشاعر وتجاربه وصوره الخاصة إلى ما هو عامّ. والعامّ الديني، الذي يصفه إليوت، في كتابه النقدي "الغابة المقدَّسة"، بـ "البديل الموضوعي" (objective correlative)، يشكّل مدخلاً ممتازاً إلى عالَم القصيدة، خصوصاً القصيدة الوجودية الطويلة، أي التي تدور على قضايا الوجود الكبرى. هكذا يمكن أن يستعير الشاعر رمز الصليب إشارةً إلى انهيار الوطن، ورمز الظلام إشارةً إلى الظلم (وهو "ظلماتٌ يومَ القيامة" كما في الحديث النبوي). 

هنا تجدر الاشارة إلى أمرين: الأول أن الاستعارة الدينية أو البديل الموضوعي في شعري لم يأتِ لأيّ هدف ديني أو عقائدي. فأنا أكتب شعراً، لا نظماً لعقيدة كما نجد في كثير من الشعر الديني. هدف استعاراتي أو رموزي الدينية لم يكن ولا مرة هدفاً دينياً، بل كان خادماً للقصيدة، سواء كان موضوعها الحرب أو الحب أو الموت أو الوطن أو الزمن أو غير ذلك. أما الأمر الثاني فهو أن الرموز التي تقوم عليها قصائدي الوجودية أو الرؤيوية الطويلة لا تهدف إلى التورية الأُسلوبية الجمالية، كما في هذا البيت الشعري: "واستمطرَت (وأمطَرَت) لؤلؤاً من نرجسٍ وسقتْ/ورداً وعضَّت على العُنّابِ بالبَرَدْ". هذا البيت، على روعته، يقوم على إبدال محسوس بمحسوس لهدف التشبيه البلاغي: فاللؤلؤ هو الدمع، والنرجس العينان، والورد الخدّان، والعنّاب الشفة، والبرَد الأسنان. الشاعر يعرف هذا جيداً، والقارئ يعرفه. لكن التورية جاءت لهدف جمالي أو بلاغي. الرمز في القصيدة الوجودية-الرؤيوية يهدف لا إلى التورية أو الإخفاء بل إلى الكشف أو الإظهار. من هنا سَمّيتُ في كتاباتي الفلسفية والنقدية هذين النوعين من الرمز "الرمز الساتر" و"الرمز الكاشف". في النوع الأول، كما نجد في البيت المذكور، يخبئ الشاعر ما يعرفه، ويستطيع القارئ أن يعرفه بسهولة، لدواعٍ بلاغية لفظية كما قلت. لكن في النوع الثاني يلجأ الشاعر إلى الاستعارة أو الرمز لكي يكشف للآخرين، وحتى لنفسه، ما هو غامض وبعيد المنال. فنحن لا نعرف الزمن والموت والحب والخلاص وكل ما يُرى بالبصيرة كما نعرف ما يُرى بالبصر. 

  • لقد سمّيتَ شعر القضايا، الذي تلائمه تقنية القصيدة الطويلة، شعراً وجودياً. هل من رابط بين هذا النوع من الشعر والفلسفة الوجودية؟ 

- سمّيتُ شعر القضايا شعراً وجودياً لأنه يدور على مسائل الوجود الكبرى، طبعاً كما تتجلى في وعي الانسان، وهنا في وعي الشاعر. الفلسفة الوجودية هي الفلسفة التي تركّز على قضايا الانسان، كالحياة والموت والأصل والمصير. لا بد من أن تكون صفة "الوجوديّ"، المنسوبة إلى الوجود، ذات معنى مشترك في الشعر والفلسفة. ونجد بين الفلاسفة الوجوديين مَن كتب الفلسفة كمن يكتب شعراً. من هؤلاء فردريك نيتشه، الذي عبّر عن أفكاره بشذرات فيها الكثير من الصور الشعرية والرموز، على نحو يذكّرنا بفلاسفة اليونان الذين سبقوا سقراط، ومنهم هرقليطس. ومنهم أيضاً مارتن هايدغر، الذي نجد في بعض كتاباته نَسَباً قوياً مع الشعر. شخصياً، وَضَعتُ حدوداً بين التعبير الفلسفي والتعبير الشعري. فالشعر، كما قلت، مجبول بالعاطفة والشعور والخيال والصورة والتشبيه، بالابتسام والدمع، في حين أن الفلسفة تحليل للمفاهيم المجرَّدة، ولا يجوز أن يُصنَع بدموع. لقد كان لثقافتي في الفلسفة والآداب والانسانيات عموماً أثر على نظرتي إلى الوجود. لكن هذه النظرة، كنظرة كل مفكر صاحب موقف خاص من الوجود، هي، في التحليل الأخير، نظرتي وحدي، القائمة على تجربتي الشخصية.

  • أخيراً، هل حافظتَ على بنْية واحدة في قصائدك الطويلة، التي قلتَ إنها، بعد نشرك المجموعة الحالية "مرسى النور"، صارت اثنتي عشرة قصيدة؟

- هناك تنويع في بنْية قصائدي الطويلة، خصوصاً لجهة عدد مقاطعها وأوزانها. عَشرٌ من القصائد الاثنتَي عشرة مؤلفة من مقاطع، واثنتان من مقطع واحد، لكن يمكن توزيعه على مقاطع. من ناحية الموسيقى الشعرية، هناك وحدة وزنية في اثنتين من القصائد، مع وحدة على بعض تنويع في قصيدة ثالثة، في حين أن تسعاً أو عَشراً من القصائد ذات تنويع موسيقي غنيّ. وقد تناول بعض الدارسين تقنية الانتقال من وزن إلى آخر في القصيدة الواحدة. والمجال مفتوح على مزيد من الدراسات في هذا النطاق، ومن دراسة ارتباط الحالة بالوزن. وفي القصائد كلها اجتماع للعناصر المسرحية والروائية والتأملية والملحمية والغنائية. وهذا من طبيعة القصيدة الطويلة كما تكلمنا عنها في هذا الحوار الجميل.   

 

مقطع من قصيدة د. أديب صعب

"صارَ كَليمي الشِّعر"

كنتُ صغيراً

كانت الغابةُ فوقَ بَيتِنا 

تُومِئُ بالأسرارْ.

تُطلق نحوي رُسُلاً

من تَمتَماتٍ وٱلتماعاتِ ضِياءٍ أوّلَ النهارْ، 

تُغري فتىً بالسيرِ صَوبَ الغيمِ

يلتفُّ على صَنَوبَرٍ، 

في قَلبِهِ تَرتعشُ الأنوارْ.

 

تُراهُ إنْ مضى يَرى 

مدائناً غريبةً مسحورةً

وكائناتٍ مثلَ ما في عالمِ الخيالْ،   

منسوجةً من قِصَصِ الأطفالْ،

أيّامَ كانت أُمُّهُ تَروي لَهُ 

حكايةَ الطفلِ الذي 

شَدَّ حبالاً من غُيومٍ وهو لا يدري 

إلى أينَ تَصيرُ قبل أن تَحمِلَهُ 

نحو ديارٍ رَحْبَةٍ مسكونةٍ 

بِوَشْوَشاتِ الصوتِ والألوانْ. 

 

وهكذا صَعِدتُ نحوَ الغابةِ 

ٱلغامضة الأرجاءِ فوقَ بيتِنا، 

تَطيرُ بي أجنحةٌ من دَهشةِ السؤالْ، 

من رَعشَةِ السؤالْ،

عِبرَ دُروبِ الخَوخِ واللَّيْلَكِ والرُّمّانْ

 

هناك صارَ كلُّ ما في الغابْ

ألسنةً، وكانت الأغصانْ

تُخْبِئُ في أوراقِها أسئلةً حائرَةً 

كأنّها تَسعى إلى جوابْ...

 

وكنتُ كلَّ مَرّةٍ أعودْ. 

ثم صَعِدْتُ تَلّةَ الإلهْ،

علّمني الأسماءَ، قالَ: أنتَ صانِعٌ،

أنتَ شريكي، فٱغرُسِ البذارَ

في مَزارِعِ الوجودِ، وٱبتكِرْ

من هذه الأسماءِ أفعالاً. وكُنْ

مِثليَ فلّاحاً، تعهّدْ

كلَّ ما تَزرَعُهُ يداكْ.   

 

هناك عندَ النهرْ،

مُرَدِّداً صدى الغصونِ الوالههْ،

صِرتُ كليمَ الآلِهَهْ،

صارَ كليمي الشعرْ.