الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

مِصرُ الشِّعْــريَّة

أحمد الشهاوي
أحمد الشهاوي

كمصرىٍّ أكتبْ شِعْرًا مِصريًّا مكتُوبًا باللغةِ العربيةِ بلاغةً وأسلوبًا؛ لأنَّك ابنٌ لزمانٍ ومكانٍ مصرييْنِ، وابنٌ لأبويْنِ مصرييْنِ، وبيئةٍ مصريةٍ مُستقلَّةٍ مُتفرِّدةٍ رواها النيلُ المُقدَّس بمائهِ الأزلىِّ الحزين، ولا تستورد أو تستعير حالَ أحدٍ أو موضُوعَه أو مِزَاجَه الفنىِّ، لأنه ابنُ عالمٍ ليسَ لك، ولا تنتمى إليه. فالشخصية المِصرية عقيدةٌ ينبغى أن تؤمنَ بها.

هل ظلَمَ المصريون شِعْرَهُم؟ 

يستطيعُ المرءُ أن يقولَ: نعمٌ، ولا.

نعمٌ؛ لأنَّ تقديمَ هذا الشِّعْر منذُ النصف الثانى من القرن الثالث للهجرة؛ تاريخ ظُهور شِعْر مصرى خاص حتى أيامنا هذه، يتمُّ بشكلٍ غير مُؤسسيٍّ، لا إعدادَ فيه ولا تنظيمَ، حيثُ لا توجدُ خطةٌ مدرُوسةٌ مُمنهجة لنشرِ وإبرازِ شُعراء مصر فى القرون الغابرة حتى اللحظة الرَّاهنة.

ولا، لأنَّ هناك أساتذة كبارًا فى الجامعات المِصرية قد درسُوا الحياةَ الشِّعْريةَ، وشِعْر رمُوز هذه الحياة، وللأسف كان ذلك قبل عقُودٍ مضتْ، حيث لم يُعَدْ نشرُ دواوينهم والدراسات الأدبية والنقدية عن حيواتهم وشِعْرهم وعُصُورهم، كما أنَّ أغلبَ هذه الكُتب نُشرت بشكلٍ أكاديمىٍّ محدُودِ التوزيع مِصريًّا وعربيًّا، ولم تُخاطب المتلقِّى العام، كما أنَّ أشعارَهم غابت عن المناهج الدراسية، واكتفى واضعُو المناهج بنشرِ نماذج لشُّعراء من العصُور: الجاهلى، الأموى، العباسى،.. ونسَوْا تمامًا شُعراء بحجم البهاء زهير «١١٨٦ - ١٢٥٨م/ ٥ من ذى الحجة ٥٨١ - ٤ من ذى القعدة ٦٥٦هـ»، ابن سناء الملك «٥٥٠ - ٦٠٨هـ»، ابن نُباتة المصرى «٦٨٦-٧٦٨ه‍ـ/ ١٢٨٧-١٣٦٦م) على سبيل المثال لا الحَصْر، ولم يمنحُوا إفرادًا خاصًّا لدراسةِ الشِّعر المصرى.

وقد آن الأوانُ لأن نعيدَ هؤلاءَ الشُّعراء إلى الحياةِ مرةً أخرى، خُصُوصًا أنَّ نصُوصَهُم غائبةٌ، كما أنهُ ينبغى إدراكُ خُصُوصية الشَّاعر المصرى وشِعْره المكتُوب فى بلاد النيل، حيثُ يغيبُ «ذكر الأطلال والرسُوم أو بُكاء الديار والدِّمن، ولا نسمعُ عن حديث الأثافى والناقة أو غير ذلك مِمَّا تعوَّدناه من شُعراء البادية»، فالحياة مُستقرةٌ مثل مصر، ولا ترحُّلَ من مكانٍ إلى آخر، ولذا اتسمت نصُوصُ الشُّعراء بالوضُوح والبساطة، والبُعد عن التعقيد، حيثُ الحياة ليِّنةٌ ومُترفةٌ، واستخدم الشُّعراءُ ألفاظًا رقيقةً سهلةً ومالوا إلى البُحُورِ القصيرةِ التفاعيل، ثم زهدُوا فى القصائدِ الطويلةِ بعد ذلك، واستعاضُوا عنها بالمقطَّعات.

وكتب الشُّعراءُ صُورَ الحياةِ التى اعتادُوها، وقد بدا شُعورُهم رقيقًا وحسُّهم دقيقًا، إنه الإحساسُ القادمُ من الرُّوح المِصرية، وهنا أذكِّر بما كتبه ابن سعيد الأندلسى المتوفَّى سنة ٦٧٣هجرية إلى الشَّاعر المصرى ابن النقيب «٧٠٢ - ٧٦٩هـ/ ١٣٠٢ - ١٣٦٨م» يقول:

«أيا ساكنى مصرَ غدا النيلُ جارَكمُ

فأكسبَكُمْ تلك الحلاوةَ فى الشِّعرِ

وكان بتلك الأرضِ سِحْرٌ وما بقَى

سوى أثرٍ يبدُو على النَّظمِ والنَّثرِ»

وفى الشِّعْر المصرى سنجد اتجاه الرقَّة والسُّهولة، وهو اتجاهٌ يلائمُ الحياة والبيئة المصريتين اللتين تتسمان بالسُّهولة وعدم التعقيد، ويمثِّلُ هذا الاتجاه الشِّعْر الذى صدر عن مصريين بمولدهم ونشأتهم لا عن مصريين بإقامتهم، وقلَّ أن يظهرَ فى شعرهم أىُّ لونٍ من ألوان التكلُّف، أو ألوان الزينة اللفظية «فشعرُهُم صادرٌ عن طبعهم، ويجرى على ألسنتهم كأنَّهم يغرفون من بحرٍ، وأكثر شُعراء هذه المدرسة من الغزليين»، وعُرف مذهبُهُم فى العصر الأيوبى بالطريقة الغرامية، ومن أمثلة هذا الاتجاه البهاء زهير وجمال الدين بن مطروح، وغيرهما.

فغَزَلُ البهاءِ زهيرٍ خرج عن صُوَر الغزل التقليدية المعروفة فى الشعر العربى، فلم يبكِ على طللٍ، لكنه يكتب كتابةً تتواءم مع روحه وبيئته المصرية والعوالم التى يعرفها، ومعه كل من ابن النبيه وابن سناء الملك، والمهذب بن الزبير وظافر الحداد. وكان لطبيعة مصر السهلة ونيلها السّلس أثر كبير فى ذلك، «فعلى نحو ما يمتد الوادى فى مصر سهلًا لا نتوء فيه، كذلك شعره وشعر أصحابه تمتد لغته سهلة دون أى صعوبات». 

ولأنَّنى لا أتصورُ أنَّ هناكَ قطيعةً رُوحيةً عند المِصرى بين تراثه المصرى القديم، وبين تراثه بوصفه صار مِصريًّا عربيًّا بعد فتح مصر، واستخدام لغةٍ جديدةٍ وافدةٍ هى اللغة العربية. فقبل العرب كانت هناك حضارةٌ مُزدهرةٌ فى الفنونِ والآداب والعلوم والفلك والطب.

ومن هنا نسعى إلى الاهتمام بما أنتجتهُ مصرُ من شعرٍ مكتُوبٍ خلال ألف عام من الكتابةِ باللغةِ العربية، لا تواصلًا مع ما دعا إليه سلامة موسى «٤ من فبراير ١٨٨٧ - ٤ من أغسطس ١٩٥٨ميلادية» ومحمد حسين هيكل «١٣٠٥/ ١٣٧٦ هـجرية - ١٨٨٨/ ١٩٥٦ ميلادية» من الدعوة إلى أدبٍ مصريٍّ خاص، ولكنَّنا ندعُو إلى نفضِ تُرابِ النسيانِ أو التناسى أو التجاهُلِ لمُنجزِ الشِّعر المِصرىِّ خلال ألف عامٍ. فمصر لها طبيعةٌ خاصَّةٌ وتاريخ قديم مُختلف، كما أنَّ وادى النيل يُعدُّ مصدرَ وحىٍّ مُغايرٍ عما سواه فى الجزيرةِ العربيةِ وبلاد الشام. وأذكر هُنا قول طه حسين «١٣٠٦ هجرية/ ١٣٩٣ هجرية/ ١٥ من نوفمبر ١٨٨٩/ ٢٨ أكتوبر ١٩٧٣ ميلادية» فى كتابه «فى الأدب الجاهلى» الذى صدر سنة ١٩٢٧ ميلادية: «إن الكاتبَ أو الشَّاعرَ أثرٌ من آثارِ الجِنس والبيئةِ والزَّمانِ، فينبغى أن يلتمسَ من هذه المؤثِّرات وينبغى أن يكونَ الغرضُ الصحيحُ من درْسِ الأدبِ والبحث عن تاريخه، إنما هو تحقيقُ هذه المؤثِّرات التى أحدثت الكاتب أو الشَّاعر، وأرغمتهُ على أن يصدر ما كتب أو نظم من الآثار».

فهل لم يكُن لدينا دارسُون قادرُون على دراسة ما أنتجته مصرُ من شعرٍ باللغة العربية؟

كان لدينا بالطبع مئات الأساتذة منذ تأسيس الجامعة الأهلية سنة ١٩٠٧ ميلادية، لكنَّهم انشغلوا بدراسة الأدبِ العربىِّ منذُ العصر الجاهلى، مرورًا بالعصريْن الأموى والعباسى ثم العصر الأندلسى، لكنَّنا لم ندرس فى الجامعة، ما يمكنُ تسميتُه بالعصر المصرى، أو أدب مصر القديمة مثلًا.

هى محاولةٌ لإعادة نشر ما أُهْمِلَ ونُسِى من شِعْرٍ يدلُّ على الشخصيةِ المصريةِ التى نبع منها، لأنَّ هناك فرُوقًا يمتازُ بها الشِّعْرُ المصرىُّ إذا ما قُورن بشِعْرٍ عربىٍّ خاص موجُودٍ فى أىِّ بلدٍ عربىٍّ آخر درس فى المناهج الدراسية الثانوية والجامعية فى مصر.

وعلى الرغم من أنَّ كليةَ الآداب فى الجامعة المصرية قد خصَّصت كُرسيًّا لدراسةِ الأدب المصرى فى العهد الإسلامى، وأنَّ محمد كامل حسين «١٩٠١ - ١٩٧٧ميلادية» له كتابٌ اسمُهُ «الأدب العربى بمصر من الفتح الإسلامى إلى دخول الفاطميين»، وأنَّ أمين الخولى «١٣١٣ هجرية/ ١٣٨٥ هجرية/ ١ من مايو ١٨٩٥/ ٩ من مارس ١٩٦٦ ميلادية»، له كتابٌ أسماه «فى الأدب المصرى»، والدكتور عبداللطيف حمزة «١٩٠٧ - ١٩٧١ ميلادية» له كتابٌ عنوانه «الأدب المصرى.. من قيام الدولة الأيوبية إلى مجىء الحملة الفرنسية»؛ فإنَّ النقَّاد والدارسين لم يواصلوا النهجَ نفسه، ونُسى الشِّعر المصرى وظلَّ طىَّ الإهمال لسنواتٍ طالتْ.

ولا يمكنُ لشاعرٍ مصريٍّ حديثٍ أو من أى عصرٍ بعد مصر القديمة كان أسلافه القدماء يعتبرُون الهيروغليفية «كلام الله»، ولا تكونُ لهم خُصوصية، حيث كان الخيال المصرى القديم خصبًا، ويظهر ذلك جليًّا فى كثيرٍ من الحكايات الخُرافية. فمثلًا، فى قصة «الملاح التائه» تخيَّل الكاتب وصُول الملَّاح إلى جزيرةٍ صحراويةٍ حيثُ قابل ثعبانًا يتكلمُ. والكثير من تلك الحكايات السردية إضافةً إلى الأنواع الأدبية الأخرى، التى كانت مكتوبةً فى شكل أبياتٍ شعريةٍ، إذْ إنَّ معظم الشِّعْر المصرى القديم كان مكتُوبًا فى هيئة أبياتٍ من مقطعيْن اثنيْن، وأحيانًا من ثلاثة أو أربعة مقاطع. ويمكنُ أن تسميه «الهايكو» المصرى القديم، لمن يحبُّ استيراد الأشكال من الحضارات الأخرى.

ولعلَّنا نرى أن الأدب المصرى القديم، المُتوارث شفاهةً، كان له أثرُهُ الواضحُ على الأدب اليونانى القديم والأدب العربى، فاللغة العربية لم تصبح لغةً رسميةً إلا فى سنة ٧٨ هجرية «٧٠٦ ميلادية»، وكان المصريون قبل الفتح العربى يستخدمون اللغة القبطية، بينما كانت اللغةُ الرسمية فى البلاد هى اليونانية.

كما كان لانتشار فن الغناء بين المصريين أثرُهُ فى تدوينهم لأشكاله المُختلفة بين أغنيات المديح والحُب والترانيم الجنائزية مثل متُون الأهرام، ونصوص التوابيت وكتاب الخروج إلى النهار، وكتاب الطريقين، وصلاة رع وكتاب الآخرة، وأدب الوصايا والتعاليم.

وقد وجدنا فى الأدب المصرى «قصيدة البيت الواحد»، التى صارت موجودة بعد ذلك فى الشعر العربى، وهذه قصيدة مكونة من مقاطع صغيرة، كل واحد بمثابة قصيدة قصيرة تدل على تركيز شديد وكثافة شعرية واضحة:

- لم تحاور قلبك؟

توجه إليها وعانقها.

حقًا وكما أن «آمون» يحيا، فأنا قادم إليك،

وردائى على ساعدى.

لقد وجدتُّ أخى جوار حوض الماء

وقدماه فوق الماء

لقد شاد هيكلًا لمباهج النهار

بل إنه وضع فيه الجعة،

إن صورته على صدرى.

كما عرف الأدب المصرى القديم أنواعًا كثيرةً، منها: حوار الإنسان مع إنسان آخر، أو حوار الإنسان مع روحه ويعد من أدب الحكمة، أو حوار أجزاء جسم الإنسان مع بعضها، أو حوار الحيوان مع حيوان آخر والطير مع طير آخر، أو حوار النباتات مع بعضها، أو حوار الآلهة فيما بينهما.

ولا يظن أحدٌ أنَّ فى كلامى إقليميةً أو عصبيةً، لكنه البحثُ العلمى الذى كان ينبغى أن يتبع قبل قرنٍ من الزمان.

فمصرية مصر شعريًّا أمرٌ مهم وحقيقىٌ، وليس فى هذا تجنٍّ على عرُوبة مصر وإسلاميتها، فلا نكرانَ ولا هدرَ للإرث العربى ولا الإرث المصرى القديم، لأنَّهُ من المُستحيل أن تكونَ هناك وحدةٌ أدبيةٌ بين بلدان العرب، إذْ إنَّ كلَّ شاعرٍ هو ابنٌ لمكانه وبيئته.

وقد حاولتُ اختيارَ نصوصٍ شعريةٍ مما تجمَّع لدىََّ، خُصُوصًا الشُّعراء الذين عاشُوا فى القرن الثالث الهجرى فى مصر وما بعده بقرونٍ أربعة، حيثُ محا العهد الأيوبى «نسبةً إلى صلاح الدين الأيوبى» الكثير ممَّا كُتب فى زمن الدولة الفاطمية، حيث أحرق تراثَ الفاطميين ودمَّر وسُرقت مكتباتُ القصور وبِيعت الكُتبُ النفيسةُ وأهديتْ، ولولا أن بعضَ الكُتب قد خرجت من مِصر وقتها إلى أقطارٍ أخرى ما وصل إلينا منها شىء خصُوصًا دواوين الشِّعر المصرى، فمثلًا حسين نصار لم يجد نسخةً من الديوان الذى حقَّقه للشَّاعر ظافر الحداد فى مصر، بل وجَدَ نسخًا فى المغرب والعراق وألمانيا، ولم يجد زكى المحاسنى الذى حقق ديوان الشَّاعر الشريف العقيلى أثرًا للشَّاعر فى مصر، فاعتمد على نسخة مكتبة الإسكوريال بمدريد.

كما أنَّ صلاح الدين الأيوبى كان قد أمر بالتخلُّص من الخزائن العظيمة التى حوت تلك الآثار «وكانت أعظم خزائنهم خزانة القصر الفاطمى، كان لها فى القصر أربعون خزانة، من جملتها واحدة فيها ثمانية عشر ألف كتاب من العلوم القديمة، وقد اختلف المؤرخون فى عدد ما بالخزائن من الكتب»، ولكن لم يمنع ذلك صلاح الدين من التخلُّص من تلك الكتب، وبهذا ضاعت آثار حقبة كاملة من التاريخ العلمى والأدبى الخاص بمصر.

كما نرى عماد الكاتب الأصفهانى «١١٢٥ -١٢٠١ ميلادية/ ٥١٩ - ٥٩٧ هـجرية» يحطُّ من شأنِ شاعرٍ مصرىٍّ هو ابن الضيف «توفى نحو ١١٢٥ ميلادية - ٥٢٠ هـجرية»، لأنُهُ فاطمىٌّ شيعىٌّ «... وقَّع إلىَّ ديوانه بخطِّه، وكنتُ عازمًا لفرط غُلوه على حطِّه، لأنَّهُ أساءَ شرعًا وإنْ أحسنَ شِعرًا، بل أظهر كُفْرًا، فلم يستحق لإساءته كَفْرًا ولا غُفْرًا...» كأنَّ الأصفهانى لا يعرفُ مقولة عبدالقاهر الجرجانى «٤٠٠ - ٤٧١هـ/ ١٠٠٩- ١٠٧٨م» الشهيرة «.. فلو كانت الديانةُ عارًا على الشِّعْر، وكان سوءُ الاعتقاد سببًا لتأخُّر الشَّاعر لوجب أن يُمْحَى اسم أبى نواس من الدواوين، ويُحذفَ ذِكرُه إذا عدت الطبقات، ولكان أولاهم بذلك أهل الجاهلية ومن تشهدُ عليه الأمَّةُ بالكُفر ولوجَب أن يكون كعبُ بن زُهير وابن الزبعرى وأضرابهما ممَّن تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاب من أصحابه بكمًا خرسًا وبِكاء- بكسر الباء- (أى مفحمين)، ولكنَّ الأمرين متباينان، والدِّين بمعزلٍ عن الشِّعْر». 

إنَّ مصر التى ظلت ولايةً تابعةً لدولة الخلافة فى دمشق «الدولة الأموية»، بغداد «الدولة العباسية»، إستانبول «الدولة العثمانية»، ومن قبل كل ذلك كانت تابعة لعُمر بن الخطاب فى المدينة، حيث طغى المركز على الأطراف أو لنقُل المراكز الإسلامية الأخرى ومصر فى القلب منها، غير أنه منذ منتصف القرن الثالث الهجرى حكمت دولٌ جديدة مصر حُكمًا مستقلًا عن الخلافة، مثل الدولة الطولونية فالأخشيدية، ثم الفاطمية فالأيوبية، فالمماليك البحرية، فالمماليك البرجية، ثم الدولة العثمانية التى أضاعت استقلال مصر.

لقد عاشت مصر مستقلة عن دول الخلافة نحو سبعة قرون، لكنها فى تلك القرون لم تتمكن من تسويق شعرائها وتقديمهم عربيًّا.

فالحسن بن إبراهيم بن زولاق «٩١٩- ٩٩٧م» يقول عن محمد بن موسى الملقب بسيبويه المصرى: «كان عندنا بمصر رجلٌ يُعرف بسيبويه، فوق هؤلاء الذين ذكرهم المدائنى وابن أبى الدنيا وابن دحيم، لو كان بالعراق لجُمِعَ كلامُه، ونُقِلَتْ ألفاظُه»، وهو يقصد محمد بن موسى الملقب بسيبويه المصرى، الذى لا نعرفُ له ذكرًا إلا أنه شارعٌ فى مدينة نصر بالقاهرة. 

يذكر أحمد أمين فى كتابه «فيض الخاطر»: «شخصية غريبة كانت فى مصر فى عهد الدولة الإخشيدية قبل بناء القاهرة، وكان يدوى اسمها فى الفسطاط والقطائع وما بينهما قبيل مجىء الفاطميين؛ كانت شخصية تُرْهَب وتُحَب، ويضحك منها، ويُعتبر بها، إن شئت علمًا فعالم، أو شعرًا فشاعر، أو أدبًا فأديب، أو وعظًا فواعظ، أو فكاهة ففَكِه، أو نقدًا مقذعًا فناقد، أو جنونًا فمجنون، وُلد بمصر سنة ٢٨٤هـ، وعاش أربعًا وسبعين سنة، وأتقن النحو حتى لُقب بسيبويه».