الأحد 14 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

وهم اسمه نجيب سرور| شعبان يوسف: ليس مناضلًا.. ولم يسجن أبدًا ومسرحياته كانت تُعرض رغم مستواها الضعيف

نجيب سرور
نجيب سرور

يتقن المثقفون صناعة «الطوطم»، ذلك الكائن الروحى أو الرمز المقدس الذى ما إن اخترعه الناس، عبدوه فى أوساطهم، فلا يقبلون أن يمسه أحد بكلمة نقد أو مراجعة أو تحليل، وربما يكون الشاعر الراحل نجيب سرور، أبرز «طوطم» قدسته الأوساط الثقافية على مدار عقود، واعتبرته المناضل الذى ظلمته واضطهدته السلطة.

هذه المظلومية سعى الكاتب الكبير شعبان يوسف إلى تفكيكها من أساسها، خلال شهادته حول الحالة الثقافية فى تاريخنا المعاصر، مع الإعلامى الدكتور محمد الباز، عبر برنامج الشاهد على قناة «إكسترا نيوز».

انطلق شعبان يوسف من السؤال الأهم، حول تفسير ظاهرة تعامل جمهور الثقافة مع «نجيب»، على أنه أيقونة وصاحب قيمة أدبية عالية، وأنه كان مناضلًا ومقاومًا، قائلًا: «الحقيقة هذا ليس صحيحًا، نجيب لم يكن مناضلًا ولا أديبًا فارقًا، وأنا أعمل على كتاب حاليًا عنه تحدثت فيه عن ذلك، وكنت أحبه على المستوى الشخصى، وكنت أقابله فى مجلة الكاتب، وكان صلاح عبدالصبور يحتفى به جدًا، ولكن قد أحب الشخصَ، ولا أحب كتابته».

وضرب مثالًا على ذلك، بالقصيدة المشهورة لنجيب سرور، المرتكزة على الشتائم والسباب، والتى طالما احتفت بها شرائح مثقفة، قائلا: «هى مشهورة، لكن ليست لها قيمة أدبية أصلًا، وهذا مثال على أن الشاعر الرائج، أحيانًا يكون الشاعر الشتّام، يعنى صلاح عبد الصبور على سبيل المثال أهم من نجيب سرور فى الشعر، لكن لم يحظى بما حظى به الأخير من قراءات».

وأرجع نجاح مسرحيته «ياسين وبهية»، إلى جودة الإخراج وليس الكتابة، موضحًا أن العمل فى البداية كان رواية وليس مسرحية، وكرم مطاوع هو من نشرها وأخرجها، ونجاحها سببه احترافية الأخير، وليس النص الأدبى.

وأردف: «عندما تقرأ المقالات التى تحدثت عن نجيب سرور فى هذا الوقت، تجد أن ٨٠٪ منها، تنتقد النص، وتنسب النجاح للمخرج كرم مطاوع»، مضيفًا: نجيب كان أكثر شخص «متدلع» كمسرحى فى هذا الوقت، مواصلا «كان من الممكن أن يعرض له فى الموسم الواحد ٣ مسرحيات، رغم رداءة العمل أو مستواه الضعيف، وتم نقده فى هذا الوقت بشكل كبير جدًا».

وأكمل أنه عندما خرجت «ياسين وبهية»، قدمها كرم مطاوع بشكل محترف، وكان العرض أهم من المسرحية، وعندما عرضت «آه يا ليل يا قمر» بعدها، أخرجها جلال الشرقاوى بشكل محترف أيضًا، لكن لم تعجب نجيب سرور بشكل خاص، رغم أن «الشرقاوى» أضاف لها معنى مهما جدًا.

وواصل: بعدها، كتب نجيب مسرحية أخرى كلها «شتيمة» فى جلال الشرقاوى، اسمها «آه يا بهية وخبرينى»، وللأسف كرم مطاوع أيضا هو من أخرجها، وكانت تتضمن خروجًا عن الأخلاقيات، خاصة ونحن نشاهد فيها مخرجًا يسب ويشتم مخرجًا زميلًا له.

أما النضال المنسوب لنجيب سرور، فرأى أنه ليس أكثر من مزاعم لا تخلو من ادعاء مظلومية زائفة، رددها جمهور الثقافة دون علم، قائلا «لم يكن نجيب مناضلًا أو مقاومًا للسلطة، وكان يكتب بحرية، ولم يحبس فى أى قضية شهيرة مثل جمال الغيطانى أو عبدالرحمن الأبنودى، أو صلاح عيسى».

ودلّل «شعبان» على ذلك بقوله «نجيب سرور كتب قصائد مدح فى جمال عبدالناصر، وسوف أضمنها فى كتابى عنه، وهو لم يحبس قط، ونجيب كان هجوميًا، وأخرج أول مسرحية عن نص للدكتور رشاد رشدى، الذى أصبح خصمًا له بعد ذلك وهاجمه بشكل عنيف».

واعتبر أن حياة نجيب سرور تنقسم إلى ٤ مراحل، موضحًا «أولاها مرحلة الخمسينيات، وكانت أهم مرحلة، والتى تحدث فيها عن نجيب محفوظ، وكان ناقدًا لا يقل عن أكبر ناقد فى الوطن العربى، والثانية فى غربته من ١٩٥٨ حتى ١٩٦٤، وقد تكون مرحلة غامضة، ولكن هناك من كتب عنها، مثل عبدالتواب يوسف، والمرحلة الثالثة من ١٩٦٤ إلى ١٩٦٩ والتى عمل فيها على إعداد مسرحية نجيب محفوظ (ميرامار)، والتى أشعلت معركة كبيرة جدًا، والمرحلة الرابعة منذ هذا التاريخ حتى الآن، وهى مرحلة الضياع الكامل».

وأرجع تكوين الصورة الذهنية لنجيب سرور على أنه الناقد للسلطة وصاحب القيمة الأدبية العالية، إلى أن الجميع يهتم بقصة الكاتب أكثر من الاهتمام بالكتابة نفسها، مضيفًا «لا أريد أن أجرد نجيب من مواهبه، لأنه ناقد مهم جدًا، وألف أهم الكتب عن نجيب محفوظ، وكانت له مواقف مهمة، مثل موقفه فى فيلم (باب الحديد) ليوسف شاهين، وكان من يتولى الرقابة فى هذا الوقت نعمان عاشور، والأخير أعطى السيناريو لنجيب سرور لمراجعته، وكان الفيلم يطالب بإنشاء نقابة عمالية، وكان هناك اعتراض سياسى على ذلك».

وأكمل: «تم تحويل نعمان عاشور للتحقيق بعد إجازة الفيلم، ورفض نجيب سرور الأمر، وتحمل هو المسئولية وحول نفسه للتحقيق، وكان نجيب على المستوى الشخصى صاحب بطولات كبيرة، وكان حافظًا للشعر وعلى دراية جيدة باللغة العربية، وترجم مسرحية أجنبية، وهو ناقد أهم من كونه شاعرًا أو مسرحيًا، وحتى الكتب النقدية له لم تجمع حتى الآن»، مواصلًا: «المظلومية أساسها أن الناس بتحب تعمل قصة وحدوتة عن مرحلة الضياع التى عاشها».

وتحدث عن الأداء الهجومى الدائم لنجيب سرور حتى مع أصدقائه وزملائه، قائلا: مشكلة نجيب الأساسية، أنه كان على خلاف دائم مع زملائه، كانت لديه «خناقة» مع جلال الشرقاوى، وكذلك مع كرم مطاوع رغم أنه كان صديقًا قريبًا له، واختلف مع نجيب محفوظ لأسباب شخصية.

وقال إن نجيب سرور خاض معركة مع نجيب محفوظ، وكتب كتابه «نقد الثلاثية»، عام ١٩٥٨، عن ثلاثية «أديب نوبل»، وكان الكاتب الصحفى محمد كروب رئيسًا لتحرير مجلة «الثقافة الوطنية»، ووقتها أرسل له نجيب سرور أجزاء من الكتاب، وهو ما كشف عنه «كروب» فى كتاب له صدر عام ١٩٩٣ عن دار «الينابيع»؛ تحت عنوان «الذاكرة والأوراق.. قراءات فى وجوه المبدعين»، وبعد سنوات عُثر على باقى فصول الكتاب مع زوجة الشاعر الراحل.

وكشف أنه حين أجرى الإعداد لمسرحية «ميرامار» لنجيب محفوظ فى المسرح الحر سنة ١٩٦٩، سقطت تمامًا، وعندما ذكر الجميع أنها سقطت، أقر بذلك واعترف وأرجع ذلك إلى أن هناك معركة بين الشباك والقيمة، وأنه كان ينتصر للقيمة، ولكن الشباك غلب فى المعركة وسقطت المسرحية، ودخل فى مرحلة ضياع لدرجة أنه كان هناك من يقول إنه عرض ابنه للبيع فى شارع طلعت حرب.

 وتابع: «عندما كتب مسرحية «قولوا لعين الشمس»، وكانت سميحة أيوب فى هذا الوقت تعمل مع نبيل الألفى مدير المسرح القومى، ذهب لسميحة وطلب منها إنتاج المسرحية بعد تأخر إخراجها، فرفضت فى البداية، وبعدها اقتنع نبيل الألفى بإنتاج المسرحية، وطلب من جلال الشرقاوى إخراجها، لكنه رفض، وبعدها أخرجها شاكر عبداللطيف».

وأردف: «رغم إنتاجه عددا من المسرحيات الرائجة، إلا أنه عندما تقيسه بزملائه فى جيله، مثل محمود دياب، الذى صنع مسرحًا عظيمًا كبيرًا، ولم يحدث الضجة الكبيرة الذى أثارها نجيب، ستجد منجزه ضئيلًا».