الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

خالد إسماعيل: على الروائي مقاومة تجار التفاهة ودور النشر والجوائز المشبوهة

الرواية
الرواية

فنّ الرواية كما عرفته، منذ ٣٠ سنة قضيتها كاتبًا لروايات ومجموعات قصص، هو فن السرد المعتمد على قدرة الكاتب على امتلاك اللغة، والمعرفة العميقة بتاريخ السرد فى الثقافة العربية والثقافات الأخرى، حسب قدرته على القراءة بلغات غير العربية.

ومن المهم للكاتب الروائى امتلاك وجهة نظر، وفلسفة يصوغ بها رؤاه الإبداعية، ولدينا طرائق كثيرة للسرد، من أهمها ما اعتمده رائد الرواية العربية نجيب محفوظ، وتلاميذه فى مصر والوطن العربى.

ومن المهم القول إن «ألف ليلة وليلة» الكتاب المركزى فى السرد العربى، ترك أثره فى الأدب الأوروبى والأمريكى الجنوبى والإفريقى، ومعنى هذا أن «الحكاية» و«الرواية» وجهان لعملة واحدة، لا رواية من دون حكاية، ولا حكاية من دون وعى وانحياز للناس وقضايا المجتمع، وعلى رأسها العدل والحرية، وهذا ما منح الأعمال الروائية الكبرى خلودها وبهاءها، وقدرتها على مقاومة الزمن.

وكل محاولات «البنيوية» والجماعات «ما بعد الحداثية»، التى استهدفت عزل الأدب عن الواقع الاجتماعى، فشلت وانتهت فى بلادها الأصلية، رغم أن أذناب الأكاديمية العربية «المتخلفة» لا تريد الاعتراف بذلك، ومازالت تمارس الكذب على المبدعين والقراء. وليس لدى الروائى الأصيل طريق بديلة، غير طريق المقاومة والعودة بالرواية إلى «الحكى والحكاية»، والعودة إلى القضايا الإنسانية الجوهرية.

ورغم قسوة اللحظة الراهنة، التى تعملق فيها «النقاد الكسر»، وتحكم فيها صاحب دار النشر الجاهل، ليس هناك بديل عن المقاومة؛ من أجل الحفاظ على فن الرواية، وإنقاذه من هؤلاء القتلة.

وفيما يخص الجوائز وتسليع الرواية وتسويق روايات العولمة الأمريكية، أقول إن هذه الموجة انتهت وانحسرت، والمقاومة فى فلسطين وفى جامعات الغرب تبشر بنهاية العولمة الثقافية الأمريكية، بعد افتضاح أمر هؤلاء المأجورين، الذين لم يدينوا جرائم الصهاينة ضد الشعب الفلسطينى، المدعومة من واشنطن وباريس وغيرها من عواصم الاستعمار، حفاظًا على رضا المانح المهيمن على شئون الترجمة وشئون الجوائز الدولارية.

والقصد هو القول إن مهمة فن الرواية -كما فهمها الرواد والمؤسسون- هى الحفاظ على النوع الإنسانى وتاريخه وحقوقه وكرامته، من خلال السرد الجميل الممتع، والقدرة على تشييد المعمار الروائى الدقيق. ولا يمكن إنكار ما حدث فى السنوات الأخيرة، التى فرضت فيها الأزمة الاقتصادية نفسها على ضمائر الأكاديميين، وجعلتهم يتنكرون للموروث الأكاديمى الحقيقى الأصيل، ويقبلون بتمرير أنصاف «الكتبة»، الذين يتبنون الأجندة الأمريكية الصهيونية.

على سبيل المثال، كان هناك روائىّ «تهويمى وهمى معولم» يصفق لكاتب إسرائيلى بمقر «متحف الكلمة» فى إسبانيا، والدم الفلسطينى يراق، والكاتب المصرى «التهويمى» يواصل سقوطه، والصحافة الثقافية تواصل احتفاءها به، وكأن الأمر عادى.

وفى الختام أقول إن فن الرواية يحتاج إلى مخلصين لا سماسرة، ويحتاج إلى مؤمنين به يمتلكون القوة النفسية التى تؤهلهم للصمود فى وجه «المال الأسود»، الذى استهدف تشكيل ذائقة متواطئة مع جرائم الغرب، الذى ظل طوال عشرات السنوات يوهمنا بما سماه القيم الأمريكية والأوروبية، والدفاع عن الديمقراطية.

وكل روائى صادق قابض على مشروعه عليه أن يراجع مذكرات نجيب محفوظ؛ ليعرف مدى الصعوبة التى عرفها فى تاريخه الإبداعى حتى بلغ «نوبل»، وكل من يرى فى الأدب سلطة ثقافية أو وجاهة اجتماعية عليه أن يغير نشاطه-الآن- لأن اللحظة التى يعيشها العالم تعادى الثقافة، خاصة فى دول العالم الثالث، فالمركز المهيمن يريد نشر التفاهة وجعلها ثقافة سائدة، والروائى الحقيقى عليه أن يقاوم، ويصبر ويطور أدواته ووعيه، وألا يخضع لشروط اللحظة الراهنة؛ لأنها متغيرة، وتمثل النقطة الفاصلة بين نهاية حقبة وبداية حقبة جديدة، نهاية العولمة الثقافية الأمريكية، وبداية خريطة ثقافية وسياسية متعددة القوى، فيها تمثيل لكل الشعوب التى قاومت، وتمثيل للثقافات العريقة التى حاول الغرب محوها واستبدالها بقيم السوق و«البيزنس» وغسل الأموال والتجارة فى البشر والعبث بالكوكب كله.

بصيغة أخرى أقول إن الروائى المؤمن بما يكتب عليه، مهمته المقاومة والتصدى لتجار التفاهة من الأكاديميين الفاسدين، وأصحاب دور النشر الاستثمارية المشبوهة، والجوائز المشبوهة أيضًا.