الثلاثاء 16 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

مصطفى زكى يكتب: خدمة ليلية

خدمة ليلية
خدمة ليلية

خرجت من العمل متأخرًا كعادتى. متأخرًا جدًا. كان الليل واسعًا فوقى، والهواء بارد، يحمل بقايا أمطار هطلت منذ قليل. تنعكس الأضواء على الأرض المليئة ببرك المياه. أغلقت الجاكيت حتى رقبتى، ووضعت يدى بجيوبى، وسرت بلا هدف. 

الشوارع خالية، وسيارات مسرعة تمر من بعيد. نفخت بخار ماء من فمى وتابعت تبدده السريع فى الهواء أمامى. وصلت للميدان القريب، ودخلت إلى الحديقة الممتدة خلفه. مظلمة، والأشجار تهتز كأنها ستطير. جلست على أول مقعد حجرى صادفنى، كان مبللًا، لم أهتم.

أشعلت سيجارة وتطلعت حولى، تصلنى أصوات السيارات المتفرقة من بعيد. أخرجت هاتفى من جيبى، ونظرت إلى الشاشة المظلمة. ضغطت فوقها، فأنارت وانتظرت حتى أظلمت لأضغط عليها من جديد. لم يرن الهاتف منذ حوالى ثلاثة أيام. ورصيدى كما هو، ربما منذ قمت بالشحن. فتحته ونظرت إلى قائمة اتصالاتى، كانت أرقامًا بلا أسماء. ربما أول اسم يظهر بعد حوالى عشرة أرقام غير مُعرفة. قمت بنفخ دخان السجائر فوقه، إلى أن أظلم وحده. ظللت أمسكه بين أصابعى الباردة المرتعشة. تململت فى جلستى، فشعرت بالبلل أسفل منى. سرت رعشة بطول ظهرى كله. ألقيت السيجارة المنتهية فى بركة ماء أمامى، وتابعت طفو العُقب الصغير.

نظرت فى الهاتف من جديد، وقمت بطلب الرقم القصير. وضعته على أذنى وأنا أقاوم الارتعاش. اتبعت الخطوات، والضغط على الأرقام وانتظرت قليلًا. ثم جاء صوتها. اندهشت للحظات لأنى توقعت صوت رجل فى هذا الوقت متأخرًا. خدمة عملاء شبكة المحمول لم تلتزم بالمعايير الإنسانية للعمل. وسط اندهاشى السريع لم أسمع اسمها الذى تبدأ به المكالمة، وددت لو سألتها عنه ثانية لكنها بادرتنى بالسؤال عن اسمى. أجبتها، سألت إن كان اتصالى بخصوص نفس الرقم الذى أتصل منه، فأجبت بنعم. كان صوتها دافئًا، ودودًا. سألتنى عن طلبى، فصمتّ. لم أجد ما أقول، ولم أجهز أى ردود قبل الاتصال. هبت دفقة هواء عاصفة، فأدرت وجهى للجانب الآخر، متشبثًا بالهاتف فوق أذنى. سألتنى من جديد عن سبب اتصالى. بصوت مبحوح حاولت الرد، لكن لم تخرج منى سوى همهمات غير مفهومة. «آسفة، لم أفهم». حاولت ارتجال أى موضوع للحديث، لأعطيها سببًا لاتصالى، فقلت لها سريعًا، بصوت مرتجف، أن الرصيد قد تم خصمه دون استخدام. طلبت منى الانتظار قليلًا لتراجع ما حدث. بدا صوتها مألوفًا. عادت لتخبرنى بأن رصيدى كما هو، وأنه لم يتم خصم أى شىء. كانت هادئة، تحاول أن توضح لى. فرددت عليها بأن الرصيد غير موجود، وأننى تأكدت من هذا كثيرًا قبل الاتصال. اشتد الهواء البارد حولى، وابتعدت أصوات السيارات حتى لم تعد موجودة. أجابتنى بأن أراجع مرة أخرى، ربما لم أقرأ الرصيد جيدًا. كانت تهم بإنهاء المكالمة، سألتنى إن كنت أريد أى خدمات أخرى، شعرت بدفئها يتسلل عبر سماعة الهاتف لأذنى، أردت أن أسألها عن اسمها لكنى لم أفعل. «الجو برد»، هذا ما قلته. انتظرت ثوانى لتسألنى من جديد إن كان بإمكانها تقديم أى مساعدة أخرى لى. «ربما تجمد الرصيد فى هذا الصقيع»، رنت ضحكة ساحرة مكتومة، تبعتها بهمهمة غير مفهومة. ابتسمت لضحكتها، وهببتُ من مكانى. أخرجت يدى الأخرى من جيبى ومررتها فوق رأسى شاعرًا بالانبساط. قالت لى بأنها تشكرنى على الاتصال، وتسأل إن كنت أريد أى شىء آخر. وددت لو طلبت منها الضحك ثانية، فدفء صوت ضحكتها تسلل داخلى. بتردد قلت لها «شكرًا»، فأجابت «العفو». 

بدأت تمطر من جديد، شعرت بقطرات المطر كبيرة باردة. ظللت أنظر إلى شاشة الهاتف المضيئة، والقطرات تتساقط عليها متناثرة، مخلفة قطرات أصغر. تبلل سطح الهاتف بالكامل، فمسحته فى ملابسى سريعًا، ووضعته بجيبى، واتجهت للمقعد الحجرى لأجلس عليه، مكومًا كفى داخل جيبى.