الثلاثاء 16 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

عملية إنقاذ.. كيف حمت الدولة المصرية تراثها السينمائى من الضياع؟

صور خاصة من متحف
صور خاصة من متحف السينما

فيما واجه ملف التراث السينمائى العديد من الأزمات والتحديات على مدار عقود، مثل عدم ترميم نسخ الأفلام وضياع الكثير من الأرشيف وفقدان الكثير من المقتنيات، دشنت الدولة المصرية خلال السنوات اﻷخيرة عملية نهضة شاملة بقطاع السينما من أجل إعادته إلى مكانته الأولى وحماية تراثه من الضياع.

هذه النهضة بدأت مع تولى الفنانة الدكتورة نيفين الكيلانى منصب وزارة الثقافة فى أغسطس 2022، والتى شكلت عددًا من اللجان لبحث مسألة التطوير وعلاج الأزمات، واتخذت عددًا من الإجراءات لعل أهمها إنشاء قطاع للسينما يتبع الوزارة.

وحين تولت الدكتورة نيفين الكيلانى مسئولية الوزارة قررت إنشاء شركة إدارة الأصول الثقافية والسينمائية، التابعة للشركة القابضة للاستثمار فى المجالات الثقافية والسينمائية، وأناطت بها عدة اختصاصات حتى تتمكن من تحقيق الغرض الرئيسى من تأسيسها، والنابع من قناعة الدولة فى تطوير الاستثمارات فى ذلك المجال، ولتنتقل إليها ملكية جميع الأصول الفنية.

فى التقرير التالى، ترصد «حرف» أبرز الإجراءات التى اتخذتها الوزارة للنهوض بالملف، وكيف عملت شركة إدارة الأصول على إحداث تطوير شامل فى كل ما تمتلكه من منشآت وأرشيف وتراث.

الصفحة السابعة عشر من العدد الثالث والعشرين لحرف

قطاع السينما

تقدمت وزيرة الثقافة، الدكتورة نيفين الكيلانى، إلى مجلس الوزراء بمقترح لإنشاء قطاع للسينما، ليكون تابعًا للوزارة ويكون بمثابة عقل للصناعة.

وتم تشكيل لجنة فنية/ قانونية بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم ٢١٠٦ لسنة ٢٠٢٣ برئاسة ممثل عن هيئة مستشارى مجلس الوزراء وعضوية ممثلين عن رئاسة الجمهورية، ووزارات الدفاع، والعدل، والمالية، والداخلية، والثقافة، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للإعلام، وبعض الجهات السيادية، تختص بالدراسة التفصيلية لطلب وزارة الثقافة، بإعادة هيكلة المركز القومى للسينما، وتحويله إلى قطاع مستقل بذاته يسمى قطاع السينما المصرية، وفصله من تبعيته لقطاع شئون الإنتاج الثقافى.

وتم مؤخرًا إعداد التقرير النهائى للجنة للعرض على رئيس مجلس الوزراء، للبت فى الأمر، واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأن إنشاء القطاع، وهو الأمر الذى ينتظره الجميع عقب إجراء التعديل الوزارى المرتقب.

ويضم القطاع كل الأنشطة التى لها علاقة بالعمل السينمائى «الخدمات الإنتاجية والسينمائية وتسهيلات خدمات تصوير الفيلم المصرى وتراخيصه والحفاظ على التراث والأرشيف والمتحف والسينماتك»، وكذلك دعم وتنمية صناعة السينما والتسويق الداخلى والخارجى للمنتجات السينمائية، والتواصل الدولى والاتفاقيات، ونظم المعلومات والتحول الرقمى، والتخطيط الاستراتيجى والسياسات.

وتمتلك وزارة الثقافة ٢١٨ فيلمًا روائيًا طويلًا ملكية كاملة، والتى تسلمها المجلس الأعلى للثقافة، وبدوره سلمها للقطاع الذى نقلها إلى شركة إدارة الأصول، بخلاف الأفلام الروائية والأفلام الروائية المملوكة للغير، إضافة إلى الأفلام التسجيلية والروائية القصيرة المملوكة للمركز القومى للسينما.

وتم توقيع بروتوكول مع مدينة الإنتاج الإعلامى، لترميم جميع الأفلام المملوكة للدولة المصرية ممثلة فى وزارة الثقافة بأحدث التقنيات، وتم البدء بالأفلام التالية «المستحيل والشحات وبين القصرين والحرام والزوجة الثانية وشىء من الخوف وقصر الشوق والسراب والقاهرة ٣٠ والسمان والخريف»، ويبلغ عددها ١١ فيلمًا، وانتهت مدينة الإنتاج الإعلامى من ترميم فيلمين هما «الزوجة الثانية والشحات»، مما يؤكد حرص الوزارة على حماية الأفلام والحفاظ عليها من أى ضرر حتى تكون فى أفضل حالة.

إدارة الاصول

شهدت شركة إدارة الأصول الثقافية والسينمائية تشكيل مجلس إدارتها فى مايو ٢٠٢٣، برئاسة المخرج عمر عبدالعزيز، والدكتور خالد عبدالجليل العضو المنتدب التنفيذى، وعضوية نقيب السينمائيين مسعد فودة، ودكتور الاقتصاد أحمد حسن، والدكتور هشام جمال نائب رئيس أكاديمية الفنون، والدكتورة منى زكى أستاذة الاقتصاد.

وخلال العام الماضى، تم اتخاذ إجراءات التأسيس ووضع الهيكل التنظيمى لها، لتبدأ عملها بالتعاون وتحت إشراف الشركة القابضة للصناعات الثقافية والسينمائية، والتى تم تشكيل مجلس إدارتها بتاريخ سبتمبر٢٠٢١، برئاسة المهندس أيمن إسماعيل، والمهندس محمد أبوسعدة العضو المنتدب التنفيذى، والفنان الكبير حسين فهمى، وعدد من شخصيات الاقتصاد والقانون وكذا المتخصصون فى عالم البنوك.

وخلال الفترة الماضية، تم اتخاذ إجراءات نقل ملكية الأصول من المجلس الأعلى للثقافة إلى الشركة القابضة للصناعات الثقافية والسينمائية، وكذلك تسليم إدارة هذه الأصول للشركة التابعة لإدارة الأصول الثقافية والسينمائية.

وتم نقل الأصول من قطاع الأعمال إلى وزارة الثقافة، عبر لجنة للتحقق من الأصول فى نوفمبر ٢٠١٧، وكذلك لجنة أخرى للتحقق من الأصول لنقلها من المجلس الأعلى للثقافة إلى الشركة القابضة للصناعات الثقافية والسينمائية فى يناير ٢٠٢٤.

وفى مارس ٢٠٢٤، تم توقيع عقود الإدارة بين الشركة القابضة للصناعات الثقافية والسينمائية والشركة التابعة لإدارة الأصول، وبعد انتهاء جميع هذه الإجراءات بدأت الشركتان القابضة وإدارة الأصول، التفاوض وفتح قنوات اتصال مع المستثمرين فى قطاع السينما لتطوير الاستديوهات وتحديثها وإنشاء بلاتوهات جديدة وتطوير مركز الصوت، وكذلك استثمار الأراضى المملوكة للشركة، لإنشاء مجمعات سينمائية لزيادة رقعة دور العرض، وكذلك دراسة الاستخدام الأمثل لدور العرض المملوكة للشركة وتطويرها.

وتم تجميع مجموعة هائلة من المقتنيات السينمائية، والخاصة باستديوهات «مدينة السينما والأهرام وستوديو مصر»، متضمنة كاميرات وآلات عرض وأجهزة صوت ومونتاج وبوسترات وإكسسوارات وبريس بوك وملابس وفوتوغرافيا وميكروفونات ومعدات إضاءة.

وصدر قرار من المشرف على نشاط السينما آنذاك الدكتور خالد عبدالجليل، بتشكيل لجنة لجمع المقتنيات الموجودة بشركة إدارة الأصول فى أماكن متعددة والكثير منها كان مهملًا، وشكلت اللجنة برئاسة مدير التصوير محمود عبدالسميع، وعضوية مسئول وحدة التراث بالشركة وعدد من المتخصصين أصحاب التخصصات النادرة، وعملت على جمع المقتنيات والتى كانت عبارة عن قطع مفككة وغير معلومة.

وتسلمت وزارة الثقافة مجموعة ثانية من المقتنيات، مهداة من المركز الثقافى الفرنسى، والمركز القومى للسينما، ومقتنيات «شادى عبدالسلام، وبركات، وأنيس عبيد، والرقابة على المصنفات الفنية، ومحمود عبدالسميع»، وكل هذه المقتنيات تم تجميعها وترميمها وتصنيفها، خاصة أن معظم الأجهزة كانت مفككة أو فى أماكن متناثرة، واعتبرت هذه المقتنيات نواة لتجهيز متحف السينما.

تطوير الاستديوهات

دخلت الشركتان القابضة وإدارة الأصول فى مفاوضات مع تحالف من كبار المنتجين المصريين لاستئجار الاستديوهات وتطويرها، وتطوير جميع البلاتوهات المملوكة للدولة، وتم عرض الأمر على الجمعية العمومية الأخيرة للشركة القابضة التى عقدت الأسبوع الماضى، من أجل تطوير الاستديوهات المملوكة للدولة وتحديثها وإنشاء بلاتوهات جديدة بمدينة الفنون وستوديو الأهرام.

وجرى التفاوض على التطوير الأمثل لـ«ستوديو مصر»، مع الأخذ فى الاعتبار قيمته الثقافية والتاريخية، وتطوير مركز الصوت، وكذا استثمار الأراضى المملوكة للشركة فى إنشاء مجمعات سينمائية لزيادة رقعة دور العرض، إلى جانب إنشاء مراكز ثقافية متنوعة الأنشطة.

كما تمت دراسة الاستخدام الأمثل لدور العرض المملوكة للدولة وتطويرها وتقسيم بعضها، بما لا يؤثر على التراث المعمارى الخاص بها، خاصة «سينما ديانا» التى تتم دراسة تحويلها إلى مركز ثقافى بطرازها المعمارى الفريد، فى إطار خطة الدولة لتطوير وتخطيط جديد لمنطقة وسط المدينة ضمن توجهات الجمهورية الجديدة.

وتمت دراسة تطبيق نفس الأمر على دور العرض بالإسكندرية، خاصة فى ظل ما تبذله الدولة المصرية متمثلة فى وزارة الثقافة للسعى فى الحفاظ على التراث والقوى الناعمة المصرية.

ونجحت وزارة الثقافة فى تسجيل سينما «ريو» كـسينما تراثية، وتم استصدار قرار باعتبارها مبنى أثريًا، كما تعقد الآن اجتماعات للجنة الاستثمارية المشكلة من الشركة القابضة والتابعة، والتى تضم من بين أعضائها مجموعة من المتخصصيين فى مجال الاستثمار، لاستعراض المشروعات المقدمة من المستثمرين لاستغلال الأراضى غير المستغلة بالقاهرة والإسكندرية فى إنشاء مشروعات اقتصادية، مع التأكيد على أن يضم أى مشروع دور عرض سينمائية.

متحف السينما

وضعت الوزارة تصورًا لإعادة تخصيص المعمل القديم التابع لشركة إدارة الأصول، وإعادة هيكلته وتطويره لتحويله إلى متحف للسينما.

وعملت الشركة على تحقيق ذلك من خلال لجنة جمع التراث، برئاسة المصور محمود عبدالسميع، التى تم تشكيلها فى ديسمبر ٢٠١٨ لجمع مجموعة كبيرة من المقتنيات المتنوعة من التراث السينمائى، ويبلغ عددها نحو ١٠ آلاف قطعة نادرة من القطع التى شكلت دورًا بارزًا فى صناعة السينما المصرية على مدار العصور الماضية.

وأجرت «الدستور» جولة داخل مبنى المتحف للتعرف على ورصد تلك المقتنيات التى تم تجميعها من أماكن متفرقة، ووجدت أن هناك كمًا هائلًا من معدات التصوير، وأفيشات الأفلام، والألبومات، والتسجيلات، والمعدات المختلفة، النادرة وذات القيمة العالية داخل هذا المبنى، والتى بحاجة إلى متحف ليزوره الجميع، ويطلعون على هذا التاريخ العظيم من صناعة السينما المصرية.

ومن بين تلك المقتنيات التى تم رصدها، معدات تصوير تعود إلى أوائل القرن العشرين وهى كاميرات يدوية «مانويل»، وكاميرات متتالية حتى آخر موديل، وهى قطع نادرة وهامة جدًا من بينها كاميرا صناعة مصرية «أوغان»، فضلًا عن مجموعة مختلفة من العدسات منها عدسة كانت تستخدم قبل اختراع الفيلم الملون، بها ٤ ألوان وتوضع على آلة العرض ليصبح الفيلم ملونًا.

كما توجد ماكينات مختلفة منها ماكينة «باك بروجكشن» التى كانت تستخدم فى التصوير الخلفى للشوارع، وتصوير سيارة داخل الاستديو وكأنها تسير فى الشوارع، وهذه الآلة عملت فى جميع أفلام نيازى مصطفى.

كما يضم مشروع المتحف مقتنيات متمثلة فى معدات مختلفة، ما بين آلات عمل المونتاج وموديلاتها المختلفة، من الأربعينيات حتى نهاية القرن العشرين، وأجهزة صوت أحدها موديل قديم وآخر موديل أحدث، هذا إلى جانب الكثير من أدوات تحريك الكاميرا، فضلًا عن مجموعة كبيرة من شرائط عمل الأفلام قبل النهائية، منها تسجيلات صوت وحوار الممثلين وتسجيلات موسيقى والأغانى والمؤثرات الصوتية الخاصة بالأفلام القديمة.

ويضم المشروع أيضًا نحو ٣٥٠٠ أفيش لأفلام مختلفة، من بينها فيلم «ابن حميدو، والشموع السوداء، والخريف، والشيماء، ونحن لا نزرع الشوك» وغيرها من الأفلام، هذا إلى جانب مجموعة كبيرة من الإكسسوارات والملابس عبارة عن «فساتين، وأساور وخواتم ودبل وسلاسل وحلقان» تم استخدامها فى أفلام مختلفة من بينها «الناصر صلاح الدين، عنترة ابن شداد، وإسلاماه، ورابعة العدوية»، بالإضافة إلى إكسسوارات الديكور التى تتنوع ما بين «أخشاب وأرابيسك وأقواس ورمح وسيوف».

واتخذت الشركة مؤخرًا إجراءات بالتعاون مع المجلس الأعلى للثقافة، لنقل السيناريوهات من ديوان عام الوزارة ومقر الرقابة على المصنفات الفنية بطلعت حرب، وضمها إلى مشروع متحف السينما بواسطة لجنة مشكلة لهذا الغرض.

وبالنسبة لمشروع «السينماتك»، تم تخصيص الأرض المجاورة للموقع المحدد للمتحف، لتصبح السينماتك المصرية، وهى ضمن المشروعات والمقرر البدء فيها قريبًا.