الثلاثاء 16 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

نصر أبو زيد.. الذين خذلوه.. والذين ذبحوه

نصر أبوز يد
نصر أبوز يد

- مصطفى محمود اتهم نصر حامد أبوزيد بالجرأة على القرآن.. وافترى عليه كثيرًا فى مقال بـ«الأهرام»

- أصدر محمد عمارة كتابه «التفسير الماركسى للإسلام» والذى خصصه كاملًا للرد على نصر أبوز يد وكتاباته

عانى نصر حامد أبوزيد خلال حياته وبعد مماته من أكبر عملية تشويه لإنتاجه العلمى، وهو ما أدى لأن يرسم الناس له صورة لم تكن حقيقية أبدًا، فقد استهدفه عبدالصبور شاهين ومن ساروا على طريقه، بعد أن نقلوا عنه بالباطل ما نسبوه لنصر منزوعًا من سياقه. 

عندما نقلب فى الأرشيف الصحفى سنجد جريمة مكتملة الأركان تم ارتكابها فى حق نصر. 

وحتى تتأكدوا مما أقوله لكم، فليس علينا إلا أن نقرأ بعضًا مما جاء فى المقالات التى استهدفته بعد أن تسربت أخبار عدم ترقيته إلى درجة أستاذ. 

فى مقاله «الإرهاب فى الجامعة»... وقصة «أبوزيد»، قال جمال بدوى فى جريدة الوفد عدد ٨ أبريل ١٩٩٣: «ما هذه الضجة الكبرى التى تدور رحاها فى الصحف ووكالات الأنباء الأجنبية بسبب امتناع لجنة الترقيات بجامعة القاهرة عن ترقية أستاذ مساعد بقسم اللغة العربية بكلية الآداب إلى درجة أستاذ؟». 

وبعد أن يستنكر بدوى الضجة التى يبدو أنه لا يعرف من أبعادها إلا ما عرفه من عبدالصبور شاهين، يقول: إن القضية لم تخرج عن اعتراض الجامعة على ترقية الرجل إلى درجة الأستاذية، وكان بإمكانه أن يلجأ إلى القضاء الإدارى إذا رأى فى مسلك الجامعة حيفًا أو ظلمًا، وهو أمر يحدث لكثير من أساتذة الجامعات دون أن يثير هذا الصخب الذى يطالعنا على صفحات الصحف ومن خلال وكالات الأنباء الأجنبية، ولا يمكن تفسير هذا الحشد الإعلامى إلا أنه حملة منظمة لترهيب الجامعة والإساءة إليها، وإظهارها فى صورة محكمة التفتيش التى تحاكم الناس على أفكارهم ومعتقداتهم، بل ونواياهم. 

وبعد أن يصول جمال بدوى ويجول فى القضية يخلص إلى أن نصر ارتكب إثمًا فى حق الإسلام، يقول: أقول للذين يحاولون العبث بالدين تحت ستار البحث العلمى فى الجامعة أو خارج الجامعة، اتركوا الدين وشأنه، واعلموا أن للدين حماته وأربابه والمقتنعين به، فدعوهم يعبدون الله بلا حذلقة وبلا فذلكة وبلا أنتكة. 

فى مقاله «حذار» الذى نشره ثروت أباظة فى عدد الأهرام ٩ أبريل ١٩٩٣ يقول: «من أسف أن البقية الباقية من حشرجة الشيوعية ونفايات الشيوعين انتهزوا الفرصة ويريدون بعد أن خابوا خيبة مبيدة فى مواجهة الديمقراطية أن يهاجموا الدين الذى تدين به الملايين فى مصر وفى العالم أجمع، ويدحضوا الذكر الحكيم الذى نزله الحق من فوق سبع سماوات، وتعهد أن يحفظه وقد فعل - فإذا هم فى صيحة واحدة يعقدون أذرعتهم ويتناولون فى شتى الصحف فى صيحة واحدة: أدركوا الديمقراطية، ولو أنك أمعنت النظر فيما وراء أصواتهم النكيرة - فهم أنكر الأصوات - لوجدت الصيحة: أسقطوا الإسلام، ويلهم... ويلهم منا نحن المسلمين». 

ويضيف: «أليسوا يقولون: اتركوا النصوص وحرروا العقول، أى نص يريدون إلا نص القرآن، فهم يشقون حناجرهم بهذه الصرخة الكافرة فى مناسبة اعتراض الجامعة على ترقية فتى أحمق ادعى أن عثمان مع تعددية النص، وكأن للقرآن عددًا من النصوص، كفرت ورب الكعبة وكفر كل من يساندك». 

وبصراحة لا تحتمل تأويلًا يكتب مصطفى محمود مقالًا عنوانه «مع عبدالصبور شاهين» وينشره فى جريدة الأهرام عدد ١٠ أبريل ١٩٩٣، يقول: الدكتور نصر حامد أبوزيد الأستاذ المساعد بكلية الآداب، قدم إنتاجه العلمى للترقية لدرجة أستاذ، وعرض هذا الإنتاج على لجنة علمية، وقدم الدكتور عبدالصبور شاهين تقريرًا عن هذا الإنتاج بعد دراسة متأنية، وانتهى إلى أن الإنتاج المقدم لا يرقى إلى درجة الأستاذية، واختارت اللجنة هذا التقرير ليعبر عن رأيها الجماعى، وجاء قرار مجلس الجامعة موافقًا ومؤيدًا لرأى اللجنة، وسقط الأستاذ، وهاجت الصحافة وقامت قيامتها بزعامة المعسكر العلمانى. 

ودون أن يقرأ مصطفى محمود شيئًا مما كتبه نصر أبوزيد يدينه استنادًا لتقرير عبدالصبور شاهين، يقول: والخلاصة المفيدة لإنتاج صاحبنا فى سطور قليلة أنه ينعى على الخطاب الدينى ويعيب عليه أنه يرد كل شىء فى العالم إلى الله وإلى مشيئته، وهو يرى أن هذا الكلام ينفى الإنسان وينفى القوانين الطبيعية والاجتماعية، وهو كلام لا ينسحب على الخطاب الدينى وحده، بل ينسحب على القرآن، فالقرآن كله من أول صفحة لآخر صفحة يرجع كل شىء إلى الله. 

لا يكتفى مصطفى محمود باتهام نصر بالجرأة على القرآن، بل يواصل افتراءاته عليه، عندما يقول: وبالمقابل نراه يدافع بحرارة عن الماركسية ويبرئها من تهمة الإلحاد. 

ويضيف: والغيب عنده أسطورة، وهو ينكر أن للقرآن وجودًا غيبيًا سابقًا فى اللوح المحفوظ، ويتهم القرآن بأنه لم ينج من المحو والإثبات، ويردد كلام الشيعة الذين ادعوا محو الآيات التى نزلت فى إمامة سيدنا على، ولا يرى صاحبنا فى القرآن إعجازًا إلا فى تغلبه على الشعر وسجع الكهان الذى كان شائعًا فى عصره، وفيما عدا ذلك فلا إعجاز له فى ذاته، وهو يتهم الإمام الشافعى بأنه ملفق ومغالط، وبالمقابل نراه ينتصر بحماس شديد لرواية «سلمان رشدى» «آيات شيطانية» ويضعها فى مقام «أولاد حارتنا» التى كتبها نجيب محفوظ رغم تجاوزات الأخيرة. 

وفى انحياز واضح يقول مصطفى محمود: وكان للدكتور عبدالصبور شاهين فى هذا الإنتاج العلمى لصاحبنا رأى علمى دقيق ومحايد، وكان رأى اللجنة بإجماعها موافقًا لرأى الدكتور عبدالصبور شاهين، واتفقت الآراء على أن تلك البحوث لا ترقى لدرجة الأستاذية، ولكن المتحمسين لهذا الهدم وهم قبيلة الشيوعيين القدامى ورجال الحرس القديم الذين انتهت دولتهم ولم تبق لهم إلا راية العلمانية يتجمعون تحتها، وخيمة الإلحاد يتظللون بها، هاجوا وماجوا وملأوا الصحف ضجيجًا وعجيجًا، وكعادتهم خلطوا الأوراق واتهموا اللجنة واتهموا عبدالصبور شاهين بالإرهاب. 

وفى ٢٠ أبريل ١٩٩٣ يكتب فهمى هويدى مقالًا مطولًا فى جريدة الأهرام تحت عنوان «حذار من اللعب بالنار»، يقول فيه: لا يستطيع المرء أن يكتم دهشته أمام المظاهرة العبثية التى فرضت نفسها على الإعلام المصرى طيلة الأسبوعين الأخيرين، رافعة ألوية الانتصار لأحد الأساتذة الذين رفضت جامعة القاهرة ترقيتهم، وهى مظاهرة لأنها بدت أقرب إلى الحملة المنظمة التى يقودها معسكر متكامل، توزعت عناصره على طول الجبهة الإعلامية وعرضها، وفى توقيت محدد، انهالت علينا تلك العناصر بوابل من المقالات التى ما برحت تردد كلامًا، وتردد هتافات واحدة، وهى عبثية لأنها فيما سعت إليه لم تتورع عن هتك وتقويض ما لا حصر له من القيم والمؤسسات والمفاهيم، فضلًا عن أنها بحجة مقاومة فكر الإرهاب أسرفت كثيرًا فى إرهاب الفكر. 

بعد أن يعرض فهمى هويدى القضية كما عرضها قبله مصطفى محمود، يطعن فى نصر شخصيًا، عندما يقول: إن الأستاذ الذى أثار الضجة له اهتمامه الملحوظ فى كتاباته بحقوق الملحدين «انظر تقديمه لكتاب الإسلام السياسى للباحث الفرنسى فرانسوا بورجا»، وإشارته إلى نفس النقطة فى مقال نشرته مجلة القاهرة التى تصدرها وزارة الثقافة عدد يناير ١٩٩٢، وإذ كان ذلك الموقف ونظائره هو الذى تدافع عنه الحملة الإعلامية التى يقودها البعض فى الصحافة المصرية، فمن حقنا بدورنا أن نذكر الجميع بحقوق المؤمنين، الذين أحسبهم الأصل والقاعدة فى مصر والعالم العربى والإسلامى. 

وفى زاويته «هذا ديننا» يكتب الشيخ محمد الغزالى بجريدة الشعب عدد ٤ مايو ١٩٩٣: «أزعجتنى جرأة الجهال على الإسلام، ثم نجاتهم من عقبى التطاول، كنا ونحن صغار نعرف أن أبا حنيفة مات سنة ١٥٠ هجرية، وأن الإمام الشافعى ولد فى هذه السنة، فكنا نردد أنه فى هذه السنة ولد إمام ومات إمام، ثم قرأنا لأستاذ جامعى أن الشافعى كان من عمال الدولة الأموية التى سقطت فى سنة ١٣٢ هجرية، كان فى ضميرها وهو فى ضمير الغيب». 

ويضيف الغزالى: وتتسع دائرة الجهل فيقول: إن عثمان بن عفان تعصب للقرآن القرشى، وأخفى القرآنات المكتوبة بلهجات القبائل الأخرى، وهذا التفكير فضيحة علمية يستحق عليها صاحبها التعزير، فلم يعرف التاريخ إلا قرآنًا واحدًا كان العرب القادمون من اليمن يفهمونه، وإن كانوا من جنوب الجزيرة، وكان أهل المدينة ومن فوقهم ومن حولهم يفهمونه، وإن جاءوا من شمال الجزيرة، فما هى اللهجات التى نزلت لها قرآنات أخرى. 

ويصل الشيخ الغزالى إلى المنتهى فى هجومه على نصر، فيكفره صراحة وبدون مواربة، عندما يقول: لا بد أن الكاتب كان مخمورًا حين ساق هذا اللغو، وجهله الثانى أقبح من جهله الأول، لأنه يتصل بأساس الإسلام ومعجزته الباقية، والمأساة أن يتصدى الشيوعيون للإسلام يبغون الارتقاء بمهاجمته، فإذا كشف القدر سوءة أحدهم تنادوا من كل مكان ليناصروا صاحبهم المخذول، ويمنعوه أن يسقط، إن القرآن هو الكتاب الفذ الذى تأذن الله بحفظه، إنه الوحى المصون الذى حرسته التلاوة والكتابة المتواتران، وأسلمته للأجيال، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكيف يتجرأ عليه كُويفر مغرور يتعثر فى بديهيات التاريخ، ثم يناطح الجبال الشُّم؟ 

ويؤكد الغزالى تكفيره لنصر بقوله: «كنت أعرف أن هناك حملة أقلام لا إيمان لهم، لكنى لم أكن أعرف أنهم يكرهون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على هذا النحو، ثم كشفت الأيام عن أنهم متآمرون بليل، فإذا ضبط أحدهم متلبسًا بكفره تصايح الباقون انتصارًا للخطأ والضلال، وإسهامًا مع الصهيونية والصليبية فى ضرب الإسلام، ولما كان الإسلام الآن يتعرض لهزائم عسكرية وسياسية، فإن هجوم أولئك الملاحدة يتزامن مع ساعات العسرة، أو أوقات الحرج التى تكتنف تاريخنا المهاجم فى جبهات شتى، فلنتخذ الحيطة ولنضاعف الحذر». 

وعلى صفحات مجلة أكتوبر يكتب محمد جلال كشك أربعة مقالات مطولة بدأها فى ٢٥ يوليو ١٩٩٣ وانتهى منها فى ٥ ديسمبر ١٩٩٣، كانت عناوينها كالتالى: من سهير البابلى إلى أبوزيد الشافعى - من الإمام الشافعى إلى المعلم نصر... فضيحة تاريخية جامعية - فضيحة المعلم لا مجال لمزيد - باسم القانون وشرف الكلمة، وجاء فى هذه المقالات الأربعة على كل ما كتبه ويمثله نصر باتهامات أقل ما فيها أنه كافر. 

المفارقة أن محمد جلال كشك نفسه مات وهو يناظر نصر عبر إحدى الفضائيات، فى نفس اليوم الذى نشر فيه مقاله الأخير على صفحات مجلة أكتوبر ٥ ديسمبر ١٩٩٣. 

كان جلال كشك وقتها فى الولايات المتحدة الأمريكية، وبينما يقول لنصر إن القضية ليست قضية التطليق، بل هى التزوير، وهل يصح لمن يزور النصوص ويختلق الوقائع لإثبات رأى مسبق فى حالة ما، ويندفع فى هذا الاتجاه إلى درجة التليفق، أن يبقى ضمن هيئة التدريس فى جامعة محترمة؟ وإذا به يصمت، ليعلن المذيع الذى كان يجرى المناظرة أن الأستاذ جلال كشك توفى، وكان قد أصيب بالفعل بأزمة قلبية فى فورة حماسه وهو يتهم نصر بالكفر. 

وفى العام ١٩٩٦ أصدر محمد عمارة كتابه «التفسير الماركسى للإسلام» والذى خصصه كاملًا للرد على نصر أبوزيد وكتاباته. 

قدم محمد عمارة لكتابه بقوله: بعد أن هدأ القصف الإعلامى المتبادل الذى شهدته ساحتنا الفكرية فى الضجة التى ثارت حول أفكار الأستاذ نصر حامد أبوزيد، والتى امتدت لسنوات ١٩٩٣ - ١٩٩٦، أعتقد أن الوقت قد حان لتقديم دراسة علمية موضوعية تحاول قدر الطاقة الالتزام بروح العدالة الفكرية وفضائل آداب الحوار، إذ لعلها بجلاء الحقيقة تعالج من جراح هذا القصف الإعلامى المتبادل، وتدعو فرقاءه إلى كلمة سواء، وإذا كنا نطمح ونأمل أن تبلغ هذه الدراسة تلك المقاصد العلمية النبيلة، فلا بد من التقديم بين يديها بعدد من المقدمات الممهدات. 

ورغم الجهد الهائل الذى بذله محمد عمارة فى أن يظهر أمام الجميع على أنه محايد وموضوعى يرفض التكفير وحكم التفريق، فإنه ومن خلال أحاديثه التليفزيونية ومنها مناظرته الشهيرة مع نصر على شاشة قناة الجزيرة، كان أحد المحرضين الكبار على نصر، بل قال بوضوح إن كتب نصر لن يقرأها أحد بعد ذلك، لأنها بلا قيمة، وهو ما أثبتت الأيام كذبه وإفكه وضلاله وبهتانه. 

الغريب أن محمد عمارة كان مراوغًا، وهو ما يظهر لنا من كواليس مناظرته مع نصر التى جرت عبر برنامج «الاتجاه المعاكس» على قناة الجزيرة فى ٣١ ديسمبر ١٩٩٦. 

التقى عمارة مع نصر بالفندق قبل ذهابهما إلى الاستديو، كان نصر ينهى إجراءات المغادرة بعد مبيت ليلة واحدة، إذ عاد بعد البرنامج مباشرة إلى هولندا، التقاه بالأحضان والسلام الحار رغم عدم وجود علاقة شخصية بينهما، اللهم إلا المساجلات الفكرية. 

يقول نصر عما جرى: حدثنى عمارة عن ضرورة إيجاد مخرج من المشكلة لكى أعود للوطن ولجامعتى وطلابى، وقال إنهم ، هكذا تكلم بصيغة الجمع ولم أسأله من هم هؤلاء الذين يتحدث باسمهم، يعتقدون أن أفضل السبل لتحقيق ذلك هو أن أنشر بيانًا يتضمن فيما يتضمنه أننى لم أقصد بما كتبت المعانى التى تبادرت إلى الأذهان، وأثارت كل هذه الإشكاليات، وأننى حسمًا للأمر وإثباتًا لحسن النية سأقوم بانتزاع العبارات الموهمة من كتبى فى الطبعات الجديدة، هذا البيان يعرض على فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، وهو رجل كما تعلم، يواصل عمارة اقتراحهم، مستنير وعادل، فلعله يقوم بإصدار بيان من جهته يصلح الأمور. 

سأل نصر عمارة: هل تعتقد أن بيانًا من شيخ الأزهر يلغى حكمًا قضائيًا أكدته محكمة النقض؟ 

فأجابه: هذه مجرد خطوة، ثم ننظر فيما يمكن عمله بعد ذلك. 

ذهب نصر مع محمد عمارة فى سيارة واحدة إلى قناة الجزيرة حيث تجرى المناظرة، وهما فى الطريق قال له نصر: لقد قرأت كتابك «التفسير الماركسى للإسلام» ولكنى عاتب عليك وعلى ضميرك الفكرى الذى سمح لك أن تختار توقيت نظر الدعوى أمام النقض لكى تسهم دون قصد، وأنا أفترض حسن النية دائمًا، فى تقديم أدلة إضافية للخصوم والقضاة، كان المفترض أن تؤجل ما أسميته «الحوار الفكرى» إلى ما بعد حكم النقض درءًا للشبهة، فمن أعظم تقاليد التراث الإسلامى التعفف عن مساجلة المسجون أو المقيد بإجراءات قضائية. 

جرى بعد ذلك ما أسف له نصر، يقول: من المؤسف أن الدكتور عمارة بعد أن عاد إلى القاهرة أدلى بحديث لصحيفة تسمى نفسها «الحقيقة»، ادعى فيه وقائع غير صحيحة بخصوص حديثنا الشخصى. 

هذه المدفعية الثقيلة التى واجه بها أنصار عبدالصبور شاهين نصر أبوزيد كانت السبب فى الوضع الذى وصل إليه نصر، وفى الصورة التى رسمت له، فرغم أن هؤلاء جميعًا لم يقرأوا ما كتبه نصر، بل اكتفوا بقراءة تقرير عبدالصبور شاهين والاستماع إلى ما قاله هو بنفسه، إلا أنهم شنوا عليه حربًا بلا رحمة، جردوه من كل شىء. 

لم يستطع نصر أن يقاومهم، كل ما فعله أنه واصل دراساته وأبحاثه التى فند فيها ما قالوه، لكنه لم ينزل إلى الأرض التى يعيش عليها من صدقوا فيه كل الكذب الذى لاحقه حتى بعد سفره خارج مصر. 

الأزمة أن نصر والذين ناصروه لم يكلموا الناس، لم يشرحوا لهم ما كان يقصده، لم ينظفوا ثوبه من الدنس الذى ألقاه عليه عبدالصبور شاهين ورفاقه. 

كانت هناك محاولات لدراسة إنتاج نصر أكاديميًا، لكن الدراسات للأسف الشديد ورغم أنها يجب أن تنطلق من أرضية الحياد العلمى، فإنها استسلمت للصورة العامة التى تم رسمها لنصر. 

وإذا أردتم دليلًا على ذلك، فلا أكثر من أن نقرأ معًا ملخص رسالة علمية نوقشت فى جامعة أم القرى بالمملكة العربية السعودية، وأعدها الباحث إبراهيم بن محمد أبوهادى فى قسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين، فى العام ٢٠١٣. 

يقول أبوهادى فى ملخص دراسته: «تدور فكرة الرسالة حول موقف نصر أبوزيد من التراث وكيفية تعامله معه، والمقصود بالتراث بالدرجة الأولى القرآن الكريم والسنة النبوية ثم شروحات العلماء لهما بالدرجة الثانية، حيث يعتمد نصر أبوزيد فى رؤيته للتراث وحكمه عليه على خلفياته الفكرية التأسيسية، من خلال طرح المعتزلة والمتصوفة مركزًا على النص القرآنى فى جانبه اللغوى وعلاقته بالإنسان باعتباره المقصود بالخطاب من جهة، والمشكل له من جهة أخرى، وذلك بحكم ثقافة الإنسان وبيئته التى ترتبط بالنص فى تنزيله». 

«ويعتمد نصر أبوزيد فى موقفه من التراث على منهج تأويلى، استفاده بداية من المعتزلة والمتصوفة، لكنه طبقه على القرآن الكريم بشكل واضح من خلال المناهج الغربية التى اهتمت بفلسفة التأويل». 

«ويرى أبوزيد أن المنهج الذى يجب أن يسلكه المرء فى فهم القرآن ليس منهج الاتباع، ولكنه منهج الشك والمراجعة وإعادة النظر، لا منهج الإيمان الأعمى واليقين الزائف والطاعة والتقليد». 

«وينتهى أبوزيد إلى أن منهج الإسلام يقوم على التعددية، لأن الخطاب الإلهى فى نظره ينطوى على تعددية تجعله مفتوحًا لآفاق التأويل والفهم، ولما يتمتع به النص من خصوبة لغوية، فهو بالتالى نص قابل للقراءة والتأويل مما يجعل أبوزيد من المنتمين للمذهب التفكيكى الذى ينتهى إلى القول بلا نهائية المعنى، وهو ما أكده بقبوله جميع الأديان على طريقة المتصوف ابن عربى». 

ورغم أن الدراسة كانت بعد وفاة نصر بثلاث سنوات، أى بعد أن اكتمل نصه تمامًا، فإن هذه الدراسات لم تلتفت إلى أن خطاب نصر تطور عبر سنوات عمره، وهو ما نجده فى كلام جمال عمر، صاحب كتاب «أنا نصر أبوزيد». 

يرى جمال عمر أن نصر مر بثلاثة انتقالات فى فكره عبر ثلاث مراحل أساسية. 

المرحلة الأولى عندما دخل نصر الجامعة عام ١٩٦٨، أى بعد عام واحد من هزيمة ١٩٦٧، وفى سنوات دراسته فى الجامعة شاهد تحول بوصلة النظام السياسى فى فترة حكم عبدالناصر وفترة حكم السادات، وكيف تحول المعنى الدينى الرسمى والسائد بين الحكمين، والاستخدام النفعى للنصوص الدينية لتبرير التوجهات السياسية، فمن «اشتراكية الإسلام» و«اشتراكية أبى ذر الغفارى»، ومن «الناس سواسية كأسنان المشط» كمعانٍ دينية للتوجه السياسى، بأن «الأرض لمن يزرعها»، تتحول البوصلة ويتم تصدير الآية الكريمة «رفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًا»، وأن «تسعة أعشار الرزق فى التجارة» لتبرر الانفتاح والرأسمالية الوطنية، ومن مواجهة العدو بمنطق «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل» لتتماشى مع توجه النظام السياسى «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة»، وفى السبعينيات مع فض الاشتباك ومفاوضات السلام فيتم تصدير «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله». 

كان السؤال الذى عانى منه نصر هو: لماذا هذا التحول فى المعنى الدينى؟ ولماذا هذا الاستخدام النفعى للنصوص؟ 

فى دراسته لتراث المعتزلة والمتصوفة فى تعاملها مع تأويل نصوص المصحف، فى أطروحتيه للماجستير والدكتوراه، وجد أن القدماء أيضًا حولوا نصوص المصحف لساحة عراك، كل فريق يستخدم النصوص ليجعلها تنطق بمبادئه الفكرية. 

كان السؤال الذى طرحه نصر على نفسه هو: هل يمكن الوصول إلى مفهوم للنص خارج هذه التحيزات الأيديولوجية؟ 

فكانت دراسته «مفهوم النص: دراسة فى علوم القرآن» محاولة للإجابة عن هذا السؤال وغيره. 

يشرح جمال أكثر: هذا العقدان السبعينيات والثمانينيات هما مرحلة القراءة الأيديولوجية للتراث عند نصر أبوزيد، فتحت تأثير أستاذه حسن حنفى فلسفيًا، وتأثير عبدالعزيز الأهوانى منهجيًا، وتواصله مع دراسات تحليل الخطاب، وتحليل النصوص، والهرمنيوطيقا التى تواصل معها بعمق خلال منحة له لمدة عامين بأمريكا فى نهاية السبعينيات- حاول نصر نقد الخطاب الأشعرى فى تصوراته حول القرآن وقدمه من ناحية، وواجه الهجمة الحنبلية الحرفية فى قراءة النصوص من جهة ثانية. 

المرحلة الثانية كانت من نهاية الثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات، حيث دخل خطاب نصر فى مرحلة نقد ذاتى تمثلت فى نقده لخطاب حسن حنفى، وفى نقده للخطاب المعتزلى، وفى نقده لمنهجه فى تناول ابن عربى فى رسالته للدكتوراه، ونقد خطاب النهضة فى الفكر العربى الحديث، ونقده للخطاب الدينى السائد فى الإعلام، وقتها دخل فى أزمة الترقية التى تحولت إلى كرة يتصارع بها وحولها المتصارعون ضد بعضهم بعضًا.

المرحلة الثالثة عندما خرج نصر من مصر، وفيها ركز على الدراسات القرآنية وليس الدراسات الإسلامية بشكل عام، وبدأت رحلة نقده لتصور المصحف على أنه نص، بالمعنى الحديث لكلمة نص فى الدراسات اللغوية الحديثة، المفهوم الذى أصل له هو ودافع عنه فى كتابه «مفهوم النص» بدأ ينقده، ليبدأ عملية الانتقال من تصور المصحف على أنه نص إلى النظر إليه على أنه خطاب. 

وينهى جمال عمر كلامه هنا بقوله: وفى سنواته الخمس الأخيرة كان نصر مشغولًا بالبحث عن «رؤية العالم فى القرآن» ومعظم جهوده فى الـ١٥ عامًا منذ رحل عن مصر حتى رحيله، كانت كتابات ومحاضرات بالإنجليزية، وللأسف معظم باحثينا وحتى باحثى الماجستير والدكتوراه حين يدرسون خطاب أبوزيد يقفون عند أبوزيد منتصف التسعينيات، وخصوصًا فى «مفهوم النص» فى حين أن أفكاره تطورت إلى «القرآن كخطاب» وإلى البحث عن «رؤية العالم». 

كل ذلك يجعلنى أعتقد أن أفكار ودراسات وأبحاث وآراء نصر فى صورتها البسيطة دون تعقيدات تحتاج إلى قراءة جديدة، حتى نعرفها على حقيقتها بعيدًا عن تقولات من ذبحوه. 

إننى أعتبر هذا الباحث الملهم مفكرًا مجددًا، ولن أكون مبالغًا إذا قلت لكم إننى أراه هو الذى كان يقصده الرسول، صلى الله عليه وسلم بقوله، «يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لأمتى دينها». 

قارنوا بينه وبين الوعاظ والدعاة الذى ملأوا الدنيا وشغلوا الناس. 

لن تجدوا فى بضاعتهم شيئًا يفيد الإسلام، أما هو فقد قدم ما يمكننا الاعتماد عليه وبشكل كامل فى تجديد الخطاب الدينى، والدخول بالإسلام إلى العصر الذى نعيشه يعتصرنا ونعتصره ويحيط بنا بالمشكلات المعقدة التى لابد لها من حلول نستعين فيها بقراءة جديدة لتراثنا الذى لم يتجاهله نصر، ولم يحط من شأنه، أو يسخر منه، أو يهينه، أو ينظر له من زاوية تفارق الدين، بل كان يدعو إلى إزالة التراب عنه وتنقيته، كان يسعى بدأب إلى أن يعقد مصالحة بين الماضى والحاضر؛ من أجل المستقبل، كان يرفع عن الناس سلطة رجال الدين الذين انحرفوا بالنصوص عن مقاصدها، وجعلوا منها وسيلة للتكسب وزيادة أرصدتهم فى البنوك، ولهذا كان طبيعيًا أن يسعوا إلى قطع رقبته قبل أن يتمكن هو من رقابهم.

حوار عمره 14 عامًا.. أحزان الدكتورة ابتهال المتجددة

كتاب «تجديد الخطاب الدينى».. الاستخدام النفعى للدين

أنا أفكر.. أنا مسلم