الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

السعدنى.. رائد أدب «الولا حاجة»

محمود السعدنى
محمود السعدنى

عرف المصريون القدامى والمعاصرون فى ثقافتهم الشعبية، على مر العصور، ظاهرة «صناعة الآلهة». 

صحيح أنهم لم يصنعوا هذه الآلهة المزعومة من العجوة، ثم يأكلونها إذا جاعوا كما فعل كُفّار قريش، لكنهم صنعوها من الرخام والجرانيت فى عهد الفراعنة، ومن الأسماء المشهورة الرنانّة فى عهود تالية، سواء فى السياسة، أو الثقافة، أو الصحافة.
ومن بين تلك الآلهة المزيّفة، التى لا يجوز المساس بها، أو حتى مجرد الاقتراب من مقامها العالى بمنطق أنك «إن اقتربت احترقت»، خُد عندك مثلًا: سعد زغلول، وأحمد فؤاد نجم، ونجيب محفوظ، وزكى جمعة! 
وموضوع هذه الحلقة من سلسلة «تحطيم الآلهة» التى سوف ننشرها تباعًا، إن شاء الله، هو الكاتب الراحل محمود السعدنى، الذى صدر له مؤخرًا فى «معرض الكتاب» 2024 نحو 13 عنوانًا جديدًا، لم تر النور خلال حياته الحافلة.
سمّى السعدنى نفسه فى كُتبه «الولد الشقى»، وكان له جولات وصولات، قابل خلالها رؤساء ومشاهير العصر، منهم حسنى مبارك وصدام حسين ومعمر القذافى وعبدالحليم حافظ، وغيرهم.
والحقيقة المؤسفة أن كاتب هذه السطور كان ذات يوم من المعجبين بـ«السعدنى»، حتى اكتشفت أنه رائد «أدب التهجيص» فى العالم العربى، وأن معظم ما جاء فى كتبه ما هو إلا محض أكاذيب وأوهام، اخترعها السعدنى تحت تأثير مخدر الحشيش، ومجرد أساطير ابتكرها خياله الواسع إرضاءً لمعجبيه وحوارييه، من بينهم عادل إمام وبلال فضل وصلاح السعدنى، وسواهم، ممن كانوا يلتفون حوله فى كل مكان، بما فى ذلك «نادى الصحفيين» على نيل الجيزة، ينقلون عنه كل ما يتفوه به من عبارات وإفيّهات، ويدوّنونها كأنه بوذا عليه السلام!

حكى السعدنى فى كتابه «مسافر على الرصيف» أن شاعرًا رومانسيًا مشهورًا غنى له كبار المطربين، وعلى رأسهم محمد عبدالوهاب وأم كلثوم، كان يعانى من حالات نفسية غريبة تأتى له على شكل نوبات حادة، قد يخلع خلالها ثوب الشاعر الرومانسى، ويرتدى ثوب القاتل!
ومن ذلك أن هذا الشاعر، الذى اشتهر خلال الستينيات من القرن الماضى، وله ابنة مذيعة معروفة فى الإذاعة المصرية، كان يستقبل فى منزله الكاتب «وديع فلسطين» لقراءة الشعر باللغة الإنجليزية، حيث كان شاعرنا يسعى إلى تعلّم هذه اللغة وقتها، للترقى فى السلك الوظيفى. 
وحسب رواية السعدنى الواردة نصًا فى الكتاب: إذ هما يقرآن معًا ذات ليلة شيئًا من أبيات الشاعر البريطانى أوسكار وايلد، ظهرت قطة صغيرة على باب الغرفة، وراحت تموء فى استعطاف، فما كان من الشاعر، الذى شوهد منذ لحظات حالمًا وسارحًا فى شواشى الشعر، ما كان منه إلاّ أن أخرج طبنجة «مسدسًا» من درج المكتب، وشدّ الأجزاء، وأطلق على القطة المسكينة رصاصة واحدة فى الرأس، فأرداها صريعة، ثم وضع المسدس فى الدرج بهدوء، وكأن شيئًا لم يكن!
وفزع «وديع» بشدة مما حدث، وكاد يُغمى عليه من الخضّة، مستنكرًا ما فعله مضيفه الذى كان منذ لحظات أرق من نسمة الجنوب، فهب «وديع» واقفًا وقال لصاحبه مرعوبًا: ليه عملت كده يا أستاذ؟
قال له الشاعر: كان لازم أعمل كده عشان تبطّل «وداعة»!
والطريف أن صحيفة «الحياة» اللبنانية التى كانت تصدر فى لندن، سألت وديع فلسطين، فى حوار طويل معه، عن هذه الواقعة فأنكرها تمامًا، وأكد أنها من «بنات خيال السعدنى»، وأنها لم تحدث على الإطلاق، بل هى مجرد «أكذوبة أدبية» إن صح التعبير!
هذا، ناهيك عن أنه كان يسخر من ذلك الشاعر، الذى كان يجلس بجواره على «قهوة عبدالله» فى ميدان الجيزة، آنذاك، ولا يُعير السعدنى أى اهتمام، لذلك زعم الأخير أنه- أى الشاعر- يتعاطى الأفيون، ويظل جالسًا بالساعات يتأمل المارة فى الشارع، وكأنه يراهم، وهو لا يراهم!
والحقيقة أن ما حكاه السعدنى عن الشاعر «م. ح. إ»، كان من باب التشنيع، وهى أمور قد يجوز اختراعها فى جلسات التحشيش على سبيل الدعابة، لكن كتابتها ونشرها فى كتاب أمر غير جائز بالمرة!
والطريف أن السعدنى اعترف، غير مرة، أنه وصديقه الشاعر الغريب كامل الشناوى كانا يعطيان رواد «قهوة عبدالله» دروسًا مجانية فى «فن التشنيع»!

السعدنى 

إذا كان محمود السعدنى قد حوّل التهجيص إلى أدب، وكتب خلال حياته عشرات الكتب ومئات المقالات عن وقائع ملفقة غالبًا، فقد أفتى الرجل أيضًا بغير علم فى أشياء أخرى، ما كان له أن يفتى فيها أبدًا!
ومن ذلك أيضًا حديثه المستفيض عن القارئ الشيخ عنتر مسلّم، أحد أهم القرّاء المصريين، والذى أصدر عن كاتب السطور كتابًا بعنوان «الكروان الممنوع».
فى فصل بعنوان «مأساة الشيخ عنتر»، يقول السعدنى فى كتابه «ألحان السماء»: «إن المأساة الحقيقية فى هذا العصر هى مأساة الشيخ مسلّم عنتر (هكذا!)، فهو صاحب صوت جميل للغاية، وله طريقة فذة فى الأداء، واستطاع أن يفرض نفسه بموهبته على إذاعات العالم الإسلامى والعالم العربى، وكان صوته مادة ثابتة فى الإذاعة الإيرانية (..) إنه أشبه بنبتة غريبة، فقد استطاع أن ينمو بموهبته وحدها، دون دراسة أو معرفة معتبرة بعلم القراءات، ودون أن يتدرب على يد شيخ يلقنه أصول القراءة، كان صوته هو السلاح الوحيد فى المعركة، وهو سلاح فعّال بلا أدنى شك، ولكن الشيخ صاحب الصوت الجميل كان مجردًا من التروس والدروع، وهى أدوات ضرورية إذا أراد المقاتل أن يواصل المعركة حتى النهاية».
يضيف الكاتب: «هنا كانت مأساة الشيخ الذى تصوّر أن القراءة عملية اجتهادية، لا تحتاج إلى ضوابط. وبالتأكيد لم يكن الشيخ (مسلم عنتر) يدرك أن دراسة علم القراءات ضرورية للقارئ. وربما عرف من بعض محبيه أن الشيخ محمد رفعت كان يقرأ بالقراءات السبع، وأن القراءات السبع تعنى أن يقرأ الآية الواحدة سبع مرات، كل مرة بطريقة مختلفة. لم يعرف الشيخ أن علم القراءات يسمح للقارئ بالتصرف، ولكن فى حدود مفروضة، لا يمكن تجاوزها أو الخروج عنها».
تناول السعدنى قضية مسلّم بشكل أقرب للتعريض والسخرية، منه إلى محاولة إنصاف الشيخ وسط أهل زمانه الغاضبين عليه. 
ومع أن الكاتب كان إبّان شهرة الشيخ منفيًا خارج مصر لأسباب سياسية، إلا أنه أورد عن مسلّم فى هذا الفصل الكثير من المعلومات أكثرها مغلوطًا، كما سيبيّن لاحقًا، لكونه استقى معظم هذه المعلومات سماعيًا، فلم يسمع السعدنى الشيخ جيدًا، حتى إنه أخطأ فى ذكر اسمه ٣ مرات، فأطلق عليه فى كل مرة اسم «مسلم عنتر».
هذا يعنى أن السعدنى لم يكن يعرف ما يكتب عنه، وأن مسألة نقد القرّاء كانت بالنسبة له سماعية، مثل ثقافته، ناهيك عن أن معرفته بعلم القراءات، ليست أفضل من معرفة «خالته بهانة» باللغة الصينية، والتعبير له، فليس صحيحًا بالمرة أن «القراءات السبع تعنى أن يقرأ الآية الواحدة سبع مرات، كل مرة بطريقة مختلفة». والصحيح، الذى يعرفه أى تلميذ إعدادية أزهرية، أن القراءات كلها تتفق فى طريقة نطق آيات كاملة، والاختلافات بين أوجه القراءة قد تكون فى آية أو كلمة واحدة فقط، على مدار سورة كاملة، وقد لا تكون هناك أى اختلافات.
وهذا غيض من فيض أكاذيب السعدنى وتلفيقاته، التى قد نتطرق إليها فى مقال آخر.