الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

فى المقهى الذى أشيشُ فيه

لوحة لفان جوخ
لوحة لفان جوخ

فى المقهى الذى أشيشُ فيه كل يوم،

أرى رجالًا يمرحون بصدق،

وآخرون تغتالهم الوحدة

ويؤنسهم جمر الشيشة ورائحة المعسل الرائقة.

فى المقهى الذى أشيشُ فيه كل يوم،

أعثر على جزء هارب من ذاتى،

تطفئ نيرانه 

سحبات الأنفاس المتتالية،

وينتشى بأثر المعسل المُهدئ.

فى المقهى الذى أشيشُ فيه كل يوم،

وجدت ظل عمى الميت،

ذلك الرجل الذى

كان يخلط المعسل بالحب كل ليلةٍ

ويدخن من الأحجار أربع،

بيد أنه فى يومٍ بارد 

شعرَ بالكرم تجاهى

فرصَّ لى أنا الفتى

حجرًا منهم

ودخن ثلاثًا وحكى لى 

قصة حياته المليئة بالخيبات المتتالية.

فى المقهى الذى أشيشُ فيه كل يوم،

التقيت بصديقى الغائب

مصادفة،

أخذنا السمر ولم نُفِق من سكرة اللقاء

حتى غيَّر لنا النادلُ حجرين

وصب لنا كوبى شاي مُنعنع

وجلس فى ركن من مقهاه يبكى،

لا لشيء

إلا لأن المعسل قد نفد

ولم يجد من يهديه نفسًا.

فى المقهى الذى أشيشُ فيه كل يوم،

يعلو السباب

لأن أحد رواده يقرُص على الزهر

فيأتى بشيشٍ فى كل رمية،

أمَّا صديقه عثر الحظ 

يقرص هو الآخر 

ولا يأتيه سوى يك الدو،

يا إلهى أنجهِ من العثرة

فلا مفر له من الأحزان

سوى هذه الطاولة.

فى المقهى الذى أشيشُ فيه كل يوم،

جلس أحدُ المشايخ الذى

أخذته العزة بالوعظ،

فألقى كلمةً لم يسمعها أحد

فلقد علت كركرات الشيشة،

لكن حدث وأن خفت نحيبُ الفتى الحزين

فى ركنٍ من المقهى

وأنصت للشيخِ حتى أطفأ الجمر

وأذَّن للصلاةِ

ولم أره منذ يومها سوى فى حال النُّساك.

فى المقهى الذى أشيشُ فيه كلَّ يوم،

لا نرى القمر 

ولا أثرًا لنجمِ الشمال،

لكن دخان الشيشة يخلق سرابًا بديعًا

وجمالًا يسلب عقول الجالسين،

يجلس الناس جماعات

يتبادلون النميمة وينتشون بالغيبة

وتحلو لهم السبَّات

فيُنسى كلٌّ منهم رفيقه

تعب اليوم وسماجة رب العمل

وحزنٍ بلا حبيبة

وألم دون دواء

وصلاةٍ بلا قبول 

فلقد نبذونا 

واستأثر الواعظ والفتى بالأجرِ كله.