الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

بين القدس ومكة.. مقارنة إسرائيلية عن «مدينتى الإسراء والمعراج» فى القرآن

بين القدس ومكة
بين القدس ومكة

- تشابه بين صورة الكعبة الموجودة فى القرآن وصورة القدس فى التقاليد اليهودية

رؤية مثيرة للجدل يتبناها الكاتب الإسرائيلى أورى روبين، فى كتابه الذى حمل اسم: «بين القدس ومكة.. القداسة فى القرآن والتقاليد»، والذى سعى خلاله إلى وضع مقارنة دينية بين مدينتى القدس ومكة المكرمة، فى نص القرآن الكريم، وتحديدًا ما يخص قدسيتهما.

الكتاب صدر فى سبتمبر 2019، وهو يلقى الضوء على تاريخ مكانة مدينة القدس فى الإسلام، مشددًا على أن «قدسية المدينة واضحة بالفعل فى القرآن، الذى يصف كيف أسرى الله بالنبى محمد ليلًا من المسجد الحرام فى مكة إلى المسجد الأقصى».

ويرى «روبين» فى كتابه أن التباين بين قدسية مدينتى القدس ومكة يظهر فى القرآن، على خلفية التغيرات التى طرأت على العلاقة بين النبى محمد واليهود العرب، مضيفًا: «مع وصول المسلمين الأوائل إلى أرض إسرائيل (بحسب وصف الكتاب)، بعد وفاة النبى محمد، تجددت الحرمة القرآنية للمسجد الأقصى فى وعيهم».

ويقول المؤلف فى مقدمة الكتاب إنه «يناقش صورة مدينتى القدس ومكة، وكيفية تصويرهما فى التقاليد منذ صدر الإسلام، على الرغم من أن هذا الموضوع قد تمت مناقشته بالفعل فى سلسلة طويلة من الدراسات، بما فى ذلك تلك التى تناولت المقارنة بين تصنيف هاتين المدينتين المقدستين».

ويضيف: «يقول هربرت بوس، أحد العلماء، على سبيل المثال، إنه من الممكن ملاحظة تشابه بين صورة الكعبة الموجودة بالفعل فى القرآن، وصورة القدس فى التقاليد اليهودية قبل الإسلام، وبعد وفاة محمد، عندما وصل المسلمون إلى إسرائيل وسوريا، بدأت عملية هجرة التقاليد من القدس الإسلامية إلى مكة، وقد تسارعت العملية على خلفية الصراع الذى تطور بين المركز السياسى الجديد فى سوريا وأرض إسرائيل (الأمويين)، والدوائر المحافظة فى شبه الجزيرة العربية، التى خرجت للدفاع عن مكانة التراث الحجازى فى الإسلام، وأعطت الكعبة فضائل القدس».

ويعلق «روبين» على ذلك بقوله: «هذه تشخيصات صحيحة، لكن خلال هذا الكتاب، أحاول إظهار أن جذور التنافس على درجة القداسة بين القدس ومكة، وهو التنافس الذى اشتد خلال العصر الأموى، متجذرة فى القرآن... هنا بالفعل بدأت قدسية مدينة القدس الإسلامية، وهو ما لا يقوله بعض العلماء».

ويقدم المؤلف الإسرائيلى بعض التفاصيل حول القرآن الكريم، «بما أنه هو نقطة الانطلاق فى المناقشات الواردة أدناه، التى تختلف عن الدراسات السابقة حول مكانة القدس فى الإسلام».

ويوضح أنه «بحسب التقاليد الإسلامية، فإن القرآن يحتوى على كلمة الله التى نزلت على النبى محمد عن طريق المَلك جبريل، أولًا فى مدينة مكة، وعمل محمد هناك نحو ١٠ سنوات، حتى هاجر إلى مدينة المدينة المنورة عام ٦٢٢، وهناك استمر فى تلقى الوحى حتى وفاته عام ٦٣٢»، مضيفًا: «أى أن نشاط محمد كنبى دام، حسب التقليد، ١٠ سنوات فى مكة ومثلها فى المدينة».

ويواصل: «معظم أعمال تحرير القرآن لم تتم إلا بعد وفاة النبى، وتم الانتهاء منها فى عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان (توفى ٣٥هـ/٦٥٦م)، وقد تم ترتيب الوحى الإلهى فى ١١٤ سورة، ولكنها لا تظهر فى المصحف حسب ترتيب نزولها، وفى الواقع، لا يوجد فى القرآن نفسه أى تفاصيل تتعلق بوقت نزول كل سورة، وكل التفاصيل حول التسلسل الزمنى للوحى نستمدها من مصادر غير قرآنية، وتحتوى هذه المصادر على قوائم السور مرتبة حسب ترتيب نزولها، المكية أولًا ثم المدنية».

ويكمل: «سأعتمد فى الفصول التالية على قائمة قديمة نسبيًا، منسوبة إلى مفسر القرآن عطاء الخراسانى، الذى عمل فى نهاية العصر الأموى وبداية العصر العباسى (توفى ١٣٩هـ/٧٥٧م)، ومن المثير للاهتمام أن القائمة تضم ١١٣ سورة فقط، دون سورة الفاتحة، ما قد يشير إلى أن (نص الصلاة) هذا لم يكن يعتبر فى البداية جزءًا من القرآن»، وفق تعبيره.

ويتابع: «قائمة عطاء الخراسانى ليست الوحيدة، والاعتماد على أى قائمة تسلسل زمنى، مهما كان، يتطلب الحذر الشديد، علاوة على ذلك، فقد قدم الباحثون المعاصرون اقتراحاتهم الخاصة لإعادة بناء الترتيب الصحيح للوحى».

ويشير إلى أنه «ومع ذلك، هناك شىء فى القوائم التقليدية يعلمنا التمييز بين السور المكية والمدنية، على الرغم من أن الترتيب الداخلى فى كل فترة غامض إلى حد ما، وبشكل عام يمكن القول إن التمييز الموثق فى القوائم التقليدية بين العصر المكى والمدنى، يتماشى مع الاختلافات الشكلية والمضمونية الموجودة بين سور مرحلة ما قبل الهجرة، والسور اللاحقة».

ويخلص المؤلف إلى أنه «يترتب على كل ما سبق، أننى لا أدافع عن الأطروحة المتشككة التى اكتسبت شعبية فى النصف الثانى من القرن الماضى، والتى بموجبها ليس القرآن هو المصدر الإسلامى الأقدم لدينا، وأنه سبقته نصوص تم إنشاؤها خلال عصر النهضة، والقرون الأولى للإسلام، والتى وفقًا لها، لم ينم الإسلام على الإطلاق فى شبه الجزيرة العربية، بل خارجها».

ويضيف: «أشير إلى ذلك، لأن هذه الأطروحة تغلغلت أيضًا فى الدراسات التى تناولت التاريخ المبكر للإسلام فى أرض إسرائيل، وتطور قدسيتها الإسلامية، ولهذا السبب من المهم بالنسبة لى أن أؤكد على الخط الذى يفصله عن المنهجية غير الراديكالية الواضحة لكتابى الحالى».

وفى الفصل الأول للكتاب، يقول أورى روبين: «تتجلى قدسية القدس فى الإسلام من جذورها القرآنية، وستكون نقطة البداية لتتبع هذه الجذور خلال الفصول التالية، هى التشخيص الموجود بالفعل فى القرآن بأن القدس ومكة تنتميان إلى مكان مقدس مشترك، يُدير فيه الله على مر العصور خطة الخلاص لمؤمنيه».

ويشير إلى أن «المدينة المنورة» أو باسمها القديم «يثرب»، المذكورة فى القرآن، تقع أيضًا فى نفس المكان المقدس، لكن على عكس مكة، التى ترجع قدسيتها إلى فترة ما قبل الإسلام، فإن قدسية هذه المدينة حديثة العهد نسبيًا، وقد تم إنشاؤها بفضل وصول النبى الذى توفى ودفن فيها.

ويضيف: «سنركز خلال فصول الكتاب على التباين الداخلى للأنماط المقدسة من القدس إلى مكة، وأن بداياته واضحة بالفعل فى القرآن، وربما حتى قبل ذلك (...) أما بالنسبة للقرآن، فسوف نرى فى الفصول التالية كيف أن تقلب أنماط القداسة من القدس إلى مكة يتميز بالاختلاف بين الآيات التى تدور حول أرض إسرائيل والقدس، والآيات اللاحقة التى تعطى الأولوية فيها لمكة والكعبة، والتى تشكل قدسيتهما على غرار القدس وأرض إسرائيل».

ويواصل: «إن التقاليد التى سنتناولها فى الفصول التالية، وانتشرت بالفعل بعد انتشار الإسلام خارج حدود الجزيرة العربية، ستبين لنا كيف استمرت هجرة أنماط القداسة من القدس إلى أرض الجزيرة العربية، بل واكتسبت زخمًا». وينبه إلى أن دراسة ديناميكيات مجال القداسة فى القرآن والأحاديث ستتم وفق ٥ محاور متوازية، تعكس جوانب قداسة القدس، منذ القرآن فصاعدًا، وهى كالتالى: «قلب الأرض- أرض الخلاص- أرض القيامة- أرض الأنبياء- أرض المعبد المقدس».

ويعلق المؤلف الإسرائيلى: «هذه هى الفضائل الخمس التى تتمتع بها القدس وأرض إسرائيل، وبعض مكوناتها على الأقل انجذبت إلى مكة والكعبة، وبعضها موجود بالفعل فى القرآن نفسه، وبعضها فقط فى التعاليم خارج القرآن».