الجمعة 24 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

نص روائى خاص لحرف.. الحلم جائحة الجدار لـ حسين دعسة (2-3)

حرف

على قلق بين حضنك الخفى...

اجتمعنا فى حوش التّبن، حرير الروح و«خضرة المحمد» و«سعاد» الأخت الكبرى، صرخَتْ يمامة محبوسة على جدار أصابعى، هاج كل اليمام المطوّق، غاب وعاث... فى العشش ننام بعيدًا عن خوف الريح. 

لاحظَتْ الأخت الكبرى تعبى، قالت لى:

• سافر! 

.. وأمّا أنا فوافقتُ على السفر، رأيتكِ تتبادلين الأماكن بين صدرى ويدى، فغفا حدسى فوق لون خط نور العين، حريرها يعاند الرغبة وتنسلّ نحو مخطوط مكبَّل بالجدل، منه قرأت مرّات ومرّات، لعلَّ عزلة الدنيا تتفتَّت:

.. وممّا كان، ذات ليلة، ظلَّ الحبيب ساهمًا، ساهرًا، حتى ظنَّ اليمام أنَّ النَّوم قد غشيه «...» ففرَّ هاربًا، خارج شذرات حرير الروح، وسلك طريقًا آخر، نحو دفاتر الصيادين، ورثة النيل فى الطَّرف البعيد.

كنتُ أنا الصياد، أشرعتى شال مسروق يغتسل بعرق معطَّر، فقد دلَّلته بشرتكِ الشهيّة. تحدِّثنى الروح، لا أحد يسمعها غير أمى. 

كنتُ أقلب اليمام، يُسمعنى هديل غنى بالموسيقى والشهوة.

وسمعتُ أمى «خضرة» تحدِّث الحرير عن خيط الهديّة، وإنَّهُ يومًا ما، يصل إلى مراده.

قالت والكلّ شهود:

- العصا سليمة والسيف مكسور.. وأنا فى طريق الله، أترقَّب عودة اليمام إلى أصابع حبيبى.

فقال الشهود:

«العصا لك وسيفك مهاب يا حرير الروح. 

فيه ما تمّ تأجيله لأسباب كثيرة

.. حاولى أن تحتفظى به».

فى الجزء الثانى من رسالتى سأكتب لكِ من وسط عمّان القديم؛ قاع المدينة، تفاصيل مختلفة من سرديّات معلّقة فى زمن العزلة والحظْر. 

طيفكِ يتغنّى بالرّسم الكبير من ورق وبقايا قهوتى الغامقة. 

مرة ثانية. 

كان الجمر، تمر الرضع، رأيت ظل البارون يتمدد، يصل غرفتى، أطاحت الحروب كل تعب الروح، رأيته يمد سكة الترام من شارع نوبار إلى مخيم العريش، يدعو لى، يختار الأنخاب، يقفل شاشة تفضح كل الحكاية، كأنه يقرأ فى رواية عن جحيم قدس دانتى، إنه جحيم صديقى زياد خداش الذى ارتحل بين السطور وترك شهادة عصيبة فى موات عرب غزة، فى دفاتر طبقات الجهاد، وسعى خضرة المحمد للخروج الى البحر، إلى القدس، إلى مخيم الطالبية:

مشهد أول:

زياد أصح، آخر باص لرام الله على العشرة، ما تنسى.

الصورة ملتقطةٌ فى إحدى قاعات فندق الملك داود بالقدس، فى أحد صباحات شهر أكتوبر من عام ١٩٤٠، الصورة يظهر فيها المفكر المصرى الكبير عباس محمود العقاد، واقفًا أمام جمهور، مائلًا قليلًا إلى الأمام، متكئًا على كرسى، خلف المفكر يظهر خدم الفندق ونادلوه، ويظهر جانب من الجمهور وهو يستمع لمحاضرةٍ أدبيةٍ للعملاق المصرى الذى لم يكمل الصف السادس الابتدائى، والذى طبقت شهرته الآفاق العربية.

* المشهد الثانى، أمام شاشة اللابتوب:

الصورة لم تعد بالنسبة لى صورة زمن قديم بالأبيض والأسود، الصورة صارت صهوة فرسٍ خيالى أركبها وأسافر إلى قدس الأربعينيات، أجلس على رصيف مقهى بيكاديللى، لأشرب القهوة مع الإعلامى والمؤرخ اللبنانى نويهض عجاج، ثم أستأذنه لأصعد الطابق الثالث من عمارة المجلس الإسلامى الأعلى، القريبة من المقهى، لأقابل صديقًا هناك، ثم أهبط إلى مقبرة مأمن الله، لأقرأ الفاتحة على شهداء المسلمين وقضاتها وعلمائها، ثم أمشى باتجاه شركة مرسيدس الفلسطينية أفاوض صاحبها على شراء سيارة بالتقسيط، ثم أعود بعدها إلى رام الله، حيث زمن آخر وسياقات أخرى.

* المشهد الثالث، ساعة الغروب:

- فاصل عاجل: عاجل | صفارات الإنذار تدوى فى أفن مناحن بالجليل الغربى عند الحدود اللبنانية الفلسطينية. 

كنت أرغب فى معرفةِ عن أى شىءٍ حاضر الضيف المصرى الكبير فى زيارته تلك إلى القدس، كتبت الصحف الفلسطينية آنذاك أنه ألقى محاضرة أدبية، فيما بعد، ومع توسعى فى البحث عبر الشبكة عن موضوع الزيارة، تبين أن العقاد حضر إلى القدس بدعوة من جمعية الشبان المسيحية بالقدس، وأنه لم يكن الوحيد المدعو. كان هناك وفدٌ كبيرٌ يضم عددًا من أدباء مصر على رأسهم الكاتب المصرى الساخر عبدالقادر المازنى، وكان فى استقبال الوفد الشاعر الفلسطينى عبدالكريم الكرمى «أبو سلمى».

* المشهد الرابع، ليلى فى ركن شجرة الزيتون خارجى:

غادرت زمن الأربعينيات، وصحوت على صوت حميدان عبيدات وهو يقودنى فى سيارته، حميدان صديقى ورفيقى فى أوجاع الظهر والولع بروايات ماركيز والملل من النساء المقيمات فى نفس الفكرة، المهندس من جبل المكبر، صديقى الطيب المصاب، بالدسك فى الظهر والرقبة، قال لى على الهاتف: تعال إلى القدس كل خميس ولك عندى جولةٌ هادئةٌ فى أحشاء أحياء القدس، ندخل زمن الأربعينيات قبل الكارثة بسنوات، نتحسر ونضرب سقف السيارة بقبضتنا، ونحن نصيح: كيف حدث ما حدث؟ كيف كيف؟ ونسأل ونسأل، وندوخ من خجل الإجابات، هاى هى الأحياء تنتظرنا، الطالبية والقطمون ومأمن الله، والبقعة الفوقا. فتّح عيونك يا صديقى على مصراعيها، وحاول أن تتماسك، واشرب أمكنة أجدادك وبيوتهم، وغص بها، واشرق، ومت بسببها مختنقًا أو حالما إن أردت.

- فاصل مشوش: هام | المتحدث باسم الجيش الإسرائيلى: قوات الجيش تخوض معارك وجهًا لوجه مع المقاومين الفلسطينيين فى ممر نتساريم وسط قطاع #غزة، حيث أجرى قائد القيادة الجنوبية وقائد الفرقة ١٦٢ يوم أمس تقييمًا للوضع فى المنطقة مع قوات الجيش، وفى إطار تقييم الوضع، جرى نقاش القتال الذى تجريه القوات فى المنطقة.

* المشهد الخامس، بعد عصر ذات يوم:

أخذنى حميدان إلى بيت إدوارد سعيد فى حى الطالبية، وقفت أمامه وأنا أحاول تخيل أدوار الطفل وهو يلعب فى الفناء الذى لم يعد فناء، أطل يهودى أمريكى: وصرخ فينا قبل أن يعرف من نحن وماذا نريد، «بالعبرية التى ترجمها لى حميدان على الفور»: أوه أنتم مرة أخرى، تغير البيت، تغير كل شىء، تغير الزمن، اذهبوا اذهبوا، وكفوا عن البكاء، وسمعنا صوت بنتٍ خلفه تقول له: لا يا أبى النوافذ لم تتغير، جدى رفض تغييرها ألا تذكر؟.

- فاصل تليفزيونى إذاعى أسود وأبيض:

عاجل | المقاومة الإسلامية فى لبنان تعلن استهداف موقع ‏رويسات العلم الإسرائيلى فى تلال كفرشوبا اللبنانية المحتلة وانتشار جنود الاحتلال الصهيونى، فى محيطه بقذائف المدفعية. 

فى إحدى الجولات قادنى حميدان «بدسكيه» المرعبين إلى بيت المترجم والإعلامى والأديب اللبنانى عجاج نويهض - الذى عاش فى القدس خمسة وعشرين عامًا مدافعًا عن قضايا العرب القومية- فى البقعة الفوقا، قرب سكة الحديد، والكولونيالية الألمانية، أوقف حميدان سيارته وأشار بيده: هنا عاش لبنانى عظيم، وهنا تذكرت سردًا محزنًا لبيان ابنة نويهض عجاج وهى تتذكر اليوم الأخير لها فى القدس، ذكرت فيه أنها مرت فى رحيلها المؤلم رفقة عائلتها عن مقهى ( بيكادللى) فى حى مأمن الله، وأنها تحسرت على ليالٍ طويلة وسهراتٍ أمضاها والدها فى المقهى رفقة أدباء وإعلاميين ومفكرى ومناضلى القدس، عادت بى زيارة بيت اللبنانى العظيم إلى مربع الحنين والحسرة، قلت لحميدان خذنى إلى هناك بسرعة، قادنى صديقى الوفى بسيارته التى تضرر سقفها من ضربات قبضات أسئلتنا، وصلنا هناك، جلسنا نشرب القهوة فى بيكاديللى، مع. ملك البزق السورى محمد عبد الكريم، ثم صعدنا إلى الطابق الثانى فى عمارة المجلس الإسلامى الأعلى، لنسأل عن موعد المظاهرة القادمة ضد الهجرة اليهودية، ثم هبطنا نحو مقبرة مأمن الله لنقرأ الفاتحة على شهداء الأمة، ولم نذهب إلى شركة مرسيدس لأن لا مال كافيًا معنا لشراء سيارة، ثم مشينا مسرعين إلى فندق الملك داوود لنستمع لمحاضرة عباس محمود العقاد، وفجأة أيقظنى حميدان: زياد آخر باص لرام الله على العشره، ما تنسى.

* فاصل أخير:

كنتم مع زياد خداش، فى بكاذية الجدار والحلم وقصص البلاد والعباد، فى هوامش ومتون دمار غزة، نرجع يومًا معنا الكتب والصور وحكايات أرض بكاد أطفالها من رحيق الجنة، أتذكر يا خداش، كم كنا نخدش أغصان البرتقال فى يافا، نطعمه الأبقار عاقر لنرتوى من حليب لم يحدثنى عنه الشعراء، بل دونته عيون أبى ساعة ودعنا إلى غزة يخطب البنت الشلبية . 

وحدها...

اكتشفَتْ حرير الروح قصاصات صفر أوراقها، كنتُ أغالب يوم الحظر واعتزل داخل عالمى، أقلّب ما فى فصول الحياة من قلق، وانحدار، جوع وصمت. 

... وتألَّقَتْ وحيدة مع طيفها. هاج صمتى من جمالها الشهرزادى الممزوج بالياسمين، تاج يسرد لى مرارة البعاد. 

جادلها.. صراخ، هرج ومرج، إنه خطّ يدك، هذا القلم أعرفه، سن ريشة الباكر، حبر بلون عينيك!

أزحتُ حبرى من غشاوة عينىّ، كانت تلتهم الكلمات، وتدلَّلت بغنج على صبر حكايات المُرّ وعشق طيف سرمدىّ حنون، بدأت تقرأ:

فصل من رواية مخطوطة:

منزل «خضرة المحمد»!

قلبى تاه.

أشرتُ أنْ جدِّدى نبْرَ صوتكِ يا حرير الروح، فقد هاج العقل وبانَ ميقات الأقمار السالفة. 

كان لحرير الروح بساطها المحمول على كاهل الرِّواية، تمايلت، تناولت وهج الحبر، فضَّ ما يهدّنى، وسال بين كاعب وتعب، وبانت ساعة زلزل فيها جرس، يسرق رهين الكتب وطيف حرير الروح التى تابعت بصوتٍ ملائكىّ:

دارت الأيام ووجد نفسه خارج المخيَّم، بعيدًا عن خط القطار المجنون إلى حدّ الغربة.

لم تكن أمه «خضرة المحمد» تجفِّف دموعها إلا لتعاود البكاء مجدَّدًا.

صَمَتَ جرس الإنذار، بكت بطيفها ولوعتى؛ بانَ كاهلٌ من نار ونور، دَنَتْ وقلّبت الورق القديم.. تابعَتْ تفضُّ صمْتَ البيت:

جال «المختار» فى أزقة دمشق باحثًا عن زهر الياسمين لعله يتشمّم عطرها اﻷزلى؛ لكنه حمل جرحه وغاب إلى مشارف قاسيون، هناك كتب رسالته اﻷولى.. بهىّ الذاكرة، يعاند ألمه، وقرَّر العودة إلى رائحة القطار الذى حمله؛ هل ما زالت أمه على تلك المحطّة بثوبها المطرَّز.. أم أنَّها نامت تداعب أحزانها؟

وقال فى سرِّه:

- وبالمقارنة بحزنها ولوعتها فإنَّ سيّدة المخيَّم هى أمى!

بدا شاحبًا أمام جراح المعركة، قاسيًا فى قراراته.. لوعته حملت بقايا أوراق رسالته حيث النَّهر بردى.

اختلط عليه لون الحبر وتلك الدماء التى توشِّح يده.

ركَّز خوفه من غربة الوطن وشكل عالمه الجديد بعيدًا عن السيدة؛ ﻷنها تحفظ سرَّ الغزالة.

... وحدى، غفا ظلّى، جلتُ مع طبيبى مودّعًا باب غرفة الفحص.. صوتها يعيدنى إلى غرغشة كأنَّها عُشّ يمام متعب من ظلِّ البرودة الإنجليزية العتيق.. 

... وهى تقرأ، تبلبل الأجواء بحمى صوتها:

عانق الطيف متحسِّسًا برودة السلاح.. عاد إلى درج المحطّة يتأمّل ياسمين الجدار حيث دكان الحلّاق.

اعتَزَمَ تغيير يومه وتشمَّم ريح المساء مُناجيًا تلك الظلال الشبحيّة التى تزامنت مع صوت الحلاق العجوز.

■ ابكِ سلاحكَ وأمّك.

فبكى جواهر حلمه الثورىّ.. أمام شبح الغزاله.

■ ﻻ تتركنى وحيدة يا حبيبى.. أنت أرضى ومختارى.. وسندى.

كان صوت المقصّ يعاند ألمه وصوت «خضرة المحمد»:

■ سنحبّكَ إلى أن تعود أنت والوطن.. هذه قلادتى فلا تزِلْها عن رقبتك إلى أن تعيدَها إلى رقبتى موشَّحة بالدَّم والحب.. والحب يا مختار.

... وحيدة تمامًا؛ يومها الخامس فى الحظر أتعبها.

أختى الكبرى استغرقت حوارى مع حرير الروح، قالت، تريد أنْ أسمَعَها، كلّ البيت سمع نبرها.. هاتف مغيبها:

■ بحثكَ عن الفيروس أثقلَ عقلك، اخرج من سيرتكَ الأولى، سافر لعلكَ تجد طريق الحرير. 

... على خوف، قال لى الرّاوى، إننى قد أثقلتُ يوم صديقى طبيب القلب. 

انتبذتُ جسدى على تراب التّبن، وغابت سيدة الأرض.

عندما تحاول البحث، وحدك.

تركن إلى الهدوء، هى فترة إجباريّة فيها لذّة وقلق، ومحاولات للبحث عن ذلك الفيروس اللعين.

ممكن أن يكون كلامنا فى تلك اللّوحة الخفيّة، ألوانها تميل إلى الغموض، رسمتُها من أجل حرير الروح؛ ذلك أنَّها كانت تجاورنى، تغسلنى بمحبَّتها العميقة، تنثر فضَّتها لتشملنى بالإبداع، وهو يتَّصل بعينها، وتلك الأقمار النّابتة بين الروح وتفاصيل أخرى.

محاولة البحث؛ مرَّرت عبر الهواء المعطر، تلك التسريبات التى خضع لها فيروس يعيش قلق ملاحقته، عشَّش أعلى قمّة يحيط بها النهر العظيم، وتلك القصص التى حرَّرت ليلنا، إلى جانب عربات تتنقّل بين مفردات المدينة وأقمارها.

أبحث، لا أخاف، فالصوت، صوتى الخامس؛ يهدهد اليمام الخافى فى مكمنه.

... أفكك ساعة من الوقت، لا تتحلّل، هى تبيت، بيات على شكل هروب منّى- إليها.

نترقَّب انهيار تلك الإشارات التى يتبعها العجوز وقد رأيت ابتسامته، يسأل عن أثر الطريق.

كنتُ، فى عالمنا الآن، لكنَّنى أنال من حضنٍ، غفوت على صوت يقرأ لى حكاية خفيّة عن تلك الحكيمة.

.. لن أنسى ما قيل عن تلك الفيروسات التى تتبادل الأمكنة، تحيط بالنوافذ وأصص الأزهار المُتعَبة.