الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

مطرب الرئيس الأول.. لماذا بكى فريد الأطرش فى ضريح عبدالناصر؟

جمال عبدالناصر وفريد
جمال عبدالناصر وفريد الاطرش

أنت تعرف أن الرئيس جمال عبدالناصر كان متيمًا بعبدالحليم حافظ، لكن ما رأيك إذا قلت لك أن عبدالناصر كان يميل أكثر إلى فريد الأطرش، بل كان يعتبره مطربه المفضل؟ 

فى واحدة من جلسات عبدالحليم التى كان يتحدث فيها عن علاقته بعبدالناصر التى تصل إلى مرحلة الأب بابنه، قالت له النجمة نادية لطفى، وكانت من صديقاته المقربات: خلى بالك الراجل الكبير مش معاك، إنما مع فريد الأطرش، وأولاده هم اللى بيحبوك. 

كثيرون لا يعرفون تفاصيل العلاقة التى ربطت بين فريد وعبدالناصر، ولك أن تتخيل أن كاتبًا كبيرًا مثل مفيد فوزى الذى عاش عصر عبدالناصر، وكان فاعلًا فيه كاتبًا ومحققًا ومحاورًا، قال إنه لم يكن يعرف أن فريد هو مطرب عبدالناصر المفضل، وأعتقد أنه قال ذلك تعليقًا على كتاب أيمن الحكيم «رسائل لها تاريخ» الذى وثق فيه رسائل فريد إلى عبدالناصر. 

ذروة القصة يقف فى القلب منها فيلم فريد «عهد الهوى» الذى عُرض فى ٧ فبراير ١٩٥٥ بدار سينما ديانا بالقاهرة. 

كان فريد قد عود جمهوره أن يحضر العرض الأول لأفلامه، لكن ذبحة صدرية منعته من حضور عرض «عهد الهوى» فى دار السينما، ففكر أن يكتب رسالة لعبدالناصر أن يحضر العرض بين الجمهور، وهو ما حدث بالفعل، كتب فريد واستجاب عبدالناصر وحضر العرض الأول للفيلم فى سينما ديانا هو وعدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة، ثم توجه إلى منزل فريد ليطمئن عليه. 

كان المحيطون بفريد ينظرون إليه على أنه مجنون، عندما قرأوا رسالته لناصر التى قال له فيها: «لقد عودت جمهورى أن أحضر افتتاح أفلامى، وأريد من سيادتكم الحضور نيابة عنى واستقبال جمهورى». 

فؤاد الأطرش شقيق فريد نظر إلى شقيقه بريبة، اعتقد أن المرض أثر على قواه العقلية، بل توقع أن يرد عبدالناصر باعتقاله هو وأخيه على أقل تقدير. 

لكن المفاجأة أن عبدالناصر حضر العرض هو وعدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة الذين اصطحبهم معه، والمفاجأة الأكبر أن عبدالناصر صافح فؤاد الأطرش على باب السينما، وقال له: خلو بالكم من فريد ده قيمة كبيرة، وهو ليس شقيقك وحدك ولكنه شقيق كل مصرى. 

أغلب الظن أن فريد لم يكن يعرف عبدالناصر معرفة شخصية حتى هذا الوقت، لكنه توسم فيه حبه للفن وتقديره له، وربما كان حضور عبدالناصر عرض الفيلم مفاجأة له، ولم يجد طريقة لرد جميل الرئيس إلا أن يتوجه إليه فى مكتبه فى اليوم التالى للعرض متحاملًا على نفسه ومتحملًا آلامه، وأعلن تبرعه بعائدات الفيلم لمدة شهر لضحايا سيول قنا. 

كان عبدالناصر يعرف قيمة فريد الأطرش الفنية، كما كان يميل له باعتباره مطربًا عربيًا كبيرًا، وقد يكون ذلك ضمن فكرته الكبرى لنسج خيوط القومية العربية، كما كان يعرف عن المطرب الكبير وطنيته، فمن بين ما فعله فريد مثلًا فى ١٣ أكتوبر ١٩٥٥ أنه زار عبدالناصر فى مكتبه وقدم له شيكًا بمبلغ ٣٠٠ جنيه مساهمة منه فى تسليح الجيش المصرى. 

ميل عبدالناصر لفريد يظهر فى منتصف الستينيات، كما يسجل عبدالنبى بشار فى كتابه «فريد الأطرش نغم فى تراث العرب»، فعندما تعرض لأزمة صحية وهو يصور فيلمه «الخروج من الجنة» احتاج إلى السفر إلى الخارج، وكان السفر وقتها يتم بخطاب مغادرة يستخرج من ميدان التحرير، وكان الحصول عليه صعبًا جدًا، إلا أن عبدالناصر منحه استثناء من الحصول على هذا الخطاب كلما أراد السفر، بينما بقى هذا الإجراء ساريًا بالنسبة للفنانين الآخرين، ولم يكرر عبدالناصر هذه المعاملة تقريبًا إلا مع السيدة أم كلثوم عندما منحها جواز سفر دبلوماسيًا بعد حفلتها فى الأوليمبياد فى نوفمبر ١٩٦٧. 

كان فريد الأطرش هو صاحب فكرة حفل شم النسيم السنوى، وعندما سافر خارج مصر عدة سنوات أصبح هذا الحفل مرتبطًا باسم عبدالحليم حافظ، وفى العام ١٩٧٠ عاد فريد مرة أخرى ليحيى حفل عيد الربيع، وحدد له نفس اليوم الذى سيغنى فيه عبدالحليم.

وقع عبدالقادر حاتم وزير الإعلام وقتها فى حيرة، فأى حفل من الحفلين يذيعه على الهواء مباشرة على التليفزيون المصرى، وضع حاتم حيرته أمام عبدالناصر الذى انحاز لفريد الأطرش، وقرر إذاعة حفله على الهواء مباشرة فى نفس اليوم، وتسجيل حفل عبدالحليم وإذاعته فى اليوم التالى مباشرة. 

عبدالناصر فعل ما هو أكثر من ذلك، ففى صباح يوم الحفل أصدر قراره بالإنعام على فريد بقلادة النيل، وهو ما كان تكريمًا له طعمه الخاص، وقد بدا ذلك فى حالة الإحساس النادرة التى غنى بها فريد ليلتها أغنيته «سنة وسنتين» التى عبر فيها عن شوقه الجارف لمصر. 

عندما توفى جمال عبدالناصر فى ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠ كان فريد الأطرش خارج مصر، عاد على الفور وخرج من المطار إلى ضريح عبدالناصر، وسجلت الصحافة وقتها صورته وهو خارج من الضريح يمسح دموعه، فقد اعتبر أن وفاة عبدالناصر اليتم الثالث فى حياته بعد وفاة والدته وشقيقته أسمهان. 

لقد غنى فريد الأطرش لعبدالناصر كما لم يغن أحد، رغم أن كثيرين ينكرون عليه ذلك معتقدين أن عبدالحليم حافظ هو وحده صاحب النصيب الأكبر فى الغناء لناصر، لكن عندما نراجع تراث فريد سنجد أنه غنى لعبدالناصر كثيرًا. 

ففى الاحتفال بتأسيس الجمهورية العربية المتحدة غنى «مرحب مرحب مرحبتين». 

وفى فيلمه «ودعت حبك» غنى له «إحنا لها»، وشاركته فى الغناء بطلة الفيلم شادية. 

وغنى له كذلك «جمال حامى البلاد». 

وفى استقبال الجيش المصرى العائد من اليمن غنى «حبيب حياتنا كلنا.. جمال حبيبنا كلنا». 

وفى أحد أعياد الثورة غنى «يا مرحبا بك يا جمال». 

وغنى للسد العالى أغنيته «أسطى سيد»، وهو موال يقول فيه: «قالوا لى مين اللى هل وحطم الأغلال/ ومين اللى عدا فى جيل واحد سبع أجيال/ ومين اللى أصبح له فى القلوب تمثال/ مين اللى بنى للعروبة مجدها الغالى/ مين اللى بنى للعروبة سدها العالى/ قالوا لى مين/ قلت مين غير حبيبنا جمال». 

ورغم أن كثيرين يرون أن عبدالحليم كان مطرب أفراح أبناء عبدالناصر، إلا أن فريد غنى فى حفل زفاف هدى عبدالناصر على زميلها حاتم صادق فى عام ١٩٦٥، والمفارقة أنه غنى ليلتها أغنية وطنية يقول مطلعها: الليلة يا ريس لبسنا العرب طرحة المجد. 

معظم أغانى فريد الأطرش لعبدالناصر مجهولة ولا تتم إذاعتها كثيرًا، ولا أعرف سببًا واضحًا لذلك، ما أعرفه فقط أنها جزء من تراثنا الغنائى ويجب الإفراج عنها. 

بعد كل ذلك كان طبيعيًا أن يرثى فريد الأطرش جمال عبدالناصر بأغنيته التى قال فيها: «حبيبنا يا ناصر/ يا أعز الحبايب/ بطل وإنت حاضر/ وبطل وإنت غايب/ زعيمنا يا ناصر يا أغلى الرجال/ يا فاتح طريق مجدنا يا جمال».