الثلاثاء 16 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

هل حكم مصر القديمة فراعنة سود؟

تمثال فرعونى
تمثال فرعونى

ما حركة « الأفروسنتريك»؟ 

هى حركة عنصرية بغيضة توجد بشكل كبير فى الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية التى ينتشر بها بعض من الجماعات ذات الأصول الإفريقية. وكرد فعل للتفوق الحضارى الغربى الحديث، ونتيجة لما عانى منه الأفارقة من استعباد وعنصرية واضطهاد فى الغرب، خصوصًا فى الولايات المتحدة الأمريكية؛ ونظرًا لعظمة الحضارة المصرية القديمة فى مواجهة حضارة الغرب الحديث، وكنوع من إثبات الذات والتفوق الحضارى، ادعى أصحاب تلك الحركة أن أصل الحضارة المصرية إفريقى فقط، وأن الأفارقة هم من بنوا الحضارة المصرية القديمة، وأن أجدادنا المصريين القدماء لا علاقة لهم بها، ولم يكن لهم أى دور فى بناء الحضارة المصرية القديمة العريقة. ويدعى أولئك أيضًا أن موطن المصريين القدماء الأصلى هو ر، وأننا تركناها إلى مصر، وهاجمنا الأفارقة، واحتللنا مصر، بلدهم، وطردناهم منها، وأننا- المصريون- دخلاء على الأرض وعلى الحضارة، كما يدعون جهلًا وعنصرية وكذبًا. ويدعو أولئك المدعون إلى العودة إلى الجذور، أى العودة إلى وطنهم الأصلى، أى مصر، أرضنا الخالدة المباركة. وكى يوهموا العالم بصحة ادعائهم، يغيرون من شكل التماثيل والمناظر المصرية القديمة، ويظهرون وجوه المصريين القدماء بلون أسود للإيحاء بأن أصلهم إفريقى بكل كذب واحتيال. وينشرون تلك الصور ذات الوجوه السوداء فى كل كتاباتهم ومعارضهم بالخارج.

ظهرت حركة الأفروسينتريك منذ سنوات وتزداد انتشارًا ومدعومة من جامعات ومؤسسات أمريكية ومعادية. وعلينا أن نرد وندافع عن حقوقنا الواضحة، وأن نفضح ادعاءاتهم الكاذبة ضد مصر العظيمة وحضارتها الخالدة، وتوضيح الحقائق التاريخية للعالم كله؛ وذلك لإيقاف نشاط حركة الأفروسينتريك المعادية ضد الحضارة المصرية. ومنذ فترة، تمت إذاعة عمل فنى ذى نزعة معادية ومشوهة للحضارة المصرية أظهر الملكة كليوباترا ببشرة سمراء على غير حقيقتها. ومن المعروف أن كليوباترا لم تكن سمراء. ولن تكون هذه هى المرة الأولى، ولن يكون هذا العمل هو الأخير، أو الدعوة الأخيرة، إلى سرقة حضارتنا المصرية العظيمة. فكفانا صمتًا على تزوير وسرقة وتزييف الحضارة المصرية القديمة وأشهر ملوكها وملكاتها. وعيلنا أن نستعد للدفاع عن حضارتكم المصرية القديمة وكل ما يتعلق بها؛ حتى لا نفاجأ فى يوم من الأيام، ليس ببعيد، بسرقة حضارتنا المصرية العظيمة من بين أيدينا دون أن ندرى.

هل كان الفراعنة سودًا؟

فى البداية، أؤكد أن مصر جزء أصيل وفاعل من القارة الإفريقية. ولم تكن هناك أية عنصرية أو أى استعلاء عرقى أو حضارى من مصر القديمة على جيرانها أو على الحضارات التى تفاعلت معها. 

من المعروف أن مصر تقع فى الجزء الشمالى الشرقى من إفريقيا. ويوجد عدد كبير من الحضارات الإفريقية المتميزة جنوب الصحراء. وكان لمصر القديمة امتداداتها الجغرافية والتاريخية والحضارية فى إفريقيا عبر وادى النيل فى النوبة العليا، والتى تعرف أثريًا لدينا باسم «كوش»، والتى كانت تمتد إلى الجندل السادس فى السودان الحالية، على عكس النوبة السفلى التى كانت تقع داخل الحدود المصرية بين أسوان ووادى حلفا. 

منذ أقدم العصور، كان لمصر القديمة وجود وتفاعل كبيران فى العمق الإفريقى. ووصل إلى القمة فى عصر الدولة الحديثة، أو عصر الإمبراطورية، حين وصلت الحدود المصرية إلى الجندل الرابع فى أرض كوش. وكان ملوك الدولة الحديثة يعينون حاكمًا مصريًا لإدارة أرض «كوش» أو النوبة العليا. وكان يحمل لقب «سَا نِسو إِن كَاش» أو «ابن الملك فى كوش». ومن قبل ذلك بكثير، كانت النوبة العليا مصرية، أو متمصرة، ومتشبعة بالثقافة المصرية وعلى علم وثيق بنظم الإدارة المصرية وبكل مفردات الحضارة المصرية. وقام المصريون القدماء بذلك من أجل تأمين التجارة الواردة لمصر من الجنوب، والتى كانت مصر فى أشد الحاجة إليها. ولعبت الدبلوماسية والتجارة والقوة العسكرية أدوارها بين مصر القديمة وعمقها الإفريقى حسب طبيعة كل عصر من عصور التاريخ المصرى القديم. 

صُور بعض المصريين القدماء ببشرة سمراء فى بعض الأعمال الفنية؛ وذلك لأسباب دينية كانت مرتبطة بتصوير الرب أوزير سيد العالم الآخر وعالم الظلام وعالم الموتى؛ وكان يتم ذلك التصوير لضرورات عقائدية. ولم يكن المصريون القدماء ذوى بشرة سمراء، كما ظهروا فى بعض من تلك الأعمال الفنية من نحت ونقش وتصوير، والتى بنى البعض نظريات خاطئة تقول إن المصريين القدماء كانوا من ذوى البشرة السوداء. 

لقد شارك الكوشيون فى العمل داخل مصر فى عدد من الوظائف. ودُفنوا داخل أرض مصر. بعد نهاية عصر الدولة الحديثة، مرت مصر بعصر الانتقال الثالث. وكان عصرًا فى قمة الضعف على كل المستويات. وفى نهاية ذلك العصر، هبط الكوشيون أو أهل النوبة العليا، الذين كانوا متمصرين؛ لإنقاذ مصر وحضارتها الخالدة من التردى الذى حدث لها بعد عصرها الذهبى العظيم. وقام الملك الكوشى بيعنخى، أو بيا، بغزو مصر وتوحيد البلاد تحت سلطة ملك كوشى واحد. وسيطر هو وخلفاؤه، والذين كان أهمهم الملك طاهرقا، على مصر لفترة زمنية ليست بالكبيرة. 

كان أولئك الملوك الكوشيون يعرفون اللغة المصرية القديمة، وكانوا يتعبدون إلى المعبودات المصرية القديمة مثل الإله آمون. وبعد وفاتهم، دفنوا أنفسهم فى أهرامات صغيرة الحجم؛ تقليدًا لأسلافهم الملوك المصريين الذين أُعجبوا بهم وقلدوهم فى بناء أهرامات بعيدة عن أهرامات الجيزة فى الحجم والزمن، لكنها قريبة منها فى الفلسفة والشكل والمغزى.

لقد حكم الملوك الكوشيون مصر لفترة زمنية قصيرة تقدر بحوالى ثمانية وثمانين عامًا. وخرجوا من مصر تحت هجمات الآشوريين الذين أنهوا حكم الكوشيين، والذين عادوا إلى بلادهم فى عاصمتهم الجنوبية فى نباتا. وتأسست فى مصر أسرة وطنية هى الأسرة السادسة والعشرون الصاوية فى سايس، أو صا الحجر فى وسط الدلتا المصرية. 

هذه هى القصة الحقيقية باختصار شديد وبإجابات مبسطة عن الأسئلة. عاشت مصر الأرض التى رحبت، ولا تزال، بالجميع، والتى احتضت، ولا تزال، كل الثقافات والعرقيات والملل والنحل. 

لماذا ظهر المصريون القدماء بلون أسود؟

كان قدماء المصريين أكثر الحضارات تقدمًا فى عصرهم. وكانوا قادرين على تنفيذ أعمال فنية جميلة، بما فى ذلك التماثيل والمناظر، سواء فى النقوش البارزة أو الغائرة أو التصوير. وهناك البعض من تماثيلهم أو مناظرهم يظهرونهم فى بعض من آثارهم بلون أسود. فهل كان المصريون القدماء من ذوى البشرة السوداء؟ 

كانت التماثيل المصرية القديمة تُصنع من الأحجار الفاتحة مثل الجرانيت الوردى الأحمر، أو الحجر الجيرى. وكان يتم صنع العديد من التماثيل القديمة أيضًا من الخشب أو مواد أخرى يمكن طلاؤها أو تزيينها بالألوان. وكان بعض التماثيل المصرية القديمة يُصنع من الجرانيت الأسود والبازلت، وهما من الأحجار ذات اللون الداكن. بالإضافة إلى ذلك، كان يتم طلاء أحيانًا البعض من تلك التماثيل أو الأعمال الفنية بنوع من الصبغة يسمى «الأزرق المصرى»، والذى كان يعطيها مظهرًا يميل للون الأسود مع مرور الوقت بعد تلاشى تلك الصبغة. 

كان اللون الأسود ذا رمزية كبيرة فى الديانة المصرية القديمة فى مصر القديمة. لقد اعتقد المصريون القدماء اعتقادًا راسخًا أن اللون الأسود كان يرمز إلى التربة السوداء الخصبة لبلدهم. وكانوا يطلقون على بلدهم، أى مصر، اسم «كيمت»، السوداء أو السمراء؛ بسبب خصوبة أرض مصر التى كان يخصبها نهر النيل الخالد بغرينه الفائق الخصوبة. أى أن كيمت تعنى الأرض السوداء الخصبة. واعتقدوا أيضًا أن اللون الأسود يمثل نهر النيل نفسه. وكان النيل ضروريًا للحياة المصرية القديمة؛ إذ كان هو شريان الحياة، وكان يوفر لهم المياه للرى والنقل. ولقد كان سيد الآلهة، الإله الأشهر، الرب أوزيريس أيضًا هو رب الاخضرار والنماء والزارعة والبعث والقادر على تخصيب وإنبات الأرض المصرية؛ لذا صُور باللون الأسود الذى يلد على ذلك. وكان اللون الأسود يرمز إلى الظلام البدائى الذى كان موجودًا قبل خلق العالم، أو فى العالم الآخر، عالم الظلام، أو العالم السفلى أو العالم الآخر الخاص برب الظلام والعالم الآخر، أوزيريس، أو «كيمى»، أى الأسود، الذى كان سيد عالم الظلام وعالم الآخر، ورب الموتى، وسيد محاكمة الموتى فى العالم الآخر؛ لذا فقد اعتقد المصريون القدماء أن اللون الأسود هو لون الموت والآخرة، لون ربهم أوزيريس، سيد عالم الموتى، والذى عاد من عالم الظلام؛ كى ينجب ابنه وخليفته وولى عهده على عرش مصر، الإله حورس، ابن الربة إيزيس، ثم عاد أوزيريس سيدًا على العالم الآخر مرة أخرى. وصُور بعض المصريين القدماء فى تماثيلهم وآثارهم باللون الأسود تشبهًا بربهم الأكبر الإله أوزيريس. واعتقد المصريون القدماء أنه من خلال صنع تماثيلهم بلون أسود أنهم سوف يكونون قادرين على حماية المتوفى من الأرواح الشريرة فى العالم الآخر. ومهما كان السبب من وراء ذلك التصوير الفنى الدينى باللون الأسود، فقد أبدع المصريون القدماء بعضًا من أجمل التماثيل وأكثرها إثارة للاهتمام فى العالم كله منذ وقت العثور عليها إلى الآن. 

إذًا، لقد ظهر المصريون القدماء فى بعض من تماثيلهم أو مناظرهم فى بعض آثارهم بلون أسود بغرض فنى صرف ذى دلالات دينية عديدة، كما سبق الذكر، ولم يكونوا فى الأصل أصحاب بشرة سوداء.

من هى الملكة كاتيمالا؟

إن هناك مَن يريد تصوير عملى وثائقى درامى عن ملكة من إفريقيا، فإننى أرشح له بمنتهى القوة الملكة كاتيمالا؛ فقد عثرنا على لوحة للملكة كاتيمالا فى منطقة سمنة فى النوبة. وتعد تلك اللوحة دليلًا نصيًا مهمًا على أصول دولة حكام نباتا الكوشيين الذين كانوا موجودين إلى جنوب من مصر فى السودان الشقيق. وهى لوحة مهمة بها نص ومنظر يقدمان الملكة كاتيمالا أو كاريمالا (وتُكتب أحيانًا باسم كايمالو) فى منطقة سمنة. وتوجد لوحة الملكة كاتيمالا حاليًا فى متحف الخرطوم فى السودان. 

كانت اللوحة موجودة إلى الغرب من الباب الأوسط على واجهة معبد يرجع إلى عصر الدولة الحديثة فى سمنة. وتمت إزالة المنظر الأصلى واستبداله بمنظر آخر لملكة نحيفة القوام، مع مرافقتها، تقدم القرابين للإلهة المصرية إيزيس. وربما تعد الملكة الأولى منذ زمن الملكة حتشبسوت التى قدمت نفسها كملكة لمصر العليا والسفلى. وتنتمى تلك الملكة الغامضة إلى الحضارة المروية المتأخرة فى التاريخ النوبى. ومن خلال الأسلوب الفنى للوحة والنص الهيروغليفى المصرى المتأخر المكتوبة عليها، فإن النص المكتوب على اللوحة يسبق اللغة التى تم استخدامها قبل غزو الملك الكوشى بيعنخى، أو بيا، لمصر فى بداية عصر الأسرة الخامسة والعشرين الكوشية. ويرجع النص إلى ما قبل الكتابة المروية. 

يعنى اسم كاتيمالا أو «كَادِي-مِل(يِه)» «المرأة الجميلة» فى اللغة المروية القديمة. وربما كانت كاتيمالا جدة لملوك الأسرة الخامس والعشرين الكوشيين. ويناسب ظهورها البارز فى تلك اللوحة الطبيعة الأمومية للمجتمع النوبى والظاهرة فى النصوص الخاصة بفترة حكام نباتا والمؤسسة المروية المعروفة باسم «كَان كِده» أو «كَان دِسه» أى «الملكة الحاكمة». 

يسجل النص نتيجة أحداث عنيفة حرض عليها أحد الأعداء، ويدعى «مكاراش»، بعد فترة هادئة حدثت فى عهد أسلاف تلك الملكة، وربما كانوا الملوك المرقمين من الألف إلى الدال، والذين دُفنوا فى مقابر الكورو الملكية المبكرة فى السودان. وربما كان الملك غير المسمى، والذى تصارع معه العدو «مكاراش»، زوجًا للملكة كاتيمالا. وتشير شجرة العائلة الخاصة بالملك الكوشى أسبلتا (حكم من ٦٠٠ ق.م.، وتوفى عام ٥٨٠ ق.م.) إلى ست أجيال من الملكات السابقات، وانتهت بمن حملت لقبى «أخت الملك وسيدة كوش»، والتى من المحتمل أن تكون هى الملكة كاتيمالا، والتى حكمت فى حدود العام ٨٥٠ ق.م. 

عاصرت الحاكمة كاتيمالا، أغلب الظن، الفترة من عصر الأسرة الحادية والعشرين إلى عصر الأسرة الثانية والعشرين فى مصر القديمة. وعلى الرغم من أن التأريخ الدقيق للنص، وبالتالى كاتيمالا، غير مؤكد، فإنه يمكن افتراض أنه يعود إلى عصر الأسرة الحادية والعشرين أو عصر الثانية والعشرين. وتعد تلك الفترة هى العصر المظلم فى التاريخ النوبى، والذى لا يُعرف عنه أى شىء تقريبًا. ويثبت ذلك النص استمرار وجود بعض أشكال السلطة. 

حملت كاتيمالا لقبى ابنة الملك والزوجة الملكية العظيمة. وتظهر الملكة وهى ترتدى التاج الريش المزدوج، ورداءً طويلًا، وتمسك بشارات الحكم فى يديها. وفى اللوحة، ظهرت كقائدة سياسية فذة وشخصية عسكرية من طراز رفيع. وسيطرت على النوبة السفلى على الأقل فى أعقاب أنشطة عسكرية فاشلة بها. ويعد النقش الموجود على لوحة الملكة غير مقروء، ولكنه مثال جيد على الكتابة فى النوبة لبيان سياسى دينى يطبق عليه العديد من تقاليد النصوص المكتوبة.

جاءت الملكة كاتيمالا من إفريقيا؛ لتعبر عن إفريقيا بمنتهى القوة فى فترة مهمة من تاريخ مصر والنوبة، وتوضح مدى انتشار حضارة مصر القديمة وثقافتها عبر أرض وادى النيل الخالدة. تلك ملكة من إفريقيا العظيمة. وأرشحها بشدة؛ كى يتم عمل فيلم وثائقى درامى عنها؛ يخلد سيرتها، ويسرد التعايش والتواصل فى أرض وحضارة وادى النيل البازغة. 

مصر هى التى علمت العالم.