الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

المسرح مفتاح الحياة

تشير بعض الدلائل التى ظهرت مؤخرًا أن أقدم مسرحية فى التاريخ الإنسانى هى مسرحية «آلام أوزير»، التى ظهرت فى عهد الملك بيبى الأول، فى القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد، وهى مسرحية طقسية تشخص أسطورة «إيزيس وأوزوريس» أسطورة الخلق.. وهذا الاكتشاف المثبت على غير ما كان شائعًا أن أول ظهور للمسرح فى صورته الطقسية فى اليونان كان فى القرن السادس قبل الميلاد احتفالًا بديونيسوس إله الخصوبة. 

ولكن فيما يبدو أن المسرح كفن طقسى صاحب ولازم الأساطير، فى إطار محاولة الإنسان الأزلية لفهم ذاته وفهم العالم، تلك المحاولة التى انعكست سرديًا فى الأساطير وتشخيصيًا فى المسرح كفن طقسى جامع لمختلف الفنون ومنهاالرقص والموسيقى والغناء والفن التشكيلى، لذا فقد استحق المسرح عن جدارة لقبه (أبوالفنون).

يمكننا إذن أن نعتبر أن المسرح لبى احتياجًا فطريًا لدى الإنسان.. احتياجًا لمحاكاة العالم والذات فى صورة منعكسة خارجه بحيث يكون لديه الحق والقدرة على معاينة ذاته ونقدها.. ويمكننا أيضًا أن نعتبر أن سؤال الجدوى حين يتعلق بالمسرح هو بالضرورة سؤال جدوى ذو صلة بالحياة ذاتها.

لذا فليس عجيبًا أن يظل المسرح على المحك محتفظًا بميزته التفاعلية الحية بين فنون الأداء المختلفة ومعلنًا صموده كلما تخيلنا أنه مهدد بالاندثار أو التراجع.. لقد هضم المسرح هذا الوحش العجوز/ الخبير بالطبيعة البشرية وباحتياجاتها الأصيلة، إحداثيات التكنولوجيا وأعاد إنتاجها ليظل شابًا يافعًا.. فظهر المسرح الرقمى، وظهرت فنون الميديا المندمجة داخل العرض المسرحى، كما وظف صناع المسرح السوشيال ميديا للوصول لجمهورهم المفقود.. ملبين الحاجة الإنسانية والعاطفية للمسرح، كما استلهم تقنياته صناع المحتوى على السوشيال ميديا.. فدعونا إذن نعيد طرح السؤال وطرح تجليات لإجاباته: 

لماذا المسرح؟

ربما لأن المسرح يعيد تشكيلنا حين ننخرط جميعًا شعوريًا باختلاف مراكزنا الاجتماعية وثقافاتنا فى العرض المسرحى ونسمح له باجتياحنا واستعارة ذواتنا وعوالمنا واختراق وعينا.. لنضحك من أنفسنا أو نبكى من أجلها ثم نتعلم من بكائنا وضحكاتنا.

فكما يقول لوركا:

المسرح مدرسة الدمع والأخلاق ومنبر حر يمكن الدفاع من فوقه عن الأخلاقيات القديمة أو الأخلاقيات المبهمة، واستخلاص القوانين الخالدة لقلب الإنسان ومشاعره.

لماذا المسرح؟

لأنه سيظل يلبى لدينا هذا الاحتياج الفطرى للاجتماع والاحتفال سويًا، أن نتصافح قبل بداية العرض، أن نشاهد مسرحًا حقيقيًا ونشتبك مع الحدث المسرحى، أن نبكى سويًا ونضحك سويًا ونسخر من العالم سويًا.. ونعلق على اللحظات المحتدمة كما كانت تفعل أمهاتنا.. فنرثى لحال البطل أو نقدم له نصائحنا التى لن يسمعها بالضرورة، وأن نقف فى نهاية العرض المسرحى لنصفق سويًا، أو ننسحب من الصالة معترضين.. سويًا.

لماذا المسرح؟

لأن الدنيا مسرح كبير ونحن جميعا ممثلون، والعرض مستمر، يصمد من يصمد ويسقط من يسقط والعرض مستمر، والجمهور متأهب لمشاهدة الألم والفرح، الدموع والضحكات، الجمهور متحمس ونحن أيضا متحمسون لأداء أدوارنا.. وسيظل المسرح ما بقيت الحياة.

لماذا المسرح؟

لأن المسرح يعرى زيف العالم ويكشف الحقائق ويصوب بندقيته بذخيرتها الحية دائمًا إلى الجهل والفساد والقبح.

لماذا المسرح؟

لأن المسرح يجعلنا نعيد تثمين إنسانيتنا ونشعر بأننا جديرون بالجمال والحياة والحب. 

لماذا المسرح؟ 

لأن المسرح يشفينا.. نعم يشفينا

يقال إن «مورينو» مؤسس السيكو دراما حضر صفًا «لفرويد» فسأله فرويد عما يفعل فأجابه مورينو: «أنتَ تحلل أحلام الناس وأنا أعطيهم الدافع ليحلموا من جديد، أنتَ تقطعهم نفسيًا «عبر تحليلهم» وأنا أساعدهم ليقوموا بإعادة لصق هذه الأجزاء مع بعضها البعض».