الأحد 18 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

أدباء ونقاد: اغتيال لسمعة «بلد يوسف إدريس»

حرف

شهد الوسط الثقافى المصرى مؤخرًا واحدة من أكثر الأزمات إثارة للجدل، بعد إعلان لجنة تحكيم جائزة «ساويرس» الثقافية عن حجب الجائزة الأولى فى فرع المجموعات القصصية القصيرة لشباب الأدباء. 

القرار الذى جاء مصحوبًا بخطاب ألقاه الشاعر جرجس شكرى، عضو اللجنة، فجّر معركة ثقافية واسعة، واعتبره كثير من الكُتّاب خطابًا وصائيًا واستعلائيًا، يضع فن القصة القصيرة فى موقع التابع أو الأقل شأنًا مقارنة بالرواية، ويتهم المبدعين بعدم معرفة قواعد الكتابة القصصية.

ردود الأفعال الغاضبة التى اجتاحت منصات التواصل والصالونات الأدبية كشفت عن حساسية موقع القصة القصيرة فى المشهد الأدبى، وعن شعور متنامٍ لدى كتّابها بأن هذا الفن يتعرض للتهميش أمام سطوة الرواية، التى باتت تحظى بالاهتمام الأكبر من دور النشر والجوائز والقراء، وبينما رأت لجنة التحكيم أن الأعمال المقدمة لم ترقَ إلى مستوى الجائزة، اعتبر الأدباء أن الحجب نفسه إهانة للفن ولتجارب شبابية تسعى لإثبات حضورها.

فى هذا الملف، تفتح «حرف» النقاش مع كُتّاب القصة القصيرة حول ما جرى، وتستعرض رؤيتهم لموقع هذا الفن فى المشهد الأدبى، وأسباب تراجعه أمام الرواية، وما إذا كانت أزمة الحجب مجرد حادثة عابرة أم مؤشر على أزمة أعمق تتعلق بمكانة القصة القصيرة فى الثقافة المصرية اليوم.

عاطف عبدالمجيد:  إذا كان المتقدمون ضعافًا فلماذا دعوهم للحفل؟!

من خلال واقعة جائزة القصة القصيرة فى مسابقة «ساويرس»، نتبين، وقد نكون على خطأ، أن القصة تتعرض إلى مضايقات من آخرين، رغم أن القصة هى البداية وهى الاستمرار، لأنها تولد ولادة طبيعية وعن يقين واقتناع بها، بينما قد تولد الرواية قيصريًا لأسباب تخص كاتبها وحده، أو تخص المناخ الأدبى.

أرى أن هناك أصواتًا عديدة تكتب قصة قصيرة بشكل جيد، ومع التسليم، وأعتقد أن هذا غير صحيح، بأن الأعمال التى قُدمت للجائزة لم ترقَ لحصدها، فهذا ليس دليلًا على ضعف وجود القصة، فليس كل كاتب جيد يقدم فى الجائزة، أى جائزة. وإذا كان المتقدمون للجائزة ضعاف المستوى فلماذا تمت دعوتهم لحضور حفل توزيع الجوائز؟ هل هذا عقاب لهم لأنهم لا يجيدون كتابة القصة؟! وهل هناك عقاب لكاتب أشد من حرمانه من جائزة قدم فيها وظن أنه أجدر بها من غيره؟

ثم يأتى السؤال الأهم: هل يُقدّر الذين يفعلون، أو يقولون، ما يُحبط كاتبًا واحدًا، فضلًا عن جماعة كتّاب، حجم الجريمة التى يرتكبونها؟ هل يعلمون أنهم يغتالون موهبة من حقها أن تكمل طريقها حتى وإن كانت متواضعة؟ هل يعلم هؤلاء حجم الكارثة؟ ويا للكارثة لو كانوا يقصدون ذلك!

فتحى إسماعيل:  نزعة استعراضية وتنظير فى غير محله

لا ينبع موقفى من الجوائز الأدبية من باب المتابعة الحثيثة، بل من مراقبة أثرها الذى يفرض نفسه على المشهد الثقافى. ورأيى فيها ثابت؛ فهى فى جوهرها مناسبات احتفائية لا منصات تقييمية. وأعتقد أن اختزال معايير الجودة فى «الفوز بجائزة» قد ألحق ضررًا بالغًا بالحراك الثقافى، إذ إن التقييم الحقيقى هو مهمة النقد المتخصص، وليس وليد لجان تحكيم مقيدة بشروط الجهات المانحة.

الحديث عن النصوص التى لم تجزها اللجان، أو انتقاد مستواها فى محفل التتويج، هو خروج صريح عن الدور المنوط بالمحكّمين. فالمهمة تنحصر فى الاحتفاء بالأعمال التى صعدت، لا فى تقريع النصوص المستبعدة أو إصدار أحكام إجمالية عليها. هذا المسلك لا يسىء للنصوص فحسب، بل يضرب مصداقية الجائزة فى مقتل.

وإذا كانت النصوص ضعيفة لغةً وأسلوبًا، فكيف مرّت عبر لجان القراءة والفرز الأولى؟ كما أن توجيه «النصيحة الفكرية» بهذا الأسلوب الاستعلائى على منصات التتويج يعكس نزعة استعراضية، ويحول الحفل من عُرس أدبى إلى ساحة للتنظير فى غير محله. الجائزة ليست حكمًا نهائيًا على جودة ما يُقرأ، ولا صكّ غفران نقديًا. 

عزة رشاد:  توبيخ علنى ونيل من كرامة المشاركين

موضوع الجوائز مقبول من حيث المبدأ على سبيل تكريم المبدع، وتقدير جهوده السابقة، وتشجيعه على بذل جهود جديدة. لكن الجوائز كفكرة أيضًا تثير الكثير من التساؤلات حول المعايير المحددة للقيمة، لماذا يفوز هذا العمل؟ ولا يفوز ذاك؟ 

وما حدث فى حفل إعلان جوائز «ساويرس»، وهى جائزة مصرية، أى فى بلد تعتبر القوى الناعمة من أهم مقوماته، هو أمر مختلف، وسيبقى أثره للأسف، لأنه، طبقًا لما فهمت، هناك إعلان عن قائمة طويلة للقصة قبل فترة، وهناك دعوة لـ٤ كاتبات ستفوز اثنتان منهن، ثم يحدث شىء آخر، فتلغى الجائزة الأولى، أى تفوز قاصة واحدة بدلًا من اثنتين. ثم تُقال كلمة من قبل أحد أعضاء لجنة التحكيم، فيها ما يشبه «التوبيخ»، «توبيخ» على ضحالة مستوى القصص، وقلة قيمتها الفكرية وفنياتها، وقلة ثقافة الكاتبات. كلمة تنال من كرامة الكاتبات! .

أتى هذا من قلب لجنة التحكيم، التى أثارت سؤالًا عن المعايير التى يُختار على أساسها لجان التحكيم، إلى جانب تساؤل إن كان التوبيخ موجّهًا لأبنية القصص بالفعل، أم كان هذا مجرد ذريعة تخفى اعتراض اللجنة على جرأة الكاتبات فى اختيار موضوعاتهن؟ .

سمية عبدالمنعم:  وصاية وتقريع وتعمد إهانة وتحقير!

صحيح أن حجب أى جائزة هو حق أصيل للجنة التحكيم، حسب ما يتراءى من أسباب، ولأنها نسبية وليست قاطعة، لكن هذا الحق لا يجب أن يتبعه «تقريع»، وما حدث تجاوز حد «التقريع» إلى تعمد «التحقير» من المشاركين.

إن كانت الأعمال القصصية المُقدّمة لم ترقَ للفوز بالمركز الأول، وهى، فى «تقدير» لجنة التحكيم، مجرد خواطر وحكايات، فهل للجنة الموقرة أن تفسر لنا كيفية وصول تلك الحكايات والخواطر للقائمة القصيرة؟

ما حدث لم ينل فقط من «سمعة» فن القصة القصيرة فى بلد يوسف إدريس، بل فى الواقع نال فى المقام الأول من سمعة تلك الجائزة، التى- حسبما أعلن عضو لجنة التحكيم- شاركت بها أعمال لا ترقى للفوز، ورغم ذلك فقد تم تصعيدها، ما يؤثر على مصداقية تلك الجائزة فى الدورات المقبلة.

كنت أنتظر من لجنة التحكيم، كأى لجنة متمرسة، إعلان أسباب نقدية وفنية حقيقية، تخضع لمعايير واضحة، لا أن تقع فى شرك المعاداة غير المبررة، فهدف أى جائزة أدبية هو المساهمة فى نشر وتشجيع ما يستحق من إبداع، وليس التنظير والتوبيخ لما تراه اللجنة غير مناسب.

رانيا هلال: حوّلوا الاحتفالية إلى «طعام مُر»!

ما حدث فى حفل استلام جائزة «ساويرس»، فرع القصة القصيرة لشباب الأدباء، يذكرنى بما حدث معى فى نسخة ٢٠١٥ من الجائزة ذاتها، وقت تسلمى الجائزة عن مجموعتى القصصية الأولى «دوار البر»، وقتها فوجئت بحجب المركز الأول، وما زاد الموضوع غرابة، الخطاب الذى ألقاه الكاتب حلمى النمنم، فى إعلانه عن الجائزة، وقال فيه: «القصص القصيرة التى تقدمت للجائزة ضعيفة ولا ترقى، ما اضطرنا إلى حجب المركز الأول آسفين». كان يتحدث بانفعال وغضب لدرجة نسيانه قول شىء عن مجموعتى الفائزة.

وقتها كنت فى موقف لا أُحسد عليه، خاصة أننى كنت حاملًا وفى غاية التعب، وجئت لاستلام الجائزة والفرح بعملى ومجهودى، لكن ما حدث كان العكس تمامًا، والذكرى الحلوة تحولت إلى طعم مُر، أشعر به كلما تذكرت الموقف.

وهذا العام، أرى أن البيان الذى ألقاه الناقد جرجس شكرى جانبه الصواب، وكان لا بد أن يكون مكتوبًا ومتفقًا عليه من جميع أعضاء اللجنة، وليس رأيًا فرديًا. وهو يمثل إهانة لكُتَّاب القصة القصيرة، وأجهض فرحة الفائزين فى القائمة القصيرة، فضلًا عما تضمنه من حديث عن أن مستوى القصة القصيرة فى مصر بشكل عام غير جيد.

سمير الفيل: المصريون ينافسون فى كبرى المسابقات 

المُحكّم فى جائزة «ساويرس» جرجس شكرى كان قاسيًا جدًا فى عباراته، أراد أن يوجه الكُتَّاب الجدد، وعباراته جرحت بعض الناس، لكنى أعتقد أنه لم يقصد أن يدمرهم نفسيًا، وكان فقط يقول ما يراه فى القصة القصيرة.

وبصفة عامة، وانطلاقًا من دورى كمُحكم لمسابقات عديدة فى القصة القصيرة، مثل مسابقات المجلس الأعلى للثقافة، والهيئة العامة لقصور الثقافة، ومبادرة «أكوا» السكندرية، أرى جيلًا جديدًا من الكُتاب يُقدم «فتوحات» فى القصة، مثل كاتب من الإسكندرية اسمه محمد ذهنى، وعزت الخضرى وفكرى داوود فى دمياط.

وأؤكد أن القصة القصيرة فى تقدم، ومع الوقت تأخذ مساحات جديدة، والدليل على ذلك أنه فى مسابقة «ملتقى الكويت» الخاصة بالقصة القصيرة، نجد سنويًا الكثير من الكُتَّاب المصريين، مثل طارق إمام وشريف صالح ومحمد رفيع.

أسامة ريان: نتيجة طبيعية لطغيان «الأسطوات» على «النقاد»

ما حدث يؤكد لنا أن «الأسطوات» أصبحوا يطغون على وجود أساتذة الأدب والمتخصصين فى النقد الأدبى، لذا أنا من الكُتَّاب الذين يرفضون وجود أى لجنة تحكيم يكون أى عضو فيها أقل من «دكتور»، لأن «الدكتور» أستطيع أن أحاسبه لو انحرف سلوكه، من خلال الجامعة، لكن «أسطوات» المجال مجرد أشخاص «هلاميين».

ورغم أننى أرى أن جرجس شكرى رجل  صادق، وخطابه كان صادمًا للفائزين، أشكك فى اللجنة نفسها، وأرى أن ثقافتنا وتراثنا قائم على رفض التحكيم، ونحن من فتنة كبرى فيه منذ أيام عمرو بن العاص وعلى ومعاوية.

ليس لدينا كاتب نستطيع أن نصدقه إلا إذا كان معه «دكتوراه فى النقد». أما مسألة تحول الكاتب المبدع إلى ناقد، أو الناقد إلى مبدع، فهذه حكاية يحيطها الشك. كما أن تقارير لجنة التحكيم وأوصافها، كل عام، نجدها مكررة، مجرد استبدال الأسماء بأخرى فقط، وهذه مشكلة كبيرة.

رضا عطية:  جرجس شكرى ليس ناقدًا ولا قاصًا!

قرار حجب المركز الأول فى فرع المجموعة القصصية، شباب الأدباء بجائزة «ساويرس»، لا يمكن فصله عن طبيعة الخطاب النقدى المصاحب للقرار. أتحفّظ ابتداءً على وصف الشاعر الأستاذ جرجس شكرى بصفة «الناقد»، وهى الصفة التى باتت تُمنح بشكل عشوائى ومجاملاتى لكثيرين دون امتلاك الجدارة الأكاديمية، أو الإنتاج النقدى الذى يؤهلهم لحمل هذا اللقب عن استحقاق.

هذا المدخل يقود مباشرة إلى جوهر الأزمة، والمحكِّم المعنى ليس ناقدًا ولا قاصًا، وهو ما يثير تساؤلًا ضروريًا حول مصدر اليقين الذى يجعله يضع نفسه على منصة «قضاء نقدى» يصدر أحكامًا قاطعة بشأن افتقاد عدد كبير من النصوص المقدَّمة لمقومات القصة القصيرة،

إننا إزاء ما يمكن تسميته- وفقًا لاصطلاح علم المنطق- «قضية فاسدة»، حين يحاكم شاعر نصوص نوع إبداعى لا يمارسه، ولم يكن له أى إسهام نقدى سابق فى قراءة هذا النوع من الكتابة.

شيرين فتحى: لجنة التحكيم تعاملت كناظر يوبخ تلاميذه

القرار غريب، فما جدوى حجب المركز الأول ومنح المركز الثانى؟! حجب بعض الجوائز متعارف عليه فى المسابقات الثقافية، لكن الحجب فى هذه الحالة بدا غريبًا بعض الشىء، خاصة فى ضوء البيان الذى ألقاه جرجس شكرى بالنيابة عن لجنة التحكيم.

تبرير الحجب باعتباره إشارة للكُتّاب الشباب للبحث والمعرفة والاجتهاد فى محاولات أفضل مستقبلًا، يفتح بابًا واسعًا للتساؤل، على أى أساس إذن تم اختيار القائمة القصيرة؟ وإذا كانت الأعمال لا تماثل نظيراتها فى فرع الرواية- كما ذُكر- فعلى أى أساس جرى اختيار هذه الأعمال تحديدًا؟ وإذا لم تكن على القدر الإبداعى المناسب، فلماذا تم وضعها فى القائمة من الأساس؟

الخطاب بدا فوقيًا بشكل غريب وكان كأنه ناظر مدرسة يوبّخ تلاميذه على درجات امتحان لم تعجبه، رغم أنهم فى الحقيقة اختيروا بالفعل ضمن قائمة الأوائل. 

رشا عبادة: «حصة إصلاح وتهذيب» برعاية «ساويرس»

الأمر كله يتلخص فى حدوتة الطفل الصغير الذى عمل أصابعه مسدسًا وقال: «طاااخ»، وشاركه آخر فى المشهد وعمل نفسه ميتًا وقال: «آآآى قتلتنى يا مجرم!».

للقصة القصيرة أساتذة وآباء وأمهات وعيال يحمونها، والدفاع عنها فى هذا التوقيت تحديدًا يصبح إدانةً، خاصة بعد حصة الإصلاح والتهذيب التى ألقاها الأستاذ جرجس شكرى على شباب الأدباء من كُتَّاب القصة القصيرة فى حفل توزيع جوائزها!

أعود للحدوتة السابقة، علينا أن نقبل بشروط اللعبة وعلى لاعبيها أن يلعبوها صح. «ساويرس» ذاته كشخص لا يعنينا، لكن الفرحة حلوة، وإن جاءت زغاريدها من بيت الجيران، والفلوس أيضًا حلوة، خاصة وإن ارتبطت بالكتابة التى يمارسها أغلبنا طمعًا فى السلام النفسى، وعلاجًا من روتين الحياة، وسعيًا خلف تطوير الذات وتحفيز الوعى.

ابتهال الشايب:  إحباط كبير للشباب وهدم للمواهب

التجريب فى الكتابة يحتاج إلى جرأة، والكثيرون لا يمتلكونها سواء فى القصة القصيرة أو الرواية، لأن هذا التجريب الجرىء ربما لا يلائم دور النشر أو الجوائز، والكثير من الكُتَّاب أنفسهم لا يقبلونه.

هناك تجريب محدود، ويبرز بشكل أكبر فى الرواية، لكن هذا لا يمنع وجود مجموعات قصصية بها عناصر فنية جيدة، قصة مكتملة، ربما تكون كلاسيكية، لكنها تندرج تحت بند القصة القصيرة. 

خطاب الناقد جرجس شكرى يثير الإحباط بشدة، لأنه يهدم مواهب كثيرة بحاجة إلى رعاية واهتمام. ليس الغريب ما قاله، لكن الغريب ضعف ثقة بعض المؤهلين فى القائمة القصيرة، فبعد استماعهم لحديثه. كان عليهم أن يتخذوا موقفًا مباشرًا فى نفس اللحظة ويرفضوا شهادات التقدير.

محمد رفيع: بعض طلاب الجامعة لا يعرفون يوسف إدريس!

خلال الـ٢٠ عامًا الأخيرة تعرضت القصة القصيرة لتهميش واضح على مستوى الجوائز والنشر، رغم صدور مجموعات بالغة الجمال والأهمية. منذ مطلع الألفية، شاع خطاب خفى عن «انتهاء زمن القصة»، تزامن مع صعود مقولة «زمن الرواية»، ومعها تدفّق الجوائز العربية المخصصة لها. وحتى حين أُنشئ مؤتمر الرواية بالمجلس الأعلى للثقافة، وقيل إنه سيتناوب بين الرواية والقصة القصيرة، لم يستمر ذلك سوى دورة واحدة، قبل أن يتحول إلى مؤتمر للرواية فقط!

فى المقابل، جرى الالتفاف على القصة القصيرة عبر تخصيص جوائز للقصة القصيرة جدًا، وكأن إعلان غير معلن عن موت القصة القصيرة بصيغتها المعروفة. زاد من ذلك إحجام نقاد كثيرين عن الكتابة الجادة عنها، وتحول حركة النشر، فى مصر والعالم العربى، إلى الرواية باعتبارها الرهان التجارى والثقافى الأضمن. لكن القصة القصيرة لم تمت. هذا الفن المراوغ، القادر على إعادة تشكيل نفسه، عاد من منافذ جديدة، وغير جلده، ووسّع من مساحات التجريب فيه، أحيانًا بدرجة تفوق ما يحدث فى الرواية.

مصر بحاجة حقيقية إلى مختبرات سردية داخل الجامعات، متخصصة فى القصة القصيرة، بوصفها فنًا أكثر قابلية للتداول والنشر، خاصة فى زمن المنصات الرقمية.

أذكر هنا تجربة شخصية: حين دُعيت لتقديم دورة قصيرة فى الكتابة الإبداعية بجامعة عين شمس، فوجئت بحماس طلابى كبير يقابله جهل شبه تام بالقصة القصيرة. كانت «طبلية من السماء» ليوسف إدريس أول قصة يقرؤها بعضهم، بل إن بعضهم لم يكن يعرف يوسف إدريس أصلًا!

هايدى فاروق: لا وجود للقواعد والمقومات الآن

أود التوقف قليلًا عند أسباب قرار الحجب، كما أوضحها أحد أعضاء لجنة التحكيم، حيث أكد افتقاد الأعمال المقدمة لمقومات وقواعد القصة القصيرة، من حيث البناء الفنى والوعى بأدوات هذا الفن.

هذا التبرير أغضب كثيرًا من الأدباء والنقاد والمهتمين بفن القصة القصيرة. وللحق لا أستطيع الجزم بالمقصود على وجه الدقة، فمن الممكن أن تكون الأعمال المقدمة قد افتقدت للجودة الفنية، لا لمقومات القصة القصيرة ذاتها.

ومصطلحا «المقومات» و«القواعد» تمردت عليهما القصة القصيرة منذ فترة طويلة، وتجاوزت فكرة الحكى التقليدى والقوالب النمطية للكتابة، بل وتخلت عن الالتزام الصارم بالعقدة والصراع والنهاية، بل إن العكس هو الصحيح.

التجريب فى القصة هو جوهر الإبداع، والتمرد على الشكل التقليدى للكتابة أصبح ضرورة.

محمد عثمان خليفة: «ضعيفو الموهبة» يشعرون بـ«الاستحقاقية»

ظاهرة تدهور مستوى كتّاب القصة القصيرة، بل والرواية أيضًا، أعمق من أن تعزى إلى سبب واحد. فى الأغلب الأعم، مع بقاء استثناءات فردية جادة، المشكلة فى غياب المنظومة التى كانت تصقل الموهبة وتضع لها سقفًا. ففى أزمنة يوسف إدريس ويحيى حقى ومحمود تيمور، على سبيل المثال، لم يكن يُسمح للنص الضعيف بأن يُنشر أو يُحتفى به، مثلما هو الحال اليوم. وبالتالى، تشتعل ثورة غضب مثل التى شهدناها بخصوص حجب جائزة القصة القصيرة فى جوائز ساويرس، لأن ضعيفى الموهبة لا يرون أنفسهم كذلك، بل تولّد لديهم استحقاق وتوهم بأن من حقهم أن يحظوا بالحفاوة والتكريم، رغم أن من يقرأ أعمالهم يدرك أنهم بعيدون إلى حد كبير عن التحلى بصفة كاتب.

أحمد الخميسى:  «نوبل» و«بوليتزر» حُجبتا من قبل 

حجب الجائزة حق أصيل للجنة التحكيم، رغم ما ينطوى عليه من قسوة، هذا الإجراء ليس سابقة فى تاريخ الجوائز الأدبية، إذ سبق أن حُجبت جائزة «نوبل» عام ١٩٣٥ بسبب «عدم وجود عمل جدير بالجائزة». كما حُجبت جائزة «بوليتزر» عام ١٩٤٨ لأن الأعمال «لا ترقى إلى المستوى».

المسألة الأخرى تتعلق بمدى أحقية الأعمال المقدمة فى الفوز من عدمه، ولا أستطيع الحكم فى هذا الشأن لعدم اطّلاعى على تلك الأعمال، ومن ثم لا يمكن تقدير مدى صحة حكم اللجنة بأن الأعمال «لم ترقَ إلى المستوى الفنى المطلوب»، وأنها كانت أقرب إلى الخواطر منها إلى البناء القصصى.

حجب الجائزة، رغم قسوته، قد يشكّل دافعًا للكُتّاب الشباب للانتباه إلى أهمية البناء والشكل القصصى، اللذين كثيرًا ما يُهملان. وأسجّل ملاحظة على تشكيل لجنة التحكيم التى خلت من مشاركة أحد كتّاب القصة القصيرة المعروفين.

حسين حمودة:  القصة القصيرة مظلومة ولم تمت أبدًا

فن القصة القصيرة، فى مصر والوطن العربى، بل وفى العالم أيضًا، لم يتراجع أبدًا، فى هذا الزمن وفى أزمنة سابقة متعددة، ولكنه كان مظلومًا على مستويات متعددة. ولعلنا نذكر أنه فى إحدى المجلات صدر ملف مطول بعنوان «أزمة القصة القصيرة»، تضمن كتابات متنوعة حول «موت القصة القصيرة».

والحقيقة أن القصة القصيرة لا تمر بأزمة ولم تمت، وهناك نتاج غير قليل من المجموعات القصصية يصدر بشكل مستمر، مع وجود مغامرات إبداعية متعددة داخل هذا الفن، مضت به فى طرق جديدة غير مطروقة، منها ما يسمى بـ«القصة القصيدة»، التى تستلهم روح الشعر، و«القصة الومضة» أو «القصة القصيرة جدًا».

جمال الطيب:  اتهام اللجنة بأنهم جيل قديم «تجاوُز» 

قرار الحجب حق أصيل للجنة التحكيم، وما جرى تداوله من اتهامات تمس أعضاء اللجنة باعتبارهم جيلًا قديمًا لا يواكب الحداثة والتجريب يمثل تجاوزًا لحدود اللياقة، وهو رأى عارٍ تمامًا من الصحة.

مفهوم فن القصة القصيرة معروف ومستقر نقديًا، باعتباره نوعًا أدبيًا يقوم على السرد الحكائى النثرى، أقصر من الرواية، ويهدف إلى تقديم حدث واحد غالبًا، ضمن مدة زمنية قصيرة ومكان محدود، للتعبير عن موقف أو جانب من جوانب الحياة، مع شخصيات مغمورة تنتمى إلى قلب الحياة اليومية، التى تشكّل الموضوع الأساسى للقصة القصيرة. 

لكن لماذا لم يتم حجب الجائزة بالكامل، طالما أن حيثيات بيان اللجنة لم تستثنِ عملًا بعينه، وإنما تحدثت عن المجموعات القصصية المقدمة مجتمعة؟!