الأحد 14 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

إشاعة

لوحة لوائل حمدان
لوحة لوائل حمدان

أبوالهول تكلم.. كانت هذه هى الإشاعة التى سمعتها منذ ساعة والتى غطت مصر كلها ولم أصدقها.. كيف أصدقها وأنا كلاجئ تحت قدمى أبوالهول انتظر منه الكلام ولم يتكلم، فكيف يفعلها الآن وكيف يتكلم مع غيرى، أتراه نسى الأيام الطويلة التى كنت أجلس فيها عند قدميه، والساعات التى كنت أتحدث فيها إليه بدون رد، حتى حسبنى العمال والسياح من المجاذيب أو من المدمنين الذين ذهبت المخدرات بعقولهم.. 

لم يفهمنى سوى سائح عجوز بوجه أحمر سلقته الشمس؛ فجأة انحنى علىّ وأنا جالس وربت على كتفى وقال بإنجليزية بريطانية: لن يتكلم فلا تتعب نفسك، لن يتكلم مهما انتظرت. 

ألقيت إليه بنظره تحد ولم أرد، وها أنا الآن أسمع هذه الإشاعة التى تكاد تخلع قلبى من مكانه ولا أصدق.. أصحيح تكلم؟ ومع من وماذا قال؟. 

أسئلة كثيرة حملتنى حتى وصلت إلى مكانه، كان كما هو يجلس باسترخاء بجانب الأهرامات، وينظر بضيق إلى البشر المتجمعين تحت قدميه، لم أكن وحدى من سمع الإشاعة، لذا جاءت جموع من البشر لكى تراه وتقف على هذه المعجزة؛ كلام أبوالهول.. 

لكنه لم يتكلم بل إنه حتى لم يتحرك فيه شىء، وأنا أقدر واحد على هذا القول؛ لأنى رأيته كثيرا حتى حفظت ملامح وجهه بكل ما فيه، من أصغر ندبة على جبهته حتى أنفه وذقنه المكسورتين.. 

وقفت وأنا أشارك أبوالهول نفس الضيق من هؤلاء البشر المختلفين فى كل شىء لكنهم مجتمعون عليه. جلست غير بعيد فى ظل حجر وركزت نظرى على شفتيه؛ أتراه يتكلم حقًا.. أتراه يفعلها؟.. 

كان كل تفكيرى يدور فى هذا الفلك طوال اليوم، ولم ألاحظ أن الشمس كلما تحركت نحو المغيب اختفى عدد من الناس، وعندما وصلت الشمس لمغربها كان لم يبق سواى فى الساحة الممتدة تحت قدميه، جالسًا فى مكانى لم أتحرك، وفتى صغير السن وحبيبته التى قالت: كنت أعتقد أن هذا اليوم سيكون رومانسيًا، لكنى لم أحصل منه سوى على صداع فى رأسى.. هيا بنا. انسحب الاثنان مكللين بخيبة الأمل، وهنا نظر أبوالهول إليهما بعينين تملؤهما السخرية. صرخت لكى يصل صوتى إليه: أنت لم تتكلم أليس كذلك؟ وجه إلى ابتسامة ساخرة ولم يعقب.